close
بيني وبينكم 2006

بينى وبينكم 2006 الحلقة السابعة والعشرون الاعجاز العلمي في القران الكريم ج 1

2006 EPS 27

الإعجاز العلمي في القرآن الكريم

لكل عصر لغة، ولكل زمان منطق، ومنطق اليوم منطق هو العلم، والمعرفة الدقيقة التفصيلية، وفي الآونة اﻻخيرة اكتشف العلماء اكتشافات عظيمة في القرآن الكريم من جهة الجانب الإعجازي العلمي، وأذكر أن الدكتور عبد الله المصلح رئيس هيئة الإعجاز العلمي للقرآن الكريم في رابطة العالم الإسلامي قال مرة: جربت وسائل الدعوة فلم أجد أنجع لهذا العصر من الكلام عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم.

وصدق حفظه الله تعالى، ولكن هذا العلم بحر واسع، والزمن قصير يعجز عن استيعابه بكل دقائقه، وتفصيلاته، فنلتقط الأنفاس السريعة مع أستاذنا العزيز الذي بذل جهداً طويلاً في البحث، والقراءة، والعطاء العملي في تأمل كتاب الله سبحانه وتعالى، وربطه بالجانب العلمي، ألا وهو الدكتور الفاضل صبري الدمرداش.

وأبدأ حديثي مع فضيلة الدكتور بسؤال مهم جدًّا طرحه الكثيرون، وأثاروه في أكثر من مناسبة، ألا وهو: هل ما نقوم به من الحديث عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم منهم صحيح؟

أليس الأمر كما يقول البعض: أصبح موضة عند بعض الدعاة؟

ألسنا بعملنا هذا نجُرّ القرآن الكريم إلى مآزق خطيرة، ومنزلقات وعرة، في تحميله ما لم يحتمل؟!

فماذا تقول عن هذا المنطق؟ وبماذا تجيب؟

فقال:

لا شك أن هذا سؤال منطقي، وهو مطروح وبقوة، والرد عليه بمنتهى البساطة أن أقول:

أنا كمسلم عندما أتذاكر آي الذكر الحكيم، أجد أن هناك معانٍ لا يمكن تبيانها إلا من خلال هذا العلم الحديث، وأضرب على ذلك مثالاً، قال الله تعالى: {وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماءً فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين}، فالفاء في قوله: {فأنزلنا}: كما هي في اللغة تفيد الترتيب والتعقيب على وجه السرعة، فربّ العزة يقول: إن إنزال الماء من السماء كان مترتباً على إرسال الرياح لواقح، ولكن لواقح لمن؟ هل هي للنبات؟

بالرجوع للآية فإننا لا نجد فيها إشارة النبات لا من قريب، ولا من بعيد، فإذن هي لواقح لمن؟

الجواب: أنها لواقح للسحب!!

وكيف تلقح الرياح السحب؟

تلقحها بثلاثة أشياء:

  • بخار الماء. 2- نوى التكاثف. 3- الكهربية السالبة.

والدليل على ذلك: البرق والرعد، وسقوط المطر بعد ذلك.

إلا أن المفسرين القدامى اجتهدوا وصرفوا المعنى عن المعنى الحقيقي؛ لأنهم لم يلتزموا في هذه الآية بالنص! لماذا؟

لأنهم قالوا: إن الرياح تحمل الحبوب المذكرة، وهي حبوب اللقاح من الأزهار المذكرة، وتنقلها إلى الأزهار المؤنثة.

قلتُ:

وهذا واقع عملي أمامهم.

فقال:

صحيح، وهذا يحدث، ولكن ليس له علاقة بالآية!

إذن من الذي قال: إن الرياح تلقح السحب بالأشياء الثلاثة التي ذكرناها؟

الجواب: علم الفيزياء!

فأنا كمسلم مضطر أن ألجأ في القرن الـ 21 إلى علم الفيزياء، كي يفسر لي كلمة لواقح، فهذا مثال على الحاجة الماسة للإعجاز العلمي.

قلتُ:

ولكن ألا ترى يا دكتور أن الإعجاز العلمي للقرآن الكريم هو وسيلة ناجحة مع صنفين من الناس: الملاحدة الذين ينكرون وجود الخالق، والذين يشكون أصلاً في رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم؟

فقال:

في ظني ورأيي المتواضع أنه من الصعوبة بمكان أن ينكر الإنسان وجود الخالق، خاصة عندما يختلي بنفسه، إلا إذا كان الحمل له على ذلك هو المعاندة، والمكابرة، وكان الشيطان متسلطاً عليه، ولكنه لو تجرد عن الهوى، وحكّم عقله، واهتدى بفطرته، فمن المستحيل أن ينكر وجود خالق لهذا الكون العظيم، بهذا النظام والدقة المتناهية!

قلتُ:

الآيات التي جمعتَها يا دكتورنا الفاضل عن الإعجاز العلمي كثيرة جدًّا: آيات كونية، وآيات في الأرض، وآيات في الحشرات، وآيات في النباتات، وغيرها، ولذلك سأبدأ حديثي عن أضعف المخلوقات، وأبدأ بقوله تعالى في قصة سليمان: {حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم ﻻ يشعرون}، فهل النمل يتكلم؟!

فقال:

بداية: هناك تعليق بسيط على الكلمة التي قلتها: إن النمل أضعف المخلوقات!

فمن قال إن النمل أضعف المخلوقات؟! فلو قارنّا بين الإنسان وبين النملة لوجدنا ما يلي:

أولاً: من حيث أسبقية الخلق: فالنملة عمرها 150 مليون سنة، بينما الإنسان أحدث المخلوقات.

ثانياً: من حيث القدرة على رفع الأثقال: فالنملة تستطيع حمل أضعاف أضعاف وزنها مهما كانت المسافة بينها وبين بيتها، أو المكان الذي هي ذاهبة له، بينما نجد أن بطل أبطال العالم لا يستطيع أن يحمل أكثر من وزنه مرة ونصف أو مرتين!

ثالثاً: من حيث العقيدة: فكل النمل مؤمن، بينما أكثر الناس ليسوا كذلك، بدليل قول الله تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين}.

قلتُ:

أذكر أنني سمعتك مرة تقول: هناك نمل إرهابي! فلو أعطيتنا نبذة عنه؟

فقال:

النمل الإرهابي هو النمل المسيِّر للجيوش، مثل النمل الفيلقي، فالجيش من النمل مكون من 150 ألف عنصر، وهو منظم للغاية، وجاهزيته القتالية عالية، وتنظيمه فائق ودقيق، فهناك مقدمة في الجيش، ومؤخرة، وميمنة، وميسرة، وفي الوسط تكون الملكة، وحولها الحوريات، أو اليرقات الأصغر، فالأكبر، فالأكبر، وهكذا، والجنود يتصدرون المقدمة والمؤخرة، ويحمون جناحَيْ الجيش!!

قلتُ:

في قوله تعالى: {قالت نملة}، كيف يمكن أن نفسرها؟

فقال:

قالت: بمعنى تكلمت، وعند النظر في كلام النملة، نجد أنها تكلمت بكلام فصيح، كأحسن ما أنت سامع! {حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهو لا يشعرون}.

وتعال بنا نحلل هذا الكلام تحليلاً لغوياً: فعند التأمل في كلام هذه النملة الفصيحة، نجد أنه اشتمل على تسعة ألوان من البديع أو من البيان!!

  • يا: نداء. 2- أيها:خاطبت. 3- النمل: حددت. 4- ادخلوا: أمرت. 5- مساكنكم: نصّت. 6- لا يحطمنكم :حذّرت. 7- سليمان: خصّصت. 8- وجنوده: عمّمت. 9- وهم لا يشعرون: اعتذرت.

قلتُ:

وهل هناك اكتشاف علمي على كلام النمل، أو صوت النمل؟

فقال:

في الأصل النمل لا يتكلم لغة واحدة! وإنما يتكلم ثلاث لغات: فالنمل يتفاهم باللمس، وبالرائحة، وبالصوت.

والعالم النمساوي لورانس تمكن من خلال تقنية عالية جداً من تسجيل كلام النمل، وهنا يأتي التحدي الأعظم: هل هناك كتاب في العالم في علم الحشرات، أو كتاب سماوي قبل القرآن الكريم ذكر: أن النملة تتكلم؟

الجواب اليقيني والقطعي: أبداً لا يوجد.

قلتُ:

إذن هو كلام حقيقي، وكلام يخص النمل؟!

فقال:

أما نحن فلا نفهم كلامها، لكن سيدنا سليمان فهم، وهنا الكلام يأخذنا أين الإعجاز في ذلك؟ هل هو في كلام النمل؟ أم في سيدنا سليمان؟

ليس ثمة إعجاز في كلام النمل؛ لأن كل النمل يتكلم، فليست معجزة أن النملة تتحدث، ولكن المعجزة في سيدنا سليمان الذي استطاع أن يسمع هذا الكلام، ويفهمه، ويستجيب له بالابتسام، وبالقول، {فتبسم ضاحكاً من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين}.

قلتُ:

شَكَر النعمة، ولم يغتر بالعلم الذي أعطاه الله تعالى، وإنما زاد شكراً لله سبحانه وتعالى.

فقال:

صدقت.

كذلك من مظاهر العظمة في خلق الله تعالى للنملة: أن النمل يدفن موتاه، كما يدفن الإنسان موتاه! فالنملة عندما تموت تنعي نفسها.

قلتُ:

وكيف تنعي نفسها؟

فقال:

تقوم بإرسال مادة لها رائحة معينة، هذه المادة هي حمض الزيتيك، وأول ما تنتشر هذه الرائحة يعرف النمل أن هناك عزيزة عليهم قد ماتت، فيقومون بتشييعها، ومن ثَمّ يمشون في موكب جنائزي مهيب له بروتوكول مخصوص.

قلتُ:

ما رأيك أن ننتقل إلى عالم آخر، من عوالم الحيوانات، ألا وهو عالم العنكبوت؟

ففي القرآن الكريم سورة كاملة باسم سورة العنكبوت، فماذا تقول في هذه السورة التي يقول الله سبحانه وتعالى فيها: {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون

فقال:

أقول لكل البشرية بهدوء: تعالوا إلى كلمة سواء بينا وبينكم، لنرى هذه الآية ماذا تقول؟

يقول رب العزة جل جلاله: {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون}، هنا حرفان وحرف، لولاهم لكنا نحن المسلمين في مأزق، ولكن بوجود هذه الحروف الثلاثة نحن في ثقة تامة، وفي اطمئنان كامل، ويقين!

الحرفان هما: الواو والتاء في كلمة العنكبوت، والحرف هو: حرف التاء في كلمة اتخذت، وهذا تحدي للبشرية كلها، لماذا؟

نرجع للغة: فالمفرد المذكر في عالم العناكب يقال له عنكب، والمفرد المؤنث يقال له عنكبوت، وعنكبة، وعنكباء، فلها أسماء عديدة، هنا القرآن قال: عنكبوت، بمعنى أن الأنثى هي التي بَنَت البيت، وليس الذكر! يقول علم الحشرات: إن الأنثى والأنثى وحدها هي التي تبني البيت، وأما الذكور فليسوا مسؤولين إطلاقاً عن بناء البيت، لماذا؟

لأن الأنثى هي التي فيها المغازل، ففيها أربعة مغازل، و كل مغزل فيه خمسون ألف بكرة نسيج، وهذه البكرة متصلة بخمسين ألف غدة، هي التي تفرز الحرير!

أما الذكر فليس لديه هذه المؤهلات، وهذه الحقيقة لم تعرف، ولم تكشف إلا في نهاية القرن الثامن عشر! ولم يكن من الممكن لعلماء الحشرات اكتشافها إلا بعد اختراع المجهر!

قلتُ:

الوهن المذكور في هذه الآية من أين جاء في بيت العنكبوت؟

 

فقال:

بيت العنكبوت بيت، ولكنه ليس ككل البيوت؛ لأنه مصنوع ليس من لبنات، بل من خيوط، ففيه ما يقارب 400 ألف خيط! وكل خيط طوله 20 سنتيمتر، وسمك هذا الخيط جزء من خمسين جزء من المليمتر، فلو أحضرنا خيطاً من الفولاذ بنفس هذه المقاييس، فإن خيط العنكبوت يكون أقوى منه أربع مرات!!

إذن الضعف والوهن ليس في الخيط، وإنما في البيت، ولذلك لم تقل الآية: إن أوهن الخيوط لخيط العنكبوت، وإنما قالت: إن أوهن البيوت لبيت العنكبوت، وهذا من دقة كلام ربنا جل وعلا.

قلتُ:

إذن من أين جاء الوهن؟

فقال:

جاء من الذي يحدث فيه، فوظيفة أي بيت أمران: الستر والحماية، لكن بيت العنكبوت لا يستر ولا يحمي، فخارجه يفضح ما بداخله، هذا أولاً.

وثانياً: فأقل هبة نسيم، أو نفخة هواء، تدمره.

وثالثاً: هو لا يحمي من حر، ولا من برد، ولا من مطر.

ورابعاً: وهو مهم، ففي معظم الأنواع وخاصة العنكبوت الأرملة السوداء، تكون الأنثى أكبر من الذكر مرتين، في الحجم، وفي القوة، فإنها بعد الزواج مباشرة، وبعد الجماع تقوم الأنثى بقتل الذكر، ثم تأكله!! ومن الممكن أن يهرب الذكر منها، إلا أنها تبحث عنه، وعن أولاد، فإذا وجدت أولاداً أكلتهم، وكذلك الأولاد يأكل بعضهم بعضاً، فبالتالي هو بيت واهن من جميع الجوانب.

قلتُ:

دعنا ننتقل إلى موضوع آخر في عالم الحشرات، ذلك العالم العجيب، والذي لا يزال كثير منه خافياً علينا، وهو الكلام عن حشرة البعوضة، فالله جل وعلا يقول:{إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها}. فقد قيل: إن الآية نزلت لأن اليهود كانوا يقولون: إن القران يأتي بأمثلة كالحشرات والكائنات الصغير، فالله سبحانه وتعالى رد عليهم بهذه الآية العظيمة، فضرب المثل بالبعوض.

ماذا توحي لك هذه الآية من خلال دراساتك العلمية؟

فقال:

إنها توحي لي بأشياء كثيرة جداً، وتوحي لي بإعجازات، لأن الذين درسوا تشريح البعوضة وعرفوها تركيبياً وفسيولوجياً، يعرفون دلالتها من هذه الآية.

ومعلوم سبب نزول هذه الآية، فقد ورد: أن الله تعالى لما ذكر العنكبوت، والذباب، قال المشركون: ما بال العنكبوت والذباب يذكران؟ فأنزل الله: {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها}.

وقوله: فما فوقها، المقصود فما تحتها، أي فما هو دونها في الخلقة، فلما استصغروا البعوضة، قال لهم: سأضرب لكم مثلاً بما هو أصغر منها، فما المانع من ذلك،ما دام هناك عبرة، وعظة، وحكمة بالغة؟!!

وقد فات هؤلاء المتكلمون حقيقة مهمة جداً، وهي: أنه كلما استدقت الصنعة، كلما احتاجت إلى حذق الصانع ومهارته.

قلتُ:

ذكرتَ مرة أن البعوضة تفرق بين البدوي والحضري، وبين الأنثى والذكر، وبين أهل القرى وأهل المدن، وهذا بلا شك أمر غريب! بل الأغرب من ذلك: أن البعوض يلسع النساء أكثر من الرجال!! وهذا تحيز.

فقال:

وأزيد عجبك كذلك: أن التي تلسع هي أنثى البعوض، وليس الذكر!! فإذا لدغتك بعوضة فهي دائماً أنثى؛ لأن الذكور تتغذى على رحيق الأزهار والنباتات.

قلتُ:

أين تكمن عظمة هذه البعوضة؟

فقال:

الحقيقة أنه في كل شيء، ودعني أقوم بمناظرة مع هؤلاء المستهزئين:

فأقول لهؤلاء المستهزئين: كم عين لك أيها الإنسان؟ سيقول: اثنتان.

سأقول له: فالبعوضة التي تستهزئ بها لديها أكثر من ألف عين، فلديها زوج من العيون المركبة، وكل عيون الحشرات مركبة تقريباً، ففي كل عين من البعوضة عدة مئات من العُيَينات، والعبرة ليست بالعدد، بل هي منفصلة تشريحياً، ومتكاملة وظيفياً، كي تعطيها أعظم رؤية ممكنة بالليل.

كذلك: الإنسان له قلب واحد، أما البعوضة فلها ثلاثة قلوب: قلب مركزي، وقلبان يتحكم كل واحد منهما في أحد الجناحين!

البعوضة فيها خرطوم، وهذا الخرطوم عبارة عن سبع قطع، وهذه القطع لها سكاكين، وكل واحدة منها متخصصة في وظيفة: فواحدة للقطع، والثانية للفصل، والثالثة للنشر، والرابعة للبتر، وهكذا.

البعوضة لديها جهاز يعمل بالأشعة تحت الحمراء، فتكون أنت نائماً، قد أطفأتَ الأنوار، فأتي وتوقظك من نومك! كيف رَأَتْك؟!

هذا الجهاز يمكنها من رؤية لون جلد الإنسان باللون البنفسجي، وهي تبحث عن الجلد البنفسجي، فتجده، فتلدغ، ولا تخطيء.

قلتُ:

ولكن لماذا تلسع النساء أكثر من الرجال؟ هل اللون يختلف، أو نوع الدم؟

فقال:

كلاّ، بل عن طريق الرائحة، فالرائحة هي التي تجعل البعوضة تفرق بين الرجال والنساء! وبين أهل القرى وأهل المدن، وبين الحاضرة والبادية؛ لأن حاسة الشم لديها قوية جدًّا، فهي تشم على بعد ستة كيلوات!! وجهاز الشم عند البعوضة آية من آيات الله، بل وفي الحشرات كلها.

قلتُ:

إذا عرفنا أنها تميز بين رائحة الرجل ورائحة الأنثى، فلماذا تخصصت أكثر في امتصاص دم الأنثى؟!

فقال:

هي في الواقع تمتص دم الاثنين الذكر والأنثى.

قلتُ:

قوله تعالى: (بعوضة فما فوقها) لماذا جاء التعبير بهذه الطريقة، هل هناك تفسير؟

فقال:

يعيش على ظهر البعوضة بعض الطفيليات، أدق منها، وأصغر حجماً منها، وأوهن شأناً منها، مصداقاً لقوله تعالى: {فما فوقها}، فتجد البعوضة عندما تلدغ الإنسان، تقوم بتخدير الجلد أولاً، وهذه حكمة بالغة؛ لأنها لو لم تقم بتخديره عند عضّه، فإنه سيقوم بتطييرها، وبالتالي سيموت البعوض وينقرض، ووجوده حكمة بالغة.

قلتُ:

هل الألم يأتي من اللسع؟

فقال:

كلاّ، إنما هي تثقب الجلد وتمص الدم، وعندما تمص الدم، تفرز حمضاً معيناً يمنع تخثر الدم، هذا الحمض هو الذي يلسع وليست الإبرة!! وهذا الحمض للتخثير، وليس للتخدير، حتى يظل طازجاً، تمتص منه مصة، وتعُبُّ منه عبَّة، وترشف منه ارتشافة، فيظل حارًّا وطازجاً، ثم إن البعوضة صاحبة مزاج؛ لأنها عندما تمتص الدم، فإذا لم يرُقْ لها، ولم يكن على مزاجها، فإنها تتقيؤه بعدما تمتصه!؛ لأن لديها جهازاً خاصاً بهذا الشأن، فهي تمتلك جهازين: جهازاً خاصاً بتمييع الدم، وجهازاً خاصاً بتسييل الدم!

قلتُ:

ما رأيك أن نترك عالم الحشرات قليلاً، لنذهب إلى ذلك المخلوق العجيب الذي جاء الحث في كتاب الله تعالى إلى النظر إليه، والتأمل في خلقه، إنه الجمل! حيث يقول الله تعالى: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت}، وقد ورد أن القاضي شريحاً كان يقول: اخرجوا بنا ننظر إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت.

فماذا سوف تحدثنا عن هذا المخلوق العجيب؟

فقال:

نحن الآن أمام معجزة من معجزات الله سبحانه وتعالى، هي معجزة في الخلق بكل المقاييس، يقول رب العزة جل جلاله: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت}، أفلا ينظرون: أي أفلا يتأملون، والحق تبارك وتعالى يقول: {إن في ذلك لآية للمتوسمين}، والمتوسمون: هم المتأملون بعمق وبشدة، فنريد أن نطبق هذا الوصف علينا في النظر إلى هذا المخلوق العجيب وهو الجمل!

قلتُ:

كيف؟

فقال:

من ثلاث نواحي:

الأولى: الناحية الشكلية.

الثانية: الناحية النفسية.

الثالثة: الناحية التركيبية.

ونبدأ أولاً بالناحية الشكلية:

انظر إلى رأس الجمل فإنه يوجد فيه عينان، وعين الجمل لها ثلاثة جفون: جفن علوي، وجفن سفلي، وجفن ثالث عبارة عن غشاء شفاف، عندما يسير الجمل في الصحراء، وتهب الرياح، فيحميه من ذرّات الغبار، والأتربة، ودقائق الرمال، فيقوم الجمل بغلق الجفن، كالنظارة.

ثم انظر إلى العين تجدهما واسعتين، وفيهما رموش وأهداب طويلة كثيفة، وهما عبارة عن طبقتين، حتى تحميه من الغبار والأتربة.

أما الأنف فللجمل منخران: وهذان المنخران مملوءان بالشعيرات، وهذه الشعيرات تقوم بعملية تصفية من الغبار، والأتربة، فشعيراته كثيفة جداً جداً.

ثم انظر إلى الأذنين: تجدهما صغيرتين جداً بالنسبة لحجم الرأس، وتجدهما بيضاويتان، فعندما تهب الريح، رغم صغر هذه الأذن، إلا أنه يستطيع أن يتحكم فيهما عن طريق عضلة معينة، وينيمهما، ويميلهما ناحية الجسم، ويبعدهما قدر الإمكان عن هبوب الريح!

كذلك الرقبة الطويلة لها حكمة عظيمة، حيث يحركها في كل اتجاه، لأعلى ولأسفل، وهو من الحيوانات التي تأكل كل شيء.

ثم تجد الجسم مغطى بالوبر، والوبر في الشتاء يختلف عن الوبر في الصيف! ففي الشتاء يكون الوبر كثيفاً، كي يحمي هذا الجسم من برد الشتاء، أما في الصيف فيتساقط هذا الوبر، حتى يتيح للعرق فرصة التبخر عن طريق الجلد.

وأما السنام فهو عبارة عن مخزن للطاقة والماء.

ثم انظر إلى أرجل الجمل، تجدها طويلة وهذا لحكمة بالغة!

قلتُ:

وماذا عن عوازل الكهرباء في أقدام الإبل؟!

فقال:

لنفرض أن هذا الجمل تاه في الصحراء، وحصل تفريغ كهربائي، فإن الجمل ربما ينجو؛ لأن هذا الخف عبارة عن مادة عازلة تماماً للكهرباء، فتنجيه من الصواعق، فهذا الخف يعزله، كما أن جلد الجمل عازل للحرارة، وفيه مادة عازلة للكهرباء!

قلتُ:

سمعتك تقول في بعض الدروس العامة: إن كريات الدم التي في الإبل والأباعر تختلف عن كريات الدم التي في المخلوقات في العالم كله؟ كيف ذلك؟

فقال:

لا بد أن تعلم أن هذا الجمل من إعجازه في الخلق أن فيه نظامين في الدورة الدموية: الرأس، والرقبة، والجذع، هذا نظام، والأرجل نظام آخر، أي نظامان دمويان في جهاز واحد، فالإنسان عندما يستبد به العطش، فإنه يسحب الماء من الدم مباشرة، فيحدث تجلط في الدم، ثم تحدث له ضربة شمس فيموت بعد ثلاث أو أربع أيام، أما الجمل فيقوم بتخزين الماء في أنسجته، وعندما يعطش فإنه يشرب الماء المخزون في الأنسجة هذه واحدة.

ثانياً: فإذا انتهى الماء من الأنسجة، فإنه يأكسد بعض المواد الدهنية الموجوده في السنام، ويأخذ منها الماء.

ثالثاً: إذا اضطر إلى الماء، فإنه يقوم بسحب الماء من الدم، ويكون قد مر عليه عشرة أيام، أو اثنى عشرة يوماً، فعندما يستبد به العطش في اليوم التاسع أو العاشر، ويوشك أن يموت، فتستطيع كرات الدم الحمراء الدخول في مختلف أنسجته، وسحب الحرارة، والذهاب بها إلى الجلد حتى يصرِّفها إلى الخارج، ولا يصاب بضربة شمس، فهذه من الأشياء الأساسية التي أودعها الله فيه لكي يتحمل العطش.

كذلك فالجمل يأكل الشوك، فتجد الشفاه طويلتين مطاطيتين، وتجد الشفة العليا مشقوقة؛ من أجل مباعدة نصفها الأيمن، عن نصفها الأيسر، ورفعها لفوق؛ حتى لا يؤذيه الشوك، والغريب في الأمر أنه يقوم بتحويل الشوك إلى بروتين! فكيف يحدث هذا؟

والجواب: أن كل العلماء محتارون في هذا الموضوع إلى الآن، فكيف يتحول الشوك إلى بروتين في الجمل؟ لأن له جهازاً هضمياً فائقاً، فله ثلاث معدات: الكرش، والقلنسوة، وأم التلافيف، وكلها تهضم في غاية الكفاءة.

ثم كيف يقابل الجمل تحديات الصحراء؟ فمثلاً: من حيث الخطر: فالحيوانات الصغيرة تستطيع أن تهرب، وتتخفى في الجحور والشقوق، إذا أحست بالخطر، أما الجمل فحجمه كبير، سوف يُكشَف بسرعة، ولذلك فإن الخالق سبحانه وتعالى لم يتركه أعزل، وإنما أعطاه سلاحين: الأول حتى يواجه الخطر وهو صغير يقدر يواصل المسير بعد ساعتين أو ثلاثة على الأكثر، وبعد اليوم التالي يستطيع أن يرهو.

أما عملية التبول عند الجمل فشيء عجيب جداً! فكل المجترّات إن لم تتبول بالقدر الكافي، فإنها تتسمم بالباولينا وتموت إﻻ الجمل؛ لأن لديه القدرة على تحويل هذه المادة من مادة سامة، إلى مادة مفيدة له! حيث يأخذ بوله، ويذهب به إلى الكبد فيصفيه، ويأخذ ماده اليوريا، والمواد النيتروجينية الموجودة فيه، ويحولها إلى غذاء، ويصفي الماء من هذه المواد النيتروجينية، ويصبح له مخزون ثاني من الماء، وبالتالي يكون قد ضرب عصفورين بحجر!

كذلك لبن الناقة غني جداً بالفيتامينات، وخاصة فيتامين سي، وهذا لحكمة بالغة، وهي أن الجمل موجود في الصحراء، وفيتامين سي موجود في الفواكه، والخضروات الطازجة، والصحراء لا يوجد بها فواكه، ولا خضراوات طازجة، فيكون التعويض عن طريق الحليب.

قلتُ:

وماذا عن الجانب النفسي عند الجمل؟

 

 

فقال:

الجمل حيوان حساس جدًّا، وعنده وفاء، ويحزن، ويبكي، ويتميز الجمل بالهدوء، وسلاسة القيادة، والطاعة، ويحفظ صوت صاحبه، ويستمع إليه، وهو يتعرف على صاحبه بأمرين: بالرائحة، وبالصوت، ويعرف كذلك منابع الماء، وإذا ضل الطريق فإنه يستطيع الرجوع عن طريق الرائحة أيضاً، كذلك فإن الجمل يحب صاحبه حباً جماً، وإذا افتقده يحزن عليه، وتدمع عينه، وأحياناً يمرض!!

وفي المقابل هناك جانب آخر عند الجمل، معروف عنه: وهو أن الجمل حقود! أي أنه لا ينسى الإساءة مطلقاً.

قلتُ:

هناك آية عظيمة في كتاب الله تعالى، أود منك التعليق عليها، ألا وهي قول الله تبارك وتعالى: {فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم}، فقد حدد المواقع، ثم بين أنه عظيم من حيث التصريح، وعظيم من حيث القسم، ولا يقسم الله سبحانه وتعالى إلا بشيء عظيم من خلقه، فما هو تعليقك على قضية مواقع النجوم؟ نحن نرى النجوم تتحرك، فكيف يكون لها مواقع؟

فقال:

قوله: {فلا أقسم}، أي أقسم، وإنه لقسم لو تعلمون، هنا نرجع إلى قضية الإعجاز العلمي في القرآن الكريم.

قلتُ:

لماذا أقسم الله تعالى بمواقع النجوم، ولم يقسم بالنجوم نفسها مع عظمها؟

فقال:

لسببين:

السبب الأول: عظم هذه المواقع.

السبب الثاني والخطير: أنا أتحدى أن يرى أحد الشمس! فالذي نراه هو موقع مرت به الشمس، فالذي نراه في السماء ليست الشمس، وإنما هو موقع مرت به الشمس.

فالموقع يقول لنا: إن الشمس كانت هنا منذ ثمانية دقائق وثلث؛ لأن المسافة بيننا وبين الشمس ثماني دقائق وثلث ضوئية، أما عن الشمس فالله تعالى قال فيها: {والشمس تجري لمستقر لها}، تجري حقيقة، وهو فعل حركي، فهي تجري بسرعة 19.2 كيلو متر في الثانية، وهذا من حكمة الله تعالى رحمة بنا، لأن الإنسان لو رأى النجم بنفسه، وليس موقعه، فإنه سيصاب بالعمى، ويفقد بصره فوراً!!

 

Tags : الاعجازالعلميالقرانالكريمج1في