close
بيني وبينكم 2008

بيني وبينكم 2008 الحلقة الرابعة عشرة يهود اليمن

2008 EPS 14

العدالة …   الإنصاف …   التعايش  السلمي …    المواطنة …  الاحترام المتبادل …

مصطلحات جميلة، ذات مدلولات راقية سامية، يعيش المرء من خلالها الحياة بكل معانيها الطيبة الهانئة، ويقدم لأجلها ما يستطيعه من فكر وإبداع، وبذل وعطاء.

  • فمن منا لا يحب أن يعيش في مجتمعه محترماً مقدراً من الآخرين؟
  • من منا لا يرغب أن يكون آمناً في نفسه وأهله وماله، فلا يُعتدى عليه؟
  • من منا لا يتمنى أن يكون بين أبناء وطنه محفوظ الكرامة ، موفور الحشمة، مُصان المكانة؟
  • من ،   ومن   ،  ومن   …. ؟ !

 

أنا ، وأنت ، وهو ، وهي، كلنا ذلك الإنسان.

 

مهما اختلفت الديانات، وتعددت الأفكار، وتغايرت المناهج والمذاهب، والملل والنحل، والطوائف والفرق، والآراء والتصورات.

ما أجملها من حياة ، وما أرقاه من عيش، حين يشعر الإنسان بكل ما سبق ، بل وبما هو أكثر…

فأين يا ترى يتحقق ذلك كله ؟! إنه في ظل عدالة، وسماحة، ورقي، وحضارة، وأدب، وأخلاق: الإســـــــــــــــــــــــــــــــــلام.

نعم إنه الإسلام ولا شيء سواه.

لا أقول ذلك تحيزاًً لديني، وإن كنت بل وكل مسلم مثلي يفخر بذلك، ولكنها الحقيقة أيها السادة …

 

نعم …

إنها الحقيقة التي لا يمكن حجبها، ولا إخفاؤها، لأنك إن حاولت ذلك، فكأنما تغطي الشمس، وتطمس نورها بقطعة قماش !!

نعم . . .

إنها الحقيقة التي يعرفها من ذاق حلاوتها، واستظل بظلالها الوارفة . . .

 

لا أكون مبالغاًً إن قلت: إن أمة من الأمم، أو شعباًً من الشعوب، أو ديانة من الديانات، أو حضارة من الحضارات، القديمة منها والحديثة، عرفت تلك المعاني التي تحدثت عنها آنفاًً، بمجموعها وشمولها، وتطبيقها وحياتها واقعاًً عملياًً لا نظرياًً، كما عُرف في الإسلام.

 

ولكن . . .

تبقى الأقوال والادعاءات نظرية، لا أثر لها حقيقياًً، ما لم تصدقها الأفعال، وتترجمها الممارسات العملية…

وكما قيل: أصدق القول ما تراه العين، لا ما تسمعه الأذن.

 

أيها القارئ الكريم، أيتها القارئة الموقرة، دعوني أنطلق بكم في رحلة ماتعة، وجولة رائعة، وهي في الوقت نفسه مبادرة شيّقة، وتجربة عفوية، قصدتُ من خلالها ربط النظري بالعملي، والقول بالعمل.

 

كانت رحلتنا إلى اليمن السعيد، يمن الإيمان، يمن الحكمة، يمن السماحة، يمن الرقة، يمن المشاعر، يمن الأخلاق السمحة، كما قال سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان يمان، والحكمة يمانية)).

 

حطتنا رحالنا في منطقة جميلة تسمى: (ريدا)، من محافظة عمران، وسوف تستغربون سبب اختيارنا لهذه المنطقة بالذات.

 

أقول: لا تعجلوا عليّ، ففي الجعبة الكثير من المفاجآت، وسوف يتملككم العجب مما سيلقى على أسماعكم، وكأني بأحدكم واضعاًً يده على ذقنه، متمتماًً في سِرِّه وجهره: أحقاًً كان هذا؟!

فأنا لستُ بأحسن حالاًً منكم، فكم مرة وقفتُ مشدوهاًً مما سمعتُ بأذناي، وأبصرتُ بعيناي، فما راءٍ كمن سمع.

 

منطقة ريدا يقطنها المسلمون، وهم غالبية سكانها ، ولكنهم ليسوا الوحيدين فيها …

بل يجاورهم فيها ويشاركهم حياتهم اليهود ! ! !

نعم … اليهود … ولِمَ الاستغراب والتعجب ؟!

 

ألم يكن هؤلاء يوماًً جزءًا من منظومة الدولة الإسلامية في زمن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم؟

ألم يكونوا جيراناًً للمسلمين في طيبة الطيبة؟ بلى والله.

 

هؤلاء اليهود في منطقة ريدا يعيشون جنباًً إلى جنب مع المسلمين.

يتزاورون . . .

يتناصحون . . .

يبيعون . . .

يشترون . . .

يتشاركون في أفراحهم وأتراحهم . . .

 

مشهد جميل يندر أن تراه في مكان آخر، بهذه الأريحية والبساطة والألفة.

شاهدنا أناساًً يجمعهم –بحق- الوطن الواحد، والعيش الواحد، الكل يبني في بلده، ويعمر فيه ويثمر، يحافظ على أمنه وسلامته، ورقيه واستقراره، ثم بعد ذلك ﭬ  ﭭ  ﭮ  ﭯ 

قضية العبادة والعلاقة بالخالق جل جلاله مسألة شخصية لكل فرد، وحق مكفول لكل إنسان، يتعبد ربه كيفما يشاء، ﯿ  ﰀ    ﰁ  ﰂ

 

أما العلاقة بين الأفراد في المجتمع الواحد، فهي محكومة بالعدالة، والإنصاف، فكما أن لك حقوقاًً تطالََب بها، فعليك كذلك واجبات لابد من تأديتها.

 

كل ما ذكرته لم يكن ضرباًً من الخيال، أو نسجاًً من القصص للترويح والترويج.

بل إنها الحقيقة التي رأيتها…

 

كان أول لقاءاتنا مع رجل من اليهود اسمه: سعيد يحيى.

 

رجل كبير في السن، يعمل في تجارة الفراء والبُسط، يسكن هذه المنطقة من زمن بعيد، فقد وُلد فيها، وعاش وتربى، ونشأ وترعرع في ربوعها بسلام وأمن وطمأنينة.

 

قابلناه، وصافحناه، وتجاذبنا معه أطراف الحديث، سألناه عن طبيعة الحياة في هذه المنطقة الجميلة، وعن أهلها المسلمين، وهل يجد اليهود فيها نوعاًً من المضايقات أو الإيذاء، خاصة أنهم أقلية بالنسبة لعدد المسلمين فيها؟

 

كانت إجاباته كما قدمتُ لكم أن الذي يجمعهم هو: التعايش السلمي، والجيرة الطيبة، والعلاقة القائمة على الاحترام المتبادل.

فلا اعتداء من أحد على أحد، ولا مضايقات، ولا توترات أو مشاكل، بل الكل يسير في حياته كما يحلو له، أما الدين … فكما يقال: الكل على دينه … الله يعينه.

 

أخبرنا أنه يعمل في تجارته، فلا تفريق بين أهل ملته، وبين المسلمين، فهم يبيعون ويشترون من بعضهم البعض…

المريض يعودونه، والميت يعزُّونه، وصاحب الفرح في فرحه يشاركونه، والمخطئ يقوّمونه ويذكرونه.

 

قلت له: يا حاج سعيد، هذا الذي يجب أن يكون بينكم دائماًً، فلا تدعوا مجالاًً لأحد أن يعكّر عليكم صفوكم هذا . . .

 

الاستعمار اليوم –وسابقاًً- يبحث عن الخلافات، وشق الصف، وزرع العداء والبغضاء بين الناس . . .

ليس بين دين ودين، ولا مذهب ومذهب، بل بين أبناء الدين الواحد. .  .

 

العدو اليوم لا يرتاح، ولا ينام قرير العين، إلا إذا رأى بلادنا جمرة من لهب، تتنازعها المشاكل، ويعلو فيها صوت العصبية، والطائفية المقيتة.

يفرح بقتالنا، ويطرب لمصائبنا، وتعلوه النشوة لفرقتنا واختلافناً . . .

والخاسر الأول والأخير من كل ذلك هو نحن، أيّاًً كان ديننا وعقيدتنا.

 

كان الرجل يستمع لكلامي ولسان حاله يقول: اطمأن يا شيخ، فلا شيء مما ذكرته موجود هنا، بل الكل يسعى جاهداًً ليكون لبنة صالحة في بناء هذا المجتمع الطيب المتسامح.

العجيب أن هذا الرجل يحفظ كثيراًً من آيات القرآن، ففي أثناء حواري معه استشهد بقول الله تعالى: ﭵ  ﭶ  ﭷ     ﭸ  ﭹ  ﭺ  ﭻ  ﭼ   ﭽ  ﭾ  ﭿ  ﮁ    ﮂ  ﮃ  ﮄ  ﮅ  ﮇ  ﮈ   ﮉ  ﮊ  .

وهو استدلال في صميم الموضوع.

 

وقبل أن نودعه ونغادر قصّ علينا قصة النبي صلى الله عليه وسلم مع جاره اليهودي، الذي كان يؤذيه، ويضع في طريقه القاذورات وغيرها، وفي أحد الأيام، افتقده النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه لم يضع له الأذى كعادته، فلما سأل عنه، أخبروه أن الرجل مريض، طريح الفراش، فما كان من صاحب الخلق الرفيع، والأدب الجم، والمعاملة الحسنة عليه الصلاة والسلام إلا أن ذهب إلى بيت ذلك اليهودي لزيارته والاطمئنان عليه ! ! !

وهنا يصاب اليهودي بالذهول والدهشة، ما هذه الأخلاق؟! إنها أخلاق الأنبياء، فيسلم ذلك اليهودي ويدخل في دين الله تعالى.

 

كان الحاج سعيد يقص علينا القصة، وهو متأثر جداًً بها، فقلت له: يا حاج سعيد، هكذا هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . . . محمد وموسى وعيسى وغيرهم، هذه أخلاقهم، وتلك آدابهم ومبادؤهم.

وهذا الذي يجب أن ينتشر بيننا، وأن نربي عليه أطفالنا وأزواجنا . . .

المعاملة بالحسنى، والدعوة بالحكمة.

شكرنا الحاج سعيد على هذا اللقاء الماتع، ودعونا له بالبركة في تجارته، وودّعناه لإكمال مسيرتنا في هذه المنطقة، للبحث عن نماذج أخرى.

 

كان دليلنا في هذه الرحلة أخ حبيب، يدعى علي سران، من أبناء  المنطقة.

قلت له: يا أستاذ علي، نريد أن نرى نموذجاًً آخر من نماذج التعايش السلمي في هذه المنطقة.

فقال: على الرحب والسعة، ومشى قليلاًً، ثم طرق الباب على أحدهم.

 

تفاجأت كثيراًً، قلت: هكذا بدون مقدمات، أو اتصال، أو غيره !!

 

فأخبرني أن من عاداتهم القبلية الجميلة التي تدل على كرم الأخلاق، وحسن الجوار: عدم رد السائل الذي يأتيك أبداًً في أي ساعة من ليل أو نهار!!

فقلت متعجباًً: لا يردك؟ فقال: أبداًً لا يردك.

 

خرج علينا أبو فايز، رجل شهم، طيب المعشر، وقال: تفضلوا.

 

جلسنا، وجاء جارُ أبي فايز، وكان رجلاًً يهودياًً يدعى أبا يحيى، ومن خلال المحاورة معهم لمسنا العلاقة الطيبة التي تربطهم، فلا تشعر أدنى شعور أنهما من ديانتين مختلفتين، بل لما سألنا أبا يحيى: هل تشعر بالغربة بين المسلمين؟ أجابنا: أبداًً، بل إنني أشعر كأنني بين إخواني.

كرّرتُ عليه الأسئلة نفسها التي سألتها للحاج سعيد –تاجر الفراء والبُسط- زيادةً في التثبّت، وقلتُ في نفسي: لعلّ الرجل –أعني الحاجّ سعيد- أحب أن يجاملنا بإجاباته تلك، ولا يحرجنا، إلاّ أنّ ظنّي لم يكن في محلّه، فقد علمنا من أبي يحيى أنّ العلاقة التي تربطهم بالمسلمين –كونهم يهوداًً- علاقة طيبة، قائمة على الحبّ المتبادل، والاحترام والتقدير، بل كانت إجاباته متوافقة ومتطابقة مع إجابات الحاج سعيد، وكأنه كان معنا.

وقبل وداعنا لأبي يحيى، قلت له: هل تريد  أن تقول شيئاًً قبل خروجنا؟

فقال بلهجته اليمنية العذبة البريئة: أحب الهجعة بين المسلم واليهودي.

فقلت له: ونحن والله نحب الهجعة –أي السلام والأمان- بين المسلمين وغيرهم، ولا نحب أن يعتدي أحد على أحد، بدون جريرة أو ذنب، بل نحن مأمورون بالعدل والإحسان مع الجميع، وألا نسمح لأحد أن يزرع بيننا الشقاق والخلاف، ويذكي روح العصبية في المجتمع.

 

ودعناه وخرجنا، وكنت أحس بسعادة عظيمة تغمرني، مما رأيتُ وسمعتُ، خاصة أننا نعيش في زمن كثرت فيه الفتن والنزاعات، واشتعلت فيه الحروب لأسباب طائفية، أو مذهبية، بل وأحياناًً كثيرة لأسباب غير معروفة، ولا مفهومة، وأن هناك من يقتات على هذه الخلافات، ويصبح ويمسي، ويغدو ويروح في سبيلها.

أسأل الله أن يحفظنا ويحفظ بلادنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، ما ظهر منها، وما بطن.

 

لم ينته بنا المطاف عند هذا الحد، بل لا يزال لدينا المزيد من مواقف التشويق، والإثارة، والمتعة، والغرابة.

 

كانت المحطة الأخيرة في زيارتنا لهذه القرية الوادعة في بيت شاب يمني مسلم، يدعى هاني، تزوّج من فتاة يمنية، تُدعى الآن (أمة الرحمن)، لأنها غيرت اسمها السابق، بل غيرت دينها !!!

إنها نينوى . . . الفتاة اليهودية التي أسلمت، وأصبح اسمها أمة الرحمن، وتزوجت من هاني . . .

قصة مليئة بالغرائب والعجائب.

 

قصة لو وقعت في مجتمع غير هذا المجتمع، وبيئة غير هذه البيئة، لكانت عادية جداًً، ولم تحض بالذكر والشهرة، بيد أن قصتنا هذه أصبحت محل نظر الدول، والسفارات العالمية، ومنظمات حقوق الإنسان، وأحدثت ضجة إعلامية واسعة النطاق، وتدخّل فيها أطراف كثيرة على أعلى المستويات ! !

يا ربــــــــاه . . . لماذا كل ذلك، وهل الأمر يستحق ما حدث فعلاًً ؟!

ولكن كما يقال: إذا عرف السبب، بطل العجب .

إن السبب وراء كل هذه الضجة العالمية هو: تحوُّل فتاة من الديانة اليهودية !!            -ولاحظوا الخطورة في الموضوع: الديانة اليهودية – إلى الإسلام!!

 

من وجهة نظرنا -نحن كمسلمين- فالأمر لا يستحق ما حدث لأجله، مع عظيم فرحنا وسرورنا بهذه الخطوة المباركة من هذه الأخت الطيبة.

لكنه في نظر الغرب، ومنظمات حقوق الإنسان، صُوِّر على أنه جريمة، واعتداء على الحريات الدينية والشخصية.

عجيب أمر هذا العالم الذي يزعم الحضارة، والرقي، واحترام الرأي الآخر، وعدم التدخل في اختيارات المرء، وأفعاله، ما لم تخالف القانون . . . زعموا.

 

تعالوا بنا نبحر في أعماق هذه الحكاية، نمخر عبابها، ونغوص في أعماقها، لنستكشف غوامضها، ونخرج دررها.

 

كان لقاؤنا الأول مع الشيخ صالح سران، شيخ قبيلة ريدا، الذي كان له جهد مشكور في هذه الحادثة، فقد بين لنا أن المسألة أخذت أبعاداًً كثيرة؛ لأنها صورت على أنها عملية اختطاف للفتاة من قبل مجموعة مسلحة، وهذا ما أذاعته السفارة الأمريكية، ومنظمات أخرى، وعلى إثر ذلك تم استدعاء الشيخ صالح، وأمة الرحمن–نينوى سابقاًً- ، وزوجها هاني، وبعض الأخوة، من قبل المحافظ ورئيس الاستئناف في محافظة عمران.

 

وعند وصول الشيخ صالح، والعروسين، تفاجؤوا بوجود أحد الحاخامات اليهود الكبار  عند المحافظ، فطلب المحافظ منه سؤال الفتاة عما يريد.

 

بدأ الحاخام كلامه بالطلب من أمة الرحمن أن تكشف عن وجهها، لأنها كانت منتقبة ! !

رفضت أمة الرحمن ذلك في البداية، لكننا أقنعناها، فالمسألة ضرورة، ونريد كشف الحقيقة أمام العالم كله.

استرسل الحاخام في أسئلته لساعتين تقريباً، يشرِّق ويغرِّب، ويبدئ ويعيد، وأمة الرحمن ثابتة راسخة في إجاباتها رسوخ الشم الراسيات.

 

حاول إغراءها بالمال، والسفر إلى أمريكا، وتحقيق كل مطالبها، لكنها رفضت، وأصرت على موقفها، وقالت: لو بذلتم لي ما في الأرض جميعاًً على ترك ديني وإسلامي، لكان مطاولتكم للنجوم في السماء أقرب إليكم مما طلبتم، فأنا دخلت الإسلام بإرادتي، وحريتي، واختياري، ورضاي، ولا تملك أي قوة على وجه الأرض تغيير قناعاتي.

 

تذكرت والشيخ صالح يسرد علينا القصة ، الحادثة التي وقعت مع النبي صلى الله عليه وسلم، لما عرض عليه قومه أن يكف عن الدعوة إلى الله، وتركهم وما يعبدون من دون الله، ولا يسفه آلهتهم، فقال قولته الشهيرة: ((والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي، على أن أترك هذا الأمر، أو أهلك دونه، ما تركته)).

وتذكرت كذلك حديث البخاري لما سأل هرقلٌ أبا سفيان عن المسلمين، وهل يرتد أحد منهم عن دينه بعد دخوله فيه؟ فأجابه أبو سفيان بالنفي، فقال هرقل: (وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب).

 

وهكذا أظهر الله الحق، ونصر تلك الفتاة، لصدقها وإخلاصها.

 

ومن الطرائف التي ذكرها الشيخ صالح: أنهم بعد خروجهم من المحكمة لتثبيت الإجراءات، جاءت جماعات كثيرة من القبائل من شتى أنحاء اليمن، نصرة لهذه الفتاة، وقاموا بزفها من المحكمة إلى منزلها، كانت فرحة عظيمة، لم يحصل مثلها في تاريخ اليمن.

بعد ذلك توجهنا إلى إمام المسجد، وأعني مسجد القدس في منطقة ريدا، الذي كان له دور مهم أيضاً في أحداث هذه القصة، زرنا الشيخ حميد سران، وطلبنا منه شهادته على هذه الحادثة، والرواية الحقيقية للقصة، لا كما تدعي وسائل الإعلام والصحافة.

رحَّب الشيخ حميد بنا، وحيّانا على هذا المجهود في إبراز الصورة الحقيقية  لمثل هذه القضايا الشائكة، وأخبرنا أن القصة باختصار شديد تدور أحداثها بقدوم الأخ هاني (العريس)، وأمة الرحمن –نينوى سابقاًً- مع بعض الأهل إلى منزلي، وقالت: يا شيخ أنا أريد الدخول في الإسلام، والزواج من هاني.

سألتها هل هذا الأمر عن رغبة واختيار، أم أنك مجبرة عليه؟

فقالت: بل هو محض إرادتي وقناعتي.

فما كان مني إلا أن طلبت المأذون الشرعي؛ لعقد القران بينهما، وأصبحت زوجته على سنة الله ورسوله. هكذا تم الأمر بكل سهولة ويسر.

بعدها أبلغنا الأمن بما حدث، ليكون الأمر واضحاًً لا إشكال فيه، وأخبرناهم أن الفتاة أسلمت، وتزوجت من هاني، وأشهرنا الزواج.

 

عند ذلك بدأ اليهود من خارج المنطقة بالتحرك، وأشاعوا بين الناس أن أمة الرحمن خطفت من قبل مجموعة مسلحة، ولكن الله سلم، وأظهر الحق، وانتهت القضية كما ذكر الشيخ صالح.

شكرنا الشيخ صالح، والشيخ حميد، على هذه الجهود، وهذه الإيضاحات التي يجهلها كثير من الناس، خاصة أن وسائل الإعلام أغفلت الحقيقة، بل كتمتها.

 

ونحن إلى الآن لم نلق الضوء على العنصر الأساس في هذه القصة، وهي أمة الرحمن، حيث كانت ترفض مقابلات الصحافة والإعلام، لكننا بحمد الله تمكنا بعد جهد من الحصول على موافقتها؛ لإجراء حوار معها، نكشف من خلاله الحقيقة المغيبة عن الناس، فجزاها الله كل خير على ثقتها بنا.

 

وقبل الخوض في تفاصيل هذه القصة الماتعة، أذكر طرفاًً من السيرة الشخصية لأمة الرحمن، لأن البعض قد يخطر في باله أنها فتاة عادية، لا تقرأ ولا تكتب، ولا تعرف عن الحضارة شيئاًً، إلا أن الذي وقفنا عليه من شخصيتها يكشف لنا أن الإنسان كلما ازداد علماًً، وازداد تحرراًً في عقله من الجمود والتقليد، فإن ذلك سيقوده بلا شك إلى نتائج حميدة، ونهايات سعيدة، بإذن الله تعالى.

 

أمة الرحمن الفتاة اليهودية اليمنية :

تحمل الجنسية الأمريكية ! !

تتقن أربع لغات: الإيديش، والعبرية، والعبرانية، والإنجليزية.

درست في أمريكا في ولاية نيويورك.

عملت مدرِّسة لهذه اللغات في المدرسة اليهودية في ريدا، في مدرسة الشبذي، ومدرسة السوق الجديد.

 

هذه ترجمة مبسطة عن صاحبة القصة، وهي تدل دلالة واضحة على حدة الذكاء والفطنة التي كانت تتمتع بها، كما تدل على مكانتها الاجتماعية والثقافية، فهي ليست محتاجة، أو فقيرة، أو مضطهدة، وإنما كانت فتاة صاحبة رسالة وهدف، تسعى لتوصيله، وتهدف لنشره، لكنها وجدت أن الدين اليهودي لا يخدم طموحها، ولا يحقق رغباتها، فبدأت تبحث عن غيره، حتى هداها الله تعالى لهذا الدين، الذي يجمع بين الدنيا والآخرة، وبين العلم والحضارة،  وطهارة القلب والإيمان.

 

وقبل أن أنتقل بكم إلى تفاصيل هذه الحادثة، والولوج في جزيئاتها، أعرج على الفرق بين اللغات الثلاث التي ذكرنا أن أمة الرحمن تتقنها، ألا وهي الإيديش، والعبرية، والعبرانية.

فالعبرانية: هي اللغة اليهودية القديمة.

وأما العبرية: فإن دولة  بني صهيون –وكما يسميها البعض:إسرائيل وهو خطأ لا نقرّه ولا نعترف به- لما رأت أن أهل فلسطين بدأوا يفهمون اللغة العبرانية القديمة، ويتكلمون بها، بل ويتقنونها، قامت هذه الدويلة المسخ بصنع لغة جديدة خاصة بهم، لا يفهمها أهل فلسطين ولا يعرفونها.

وأما الإيديش: فهي لغة يهودية نشأت في أوساط يهود ألمانيا في القرن العاشر الميلادي، وتأثرت باللغة العبرية، والآرامية، والرومانية، والسلافية، وهي تكتب بالأحرف العبرية .

إن من يتقن هذه اللغات، إضافة إلى الإنجليزية، والعربية، فإنه بلا شك يتمتع بقدر عالٍٍ من الذكاء، والفهم، والوعي .

نعود إلى بطلة قصتنا أمة الرحمن، وزوجها هاني، لتروي لنا تفاصيل هذه التجربة المثيرة .

نحن الآن في بيت العم هادي سران، والد الأخ هاني، زوج أمة الرحمن…

بيت أدب، وخلق، ووقار، وسكينة .

 

توجهتُ بالسؤال لأمة الرحمن : ما الذي دفعك للانتقال من دين إلى دين , وتغيير مسار الحياة والتوجهات والأفكار ؟ ما الشيء الذي جذبك وشدَّك للإسلام  , مع أنك فتاة مثقفة واعية، دارسة ناشطة في الدعوة إلى دينك اليهودي ؟ ما السر وراء هذا التحول الصادم للكثيرين ؟

 

أدعُ المجال لأمة الرحمن تروي لنا حكايتها، بما فيها من أحداث و مفاجآت…

 

تقول:

 

بدأت بالتأثر بالإسلام من خلال شهر رمضان، وما فيه من حياة روحانية، وتعاليم إيمانية، ونظام , ومن خلال سماع الآذان يومياًً، وقراءة القرآن، وعلاقة المسلمين ببعضهم , كنتُ أتمنى أن أصوم وأصلي، لأنني أشعر بأن فيهما راحة وطمأنينة، لا توجد في ديني , إلا أنه كان يمنعني من ذلك كله الخوف من الأهل، فالمسألة ليست بهذه السهولة التي قد يظنها البعض .

علاوةً على ما سبق فقد كنت غير مرتاحة، ولا مطمئنة للطعام اليهودي , وكذا طقوس البيت اليهودي، فكنت أحب تقليد المسلمين في طبيعة  حياتهم , وفي أكلهم , وشربهم , وعلاقتهم , لكنني كما قلت : أخاف من الأهل .

 

بقيت على ذلك فترة من الزمن، إلى أن جاءت ساعة الصفر , وحلَّ الموعد الذي غير حياتي، ونقلني إلى عالم آخر رغبت فيه كثيراًً .

 

قدّر الله تعالى أن أصاب بمرض , نقلتُ على أثره إلى المستشفى الألماني , مما استدعى بقائي فيه فترة من الزمن , وكان هناك شخص آخر مصاب بالمرض نفسه الذي أصابني , هذا الشخص هو شقيق زوجي هاني , في تلك الفترة حدث تعارف بيني وبين هاني، وبدأ بالحديث معي عن الإسلام، وعظمته، وفضله، وعدله.

 

كنت متشوّقةً لمعرفة الكثير عن هذا الدين , إلى أن قذف الله الإيمان في قلبي، وشرح له صدري , فقررت قراراًً لا رجعة فيه أبداًً وهو دخولي الإسلام .

 

لا شك أن الأمر صعب وعسير , وكنت أعلم أني سأواجه تحديات، وعقبات كثيرة وشاقة , لكن هذا الدين يحتاج إلى تضحية، وبذل، وعطاء، وجهاد، ومصابرة, فالجنة ليست بالمجان,  فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا إنّ سلعة الله غالية، ألا إنّ سلعة الله الجنة).

بعد ذلك خرجتُ من المستشفى, وتعرفت على أسرة هاني أكثر وأكثر، واتفقنا على الزواج, وقد تم ذلك بحمد الله بكل سلاسة ويسر، في بيت الشيخ حميد إمام مسجد القدس .

قلتُ معلقاًً : يعني عصفورين بحجر . فقالت : هو ذاك .

 

ثم تابعت قائلة :

وصل الخبر للأهل , فنزل عليهم كالصاعقة , هل يمكن أن يكون ذلك صحيحاًً ؟

لعل عقلها أصابه خرف أو جنون , وبدأ مسلسل الترغيب والترهيب، والإغراءات، والمساومات , والأخذ والرد , لكنني بحمد الله كنت ثابتة مطمئنة بما أقدمت عليه , فهذه حريتي الشخصية، وقناعتي، وإرادتي، التي لا يمكن المساومة عليها .

 

جاءوا لي بمجموعة من يهود العائلة، لإقناعي للعدول عن رأيي , وأغروني بالسفر إلى أمريكا، وتحقيق كل ما أريد .

قلت : لا وألفُ لا . ما كنت لأترك أمراًً وجدتُ فيه الراحة، والطمأنينة، والرحمة، والنور، والسعادة، والفضيلة، والحشمة، والخلق، والعفة ، و و و . . .

 

هل أنا مجنونة حتى أترك كل ذلك، وأعود إلى الماضي المرير ؟ ! لا يمكن، مهما حدث.

لما رأوا عزيمتي، وإصراري على موقفي، تركوني , ولكن المعركة لم تنته عند هذا الحد , فنَفَسُهم طويل , وصبرهم عظيم , وكل ذلك في سبيل إرجاعي إلى حظيرتهم .

 

أشاعوا خبر خطفي من قبل مجموعة مسلحة , وكان الخبر محط نظر وسائل الإعلام المحلية والعالمية , بل والسفارة الأمريكية , ومنظمات حقوق الإنسان، وغيرها !!!

 

قلتُ في نفسي: سبحان الله، ما هذا الاهتمام البالغ بقصتي؟ وما دخل الحكومات العالمية، والصحافة، والسفارات، بفتاة تغيرت قناعتها في دينها، فتركته وانتقلت إلى دين آخر ؟!

لكن الله تعالى كشف كذبهم، عندما قام الشيخ صالح، والشيخ حميد، بإبلاغ السلطات أن الفتاة موجودة عندنا، وليست مخطوفة، وكل ما في الأمر أنها أسلمت، وتزوجت من شاب مسلم .

 

فهمتُ بعد ذلك أن هذا العالم قائم على العنصرية، والظلم، وإضاعة الحقوق, فلو حدث هذا الأمر من مسلم – بل من آلاف المسلمين – بأن غيَّر أحدهم دينه إلى دين آخر، كالنصرانية، أو اليهودية، لوجدتَ العالم كله يمجِّده ويحمده، ويصور ذلك على أنه حرية شخصية، وأن من يتعرض له، فإنه يعتدي على الحقوق المكفولة لكل إنسان بنص القوانين الدولية .

 

أما فتاة تُغيِّر دينها من اليهودية إلى الإسلام، فهذا الذي لا يغفر، ولا يسمح به، ولا يدخل تحت مظلة الحريات الشخصية  !!   عجبي والله.

 

بعد ذياع الخبر وانتشاره، حاولت السفارة الأمريكية في صنعاء  إجباري على الحضور إليها، للنظر في قضيتي، والاطلاع عليها، والتأكد هل كل ما حدث كان باختياري، ورضاي , أم أنه بالإكراه،  والإجبار ؟!

 

لكن الله تعالى وفقني وزوجي ورفضنا الدعوة من السفارة الأمريكية, والسبب في ذلك هو خشيتي أنني لو ذهبت إلى السفارة، فمن المتوقع أن يتم حجزي عندهم، وعدم تسليمي .

فاحتالوا لأجل ذلك بأنني لا بد من حضوري، لأخذ جواز سفري، الذي كان محجوزاًً عندهم بعد عودتي من إحدى السفرات إلى أمريكا .

رفضت العرض أيضاًٌ , وقلتُ : لا حاجة لي في جواز السفر .

 

فاضطروا رغماًً عنهم أن تتم المقابلة في بيت الأمين العام في محافظة عمران , وفعلاًً هذا ما حدث, فجاء وفد من السفارة الأمريكية , ومندوبون عن المنظمات الحقوقية , والملحقات الثقافية , وكبير الحاخامات اليهود في المنطقة  !!

 

وبدأت المحاورة، الكل يسأل ويستفسر عن هذا التحول الغريب والمفاجئ, وكانوا يصرُّون على أن ذلك حدث بغير رضا واختيار مني , فكنت أرد عليهم، وأوضح لهم أن ذلك خلاف الحقيقة والواقع .

 

عرضوا علي المال، والسفر إلى أمريكا، وشراء بيت هناك, والعيش في ظروف اجتماعية واقتصادية مغرية جداًً  .

فقابلت كل ذلك بالرفض القاطع , وقلت لهم :  أنا أريد البقاء هنا في بلدي اليمن، ومع زوجي المسلم، وفي قريتي , ولا يملك أحد إجباري على خلاف ذلك .

 

وقلت لهم : إنني لست الأولى ولا الأخيرة التي تعتنق الإسلام، فأنا أعرف مجموعة من الفتيات اليهوديات اعتنقن الإسلام، من بينهن ابنة عمي، وهي تعيش الآن في صنعاء مع زوجها .

فلماذا التركيز عليَّ بالذات دون غيري , دعوني وشأني .

وبحمد الله انتهت القضية على ذلك، وهذا من فضل الله عليّ .

 

طبعاًً من باب إثبات الحقوق أمام الرأي العام، قام زوجي هاني باستصدار حكم قضائي من المحكمة  بإشهار إسلامي، وحصل ذلك والحمد لله , إضافة إلى إصدار عقد الزواج، وتوثيقه من الدوائر الرسمية , وقام بإرسال نسخ منه إلى السفارة الأمريكية، ومنظمات الحقوق، والملحقات الثقافية , وبعض وسائل الإعلام , والصحف الرسمية، مثل: صحيفة الثورة , وصحيفة الأهالي , وصحيفة البلاغ .

وقدم نسخة إلى وزير الثقافة اليمني , ونسخة إلى المحافظ .

 

بقي أمر أود الإشارة  إليه، وهو علاقتي بأسرتي بعد إسلامي , فكم يحزنني هذا الأمر ويضيق صدري , لأنه بمجرد إسلامي، وإعلان ذلك،  وانتهاء القضية، قام أهلي بمقاطعتي تماماًً، فلا يزورونني، ولا يسألون عني , وكم حاولت أنا من جانبي ذلك، إلا أنهم قابلوه بالرفض القاطع , ولو على سبيل الاتصال بالهاتفز

 

هذا الشيء الوحيد الذي يؤرقني، ويجلب لي الهم والحزن , لكني أسأل الله تعالى أن يلين قلوبهم , ويزيل هذه العداوة بيننا .

 

أحبابي القراء الكرام:  بهذا الدعاء الحزين، الذي يخرج من قلب يعتصره الألم والكمد، انتهى لقاؤنا مع أمة الرحمن…

تلك الفتاة اليمنية اليهودية سابقاًً، التي أعلنت إسلامها، وخرجت عن تعاليم العائلة، وواجهت الصعاب والعقبات، وتحملت الشائعات والمضايقات، في سبيل دينها الجديد, وتحملت قسوة الأهل، ورفضهم لها، ومقاطعتها…

 

إلا أننا ننصحها بأن لا تيأس، ولا تقنط من التودد لهم، ومحاولة الاتصال بهم، وإعادة المياه إلى مجاريها, فكم من حالة شبيهة بحالة أمة الرحمن، قوبلت بالقسوة، والشدة، والمقاطعة، لكنه بالمعاملة الحسنة، وحسن الخلق، وخفض الجناح، تحولت الأمور إلى الأحسن، وعادت العلاقات كما كانت, فالإسلام لا يُحرِّم ولا يمنع بقاء المودة، والاحترام، والعلاقة بين الأرحام، وإن اختلقت الأديان، وتغايرت العقائد, والأمثلة في ديننا وتاريخنا كثيرة تفوق الحد أو الحصر في ذلك .

 

ختاماً…

أتمنى  لهذه الفتاة المباركة الثبات، والتوفيق، في حياتها، وأذكرها بقول الشاعر :

 

تهون علينا في المعالي نفوسنا                 ومن يخطب الحسناء لم يغلها المهر

 

 

Tags : اليمنيهود