close
وياكم 2016

وياكم 2016 الحلقة الثانية والعشرون الاتزان الذاتي الفرد والاسرة ج 2

2016 EPS 22

الاتزان الذاتي الفرد والأسرة 2

قلتُ:

نحن اليوم نعيش في مجتمعات متقدمة، متطورة، تكنولوجية، حضارية، حقوقية، إنسانية، مدنية، ومع ذلك كله فقد زاد القلق أكثر بكثير في ظل انكشاف كل شيء إعلامياً! فكيف لنا نحقق الاتزان الذاتي في ظل قلقنا جميعاً مما يحصل حولنا، وداخلنا؟

فقال:

إن كان هناك سبب يفسر هذا كله، فهو سبب واحد: أننا ابتعدنا عن الله تعالى بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، والله تعالى ذكر هذا في القرآن الكريم، حيث قال: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً}، فأول شيء أن له معيشة، فهذا الإنسان سيعيش، ويأكل، ويشرب، ويتزوج؛ لكن حياته ضنك، وهذا الذي نتكلم عنه وهو القلق، والتوتر، ثم قال الله تعالى: {ونحشره يوم القيامة أعمى. قال ربي لما حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً}، أي أنا الكبير، وأنا الفاهم، والذي عندي شهادات، أنا….، وأنا….، وأنا….، فيأتي الجواب: {قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها}،هنا كلمة السر في الموضوع!! فالله تعالى أعطاك دليلاً، وأراك آيات، فنسيتها تعمداً، وقصداً، وإهمالاً منك، ثم: {وكذلك اليوم تنسى}، فالجزاء من جنس العمل.

هذه القاعدة التي ذكرتها هي أهم قاعدة لدي في علم أنماط الشخصية، والتي أستخدمها مع الناس، فعندما تكون لديك مشكلة، لا تبتعد عنها، بل واجهها، وأنا أقول المواجهة وليست المصادمة، فالمواجهة أن أضع المشكلة أمامي، وأبحث عن أسبابها، وأبحث لماذا حدثت؟ ثم أبحث عن حل لها؟

حقيقة الأمر أن ما يحتاجه الإنسان هو العودة إلى فطرته الأساسية، الفطرة التي خلقه الله تعالى عليها، ومن أجلها.

إذن لماذا يعاني الإنسان من القلق؟

لأنه لا يعيش كما أمره الله تعالى، بمعنى أنه يأكل زيادة عن حاجته،  ويمشي وراء شهواته، والعلم يقول: إن مستوى الإشباع للأكل، وللحاجات النفسية لا يتعدى حداً معيناً، فمهما حاول الأكل، فلن يأكل أكثر مما تتحمله معدته، وهذا المثل يقال بجميع مواقف حياة الإنسان، فالله تعالى أعطانا كل شيء نحتاجه، وأعطانا الخريطة الصحيحة، والمنهج الصحيح الذي نسير عليه، إلا أن هذا الإنسان عطل هذه الأوامر، وجعل نفسه هو الحكم عليها، فدخل في التعامل مع المجهول، والمجهول بالنسبة له هو ما لا يراه، والقاعدة تقول: الإنسان عدو ما يجهل، فكثير من هؤلاء لا يعرف، ولا يريد أن يعرف، فيعتمد على عقله، وعقله قاصر أساساً، فلا يستطيع أن يتعدى حداً معيناً، وهذا ما أثبته كل من درسوا الإنسان، فكيف تطلب من عقل قاصر أن يريك ما لا يراه؟

قلتُ:

إذن لا بد أن تتفاعل العقول مع بعضها وتستفيد.

فقال:

أحسنت، ولذلك يوجد عندنا في الإسلام ما يعرف بالإجماع، ومعناه باختصار أن عقلي وعقلك يتكاملان فيما بينهما.

وهذه القاعدة مذكورة عندنا في أنماط الشخصية.

فلو أخذنا مربعاً، وجلس أربعة أشخاص في زواياه، في كل زاوية شخص، فالأول لا يمكنه أن يرى الموضوع كله، وإنما من زاويته فقط، وهذا يقال في حق كل واحد من الأربعة، لكنهم يستطيعون رؤية الموضوع من كل زواياه مجتمعين، فهذا دليل علمي على قضية الإجماع، وهؤلاء الأشخاص الأربع يمثلون في علم أنماط الشخصية الأمزجة الأربعة، والذي يحدث مع الناس أن شخصاً واحداً فقط هو الذي يتحكم، ويقول لهم: {ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد}!!

وهذا مثال أذكره كثيراً: فأنا راكب سيارتي، فهل أنا الذي أقود السيارة، أم أن السيارة هي التي تقودني؟

إن المنطق البديهي يقول: أنا الذي أقود السيارة، لكن الذي حدث مع الإنسان المعاصر أن نفسه أصبحت هي التي تقوده، وليس هو الذي يقودها!! فلذلك انحدرت القيم، وانحدرت المباديء، وأصبحنا نتنازل عنها؛ لأننا لا يمكن أن نخالف فطرة الله تعالى، فنحن نتكلم من البداية عن التعامل مع المجهول، ولماذا أخاف من هذا المجهول؟ والجواب: لأنك ﻻ تراه.

وهل مطلوب مني أن أراه؟

فأقول: اسأل السؤال بالاتجاه البديهي للغاية، وهو: أنت تخاف من المجهول؟

السؤال:  لماذا؟

قلتُ:

لأن الإنسان كائن طماع، يريد أن يشبع حاجاته على حساب الآخرين، ومن ثم تكون الحروب، والمنافسة، وإهدار الحق، ويكون أخذ النصيب.

فقال:

دعني أعدل في بعض كلماتك فأقول: هو إنسان غير متزن، لأن الإنسان المتزن لا يمكن أن يعيش على حساب الآخرين، فالبديهة الفطرية السليمة ترفض هذا أساساً.

قلتُ:

هذا ما نتمناه؛ ولكن هل المجتمع كذلك؟

فقال:

كلاّ، فالمجتمع مريض، ومرضه تعدى قضية المجاملات، فالخلل فينا نحن، أصبحنا نكره الصواب، ونكره الطبيعي، فإذا رأينا شخصاً طيباً، طاهراً، ليس عنده أي مغامرات نسائية، قالوا: هذا إنسان غير طبيعي!!!

ولو رأينا امرأة ليس لديها مغامرات شبابية، قالوا: هذه غير طبيعية!!!

ولذلك أصبحت العلاقة بين الجنسين قبل الزواج أمراً مقبولاً! وهي في الإسلام زنا، فلا يجوز أن تكون هناك علاقة بين رجل وامرأة ليس بينهما أي صلة شرعية.

قلتُ:

وماذا عن المسؤولية المجتمعية، أي مسئوليتي تجاه المجتمع، وموقف المجتمع مني، ومتى يكون الموقف الذي اتخذه غير صحيح، بحيث يجعلني غير متزن؟ وكيف أعيد الاتزان الذاتي؟

فقال:

هذه من المعضلات الكبيرة، أو يطلق عليها الإشكالية الفكرية، فأقول اختصاراً: إن أول قضية يجب أن نعرفها أننا نحن كبشر لم يتركنا الله سبحانه وتعالى هكذا هملاً، بل وضع لنا قواعد في كل شيء، وهي ما وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك))، وأنا كطبيب، وكمعالج نفسي أنطلق دائماً من هذه القاعدة.

نأتي إلى المسؤولية المجتمعية:

أولاً: المجتمع يتألف من ثقافة فلان، وعلان، يذكرون الثقافة، وقناعاتهم الموجودة.

والسؤال: أنا أسمع لهم؛ ولكنني لا أقبل أي شيء؛ لأن لدي عقل، وإذا الغيتُ هذا العقل دخلتُ في مشكلة كبيرة، وهي أنني أمشي مع الناس بدون تفكير!

وبسبب ذلك بدأ المجتمع يتفكك، وبدأت تتقطع الأواصر، وأما المثقفون ومن نطلق عليهم نخبة المجتمع الذيم من المفترض أن يقودوا المجتمع إلى الخير بدأ دورهم يتراجع، وأصبح التوافه من المتردية، والنطيحة،  والرويبضة، هم المتصدرون للرأي! وهذه المشكلة ليست في الكويت؛ وإنما في العالم العربي، بل وحتى على مستوى العالم أجمع، والدليل على ذلك من نراه في الفضائيات، وعلى شاشات التلفزة من تصدر الهمج الرعاع، وإفساح المجال لهم، في حين يضيق على أهل العلم والفكر والسياسة، الناصحين للأمة!!

فإذا سألت: ولماذا هذه الأوضاع؟

فالجواب: هذا الذي يأتينا بالأموال!!

فأقول: ولكنني مسؤول أمام مجتمعي، فأنا كدكتور لا يمكن أن أعطي مريضي أي دواء، ولا يمكن أن أعمل له أي عملية، ولا يمكن أن أعطيه أي استشارة، إلا بعلم وخبرة، فأنا أتحمل هذه المسؤولية، وأتوقع أن غيري يحملها.

إذن: من أين حدثت المشكلة؟

الجواب: أن ذلك حدث عندما تراجع دور القدوات، والمصلحين، وأعلنت عليهم حرب شعواء، وضُربوا في المقتل، في سمعتهم، وفي شرفهم، وأُخذت أخطاؤهم، وضُخمت!! في حين أن التافهين لا يهمهم كل ذلك، فأصبحوا هم الناطقين بلسان الأمة، ورُوِّج لهم أنهم هم المصلحون!! {ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون}.

وأنا أضرب على ذلك مثلاً: فعندما نتكلم عن كتب ألبست سيلر، وهي الكتب الأكثر مبيعاً في العالم، فعندما تطالع أكثرها، تجد أنها لا تحمل أي قيمة فكرية؛ ولكن كمية الإعلام، والتضخيم لها جعلت لها قيمة!! وهي ما أطلق عليها: كتب الرصيف!

قلتُ:

التوافق المجتمعي يجعلني ﻻ أتوازن عندما أرى هذا الخلل الكبير، فماذا أصنع؟

ولذلك فأنا قلق!

فمثلاً: أنا أريد أن أنصح المجتمع، وأريد للمجتمع أن ينصلح حاله، سواء في الإدارات الوظيفية، أو في سلوكيات الشارع العام غير المرضية، أو في التعاطي التجاري….

فهل أنطلق من الداخل أم من الخارج، وكيف أوفق بينهما؟

فقال:

هذه سهلة جداً، وفي الإسلام إجابات لكل شيء، أنا أريد أن أسأل سؤالاً: هل أفكر فيما أستطيع عمله، أو أفكر فيما لا أستطيع عمله؟

المنطق البديهي يقول: إنني أفكر أستطيع عمله،  أما الشيء الخارج عن نطاق سيطرتي، ولا أقدر عليه، فلماذا أشغل بالي فيه؟

إلا أن ما يفعله كثير من الناس هو العكس، فأنا لا أقدر أن أغير أحداً، ولكنني أقدر أن أغير نفسي.

أنا أتحكم في نفسي؛ ولكنني لا أقدر أن أتحكم في الآخرين، ومع ذلك أنصح، وأوجه، وأحرص على النصيحة، وأغير الطريقة، فهذه كلها صحيحة؛ إلا أنني في نهاية المطاف مسؤول عن نفسي، فلو أننا فهمنا هذه الجزئية فإن ثلاث أرباع المشاكل سوف تحل. هذا أمر.

أمر آخر: أنني لو تحملتُ مسؤوليتي، وتحكمتُ في شخصي، وقدتُ نفسي إلى الخير، وأنت فعلتَ ذلك أيضاً، فمن أين سيأتي الشر إذن؟ ومن هنا جاء الأثر عن سيدنا عمر رضي الله عنه: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم).

أمر ثالث: يجب أن نعرف أنه لا يمكن لشخص واحد أن يملك الحال كلها، باستثناء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما نحن فكل واحد منا على ثغر، والمطلوب من كل واحد أن يؤدي الدور المنوط به، وأن يحافظ على الثغر.

قلتُ:

أنا لا أستطيع أن أنفك عن الأحداث اليومية، وشبكة العلاقات اليومية في العمل، وفي البيت، وفي الشارع، ولكن هذه العلاقات بمجموعها لا تعطيني ما أريد أو تريحني، فمن هنا يحدث التوتر في عصر التوتر، فكيف لي أن أحقق الاتزان الذاتي؟

فقال:

القاعدة في هذا كله واحدة، وهي تتكرر في الأساسيات نفسها، ففي البداية أنا لا أستطيع أن أريحك إذا كنتُ تعبان، فالانطلاقة دائماً هو أنا، فهذا الإنسان الذي بداخلي إذا أنا فهمته، وبدأت أتعامل معه بطريقة صحيحة، بأن أعطيه احتياجاته، وهو ما يسمى الآن بتقدير الذات، فهذا الإنسان سوف يمر بمراحل تطور طبيعية، وهذه المراحل لها حسناتها، وسيئاتها، ولها مراحل نضجها، وأعطيك مثالاً على ذلك:

لو أنني حققت تقديري لهذا الإنسان الذي بداخلي، بأن حققت له السكينة، والاحترام، والتقدير لنفسي، ما الذي حصل عندها؟

المنطق البديهي يقول: إن ذلك سينعكس على العالم من حولي، فإذا كنت تعبان سوف أصرخ، وإذا كنت سعيداً سوف أبتسم، فإذا حققتَ اتزانك من داخلك، سوف ينعكس ذلك على من حولك، فتشع نوراً من. هذه نقطة.

النقطة الثانية: أنا لن أضحي بنفسي من أجل المجتمع، بمعنى أنني كدكتور مطلوب مني أن أعمل ليل نهار، وأنسى أسرتي، وبيتي، وأولادي، من أجل المرضى!!

هذا غير مقبول، نعم هناك شيء اسمه الإخلاص في مهنتي، ولكنني لا أنسى آدميتي، واحتياجاتي الأساسية، وهي بلا شك معادلة صعبة.

ودعني أذكر لك هذا المثال الذي قاله لي مرضاي الذين يتعاملون معي بالحرف الواحد، حيث كانوا يقولون لي: يا دكتور أنا أريدك جاهزاً لي مائة في المائة أربعة وعشرين ساعة في اليوم!! وفي اللحظة التي أرفع فيها سماعة الهاتف أريدك أن تكلمني مباشرة!! وهذا علمياً وواقعياً غير صحيح قطعاً، فأنا أتعامل مع التحديات الموجودة في المجتمع، بأن لي دوراً، فإذا فهمت دوري، فأنا أؤديه على الوجه المطلوب، ولا يهمنا بعد ذلك رضي الآخرون أم سخطوا.

قلتُ:

ولكن هذا يختلف من إنسان إلى آخر، من خلال القيم التي يتبناها الإنسان، والأخلاقيات، وهل هو عصبي أو غير عصبي؟

فقال:

بالضبط، ولذلك فعلم أنماط الشخصية لا يجيب على كل شيء، وإنما يعطيك الزاوية التي تحتاجها، ثم بعد ذلك يعطيك خطة تتناسب معك، بمعنى يفصل العلم حتى تتوازن بينك وبين نفسك، وتعيش في تحديات، فكل ما تحدث لك مشكلة، فإننا نرجع للثوابت الموجودة عندك.

قلتُ:

دعنا نتكلم عما يمسنا مباشرة في تفاصيل اللحظات الدائمة في حياتنا بداية من خروجنا من البيت، إلى احتكاكي بالناس في المسجد، وفي الملعب، وفي المركب، وفي الشارع، وفي العمل، فأحياناً بعض الناس لا يتحمل سلوك الآخرين، وهو حساس جداً، يريد من الناس أن يعاملوه بروح طيبة، وتساهل، وتسامح، وفي المقابل لا يقدر أن الناس أيضاً لديهم مشاغلهم، هذه نقطة.

النقطة الثانية: أنني في علاقاتي مع الآخرين أرى الخطأ، والتفريط، وإضاعة الحقوق بأم عيني، ولا أحس أن هناك محاسبة، هنا أتوتر، فكيف أتعامل مع هذا التوتر الدائم الذي  سوف يؤثر على إنجازي؟

فقال:

لكل إنسان طبيعة خاصة، وبحسب علم أنماط الشخصية فإن هذه الطبيعة الخاصة لها احتياجات معينة، سماها العلم الاحتياجات النفسية الأساسية، فمثلاً: بالنسبة لك إن قضية الكفاءة، وقضية الإنجاز مهمة للغاية، وهو نظام مزاج شخصيتك، فعندما يحدث شيء يمس الإنجاز، فإنك لا تستطيع تحمله، وبحسب علم أنماط الشخصية تبتدئ تتوتر، وتفقد اتزانك النفسي، وبالتالي يؤثر ذلك على عطائك، فأنت الآن خفت من شيء، وتريد أن تنتقد شيئاً، فحقيقة الأمر أنك فقدت الاتزان الذي بداخلك، وأصبحت سلوكياتك سلوكيات انفعالية، أدت عكس ما تريده، وبالتالي فحتى أحافظ عليك لا بد أن أردك مرة ثانية للهدوء الطبيعي، والسكينة، وإلى قدرتك على التحكم في ذاتك بما يتوافق مع نظامك النفسي، حسب علم أنماط الشخصية، هذا أولاً.

ثانياً: كيف نتعامل مع الآخر بطريقة تتفق معه؟

مثال: أنت عربي، وأنا إنجليزي، وكل منا لا يعرف لغة الآخر، فعندما أقول لك مثلاً:  ((I love you هل ستفهمني؟ بالطبع لا، مع أنني عبرت لك بطريقة صحيحة، فلماذا لم تفهمني؟

لأنني أتكلم لغة ليست لغتك، فلو طبقنا هذا المثال على أنماط الشخصية سوف يتضح المفهوم الذي معنا، فأنت طبيعتك ألف، وأنا طبيعتي باء، فعندما تكلمت بما يتوافق مع نظامك النفسي، وليس بالضرورة يتوافق معي، إذن تعال أعلمك كيف تكلمني، وأكلمك؟

لو أخذنا هذه العلاقة، وطبقناها مع الناس، لك أن تتخيل ردة الفعل العجيبة.

قلتُ:

لكنني لا أستطيع أن أكتشف طبائع الناس حتى أعاملهم بالطريقة التي تليق، فهل هناك قاعدة عامة لذلك؟

فقال:

نعم هناك قاعدة عامة، وهي شخص واحد، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، إذا اتخذناه قدوة، وهذا الذي قلته من البداية، فنحن نسينا الله تعالى، ونسينا أوامره،  ونسينا من بعثه لنا رحمة الله للعالمين، واتخذنا من شذاذ الناس، وتوافههم، قدوة لنا!! والله تعالى يقول: {أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير}؟!

يأتينا القرآن الكريم، كلام الله المعجز، عبر الأمين جبريل، إلى أفضل من مشى على الأرض، وأتركه، وأذهب لفلان، وعلان، وتوافه البشر، ومن يسمونهم عظماء!! وهل هؤلاء عظماء؟!!

قلتُ:

إذن أنت تدعو إلى التأمل في القرآن كله، وآيات الإنسانية، والقواعد الأخلاقية؟

فقال:

بلا شك، أن نتمسك بالقرآن كما أنزله الله تعالى، ونتبعه، ولا نحيد عنه، كما أمرنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

قلتُ:

هناك مشكلة تحدث للناس هذه الأيام، وهي أن الإنسان له حاجات، وإذا فقد كثيراً من حاجاته، قد يختل توازنه؛ ولكن هنالك المبالغة، والاستهلاك، والاستعراض، والإسراف، والتفاخر في قضية الحاجات الشكلية، والتفاخر على الناس، فمثلاً لا تجد الفتاة ذاتها أو الفتى إلا في اللبسة الفلانية، وتلك الماركة، وبتقليد الآخرين، فأصبح الإنسان يفقد اتزانه إذا لم يكن عنده ما عند الآخرين، أو أنه لا يستطيع أن يحقق ما عند الآخرين، فماذا تقول في ذلك؟

فقال:

أقول للفتيات بالذات: لماذا أنت أيتها الفتاة لا تشعرين من  داخل نفسك أنك جميلة؟! هل أنت قبيحة ومشوهة في نظرك إلى هذه الدرجة؟!! لماذا ترين نفسك بهذه الطريقة؟

ولو سألتكم: كم شخص حولنا سليم نفسياً، ومتزن من داخله؟

ستقولون لي: قليلون!

إذن الغالب أن معظم الناس نظرتهم داخل أنفسهم غير متزنة، فكيف يحكم علي بطريقة صحيحة؟!

الأمر الآخر: أيتها الفتاة اعلمي أن الله تعالى خلقك غالية، وخلقك جميلة، فلماذا تحتاجين هذا الجمال؟ إن الأمل بالله سبحانه موجود؛ ولكن أذكركم بقول الله سبحانه وتعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً}، وأقول لكم: إن الحل في قوله تعالى: {فطرت الله التي فطر الناس عليها}، فلا تنسوا ذلك.

كذلك: أعطِ كل ذي حق حقه.

هذا هو المختصر المفيد لكل مدارس الاستشارة النفسية، ومدارس الاتزان الذاتي.

قلتُ:

أنت تذكرني بكلامك هذا بقول الله تعالى: {نسوا الله فأنساهم أنفسهم}، فنحن نعيش في حضارة نسيان النفس، فعندما نسي الإنسان نفسه، ونسي ربه قبل ذلك، عاش في هذه الحياة فاقداً للتوازن.

أشكرك على هذا الإثراء، وجزاك الله خيراً.

كانت هذه آخر الكلمات في لقائي الماتع مع الدكتور موسى الجويسر، بارك الله في جهوده، ونفع به الإسلام والمسلمين.

Tags : الاتزانالاسرةالذاتيج2للفردو