close
مقالات

المايوه الأصفر… والمرأة الثعلب!

20150930_164551

في ميدان طلعت حرب بالقاهرة العامرة خرجت من مكتبة مدبولي، وقبل أن أدخل مكتبة دار الشروق استوقفني شاب مصري دون الثلاثين من العمر حنطاوي البشرة كأكثر المصريين صافي الجبهة متوسط القامة أطال شعره إلى ما دون آخر الرقبة… وكان بيده كُتيب صغير، فقال بحبك يامولانا وهذا الكتاب من تأليفي وهو عبارة عن مجموعة قصصية، لم يخبرني عن موضوع الكتاب وطلب رأيي بعد أن كتب لي الإهداء والتقطت معه صورة محبة وتذكار… كم هي لذيذة لحظة تعرفك على كاتب شاب متحفز يعشق المعرفة ويتفاعل معها اجتماعياً هكذا أحسست من حيوية لقائي بهذا الفتى المصري الأصيل، ومن دون سابق معرفة شعرت من نبراته وحماسه بتميزه… كتب الشاب لي رقم هاتفه في الإهداء وواعدته بأني سأتصل به بمجرد الانتهاء من كتابه المعنون «25 حكاية» لمؤلفه عمرو القاضي، إصدار دار صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات.
دخلت دار الشروق وبدلاً من أن أطلب الكتب التي جئت من أجلها أخذت أقلب كتاب الشاب الذي لا يتجاوز (122) صفحة. وأول صفحة وقعت عليها عيناي الحكاية الخامسة عشرة وإذا عنوانها (المايوه الأصفر)… وكان بجواري ولدي فقال بعد أن عرف العنوان المكشوف، (شنو هالكتاب) قلت لا تستعجل سأسهر عليه الليلة.
بصراحة لا أحب القراءة في الروايات رغم جمالها وحبكتها وذكاء كاتبها وخياله الخصب المبدع… لأن عقلي منهك بالموضوعات الفكرية والصراع السياسي الاقتصادي، وهكذا كان عباس العقاد، فما السبب هل حب الواقعية المباشرة أم الاحساس بأن الرواية تطيل الطريق للحقيقة، أم لانها تعلق النتائج وتجعل القارئ يحل مكان الكاتب؟
إلا انني ما أن بدأت بقراءة حكايات هذا الكتيب حتى أدركت لماذا يقبل الناس على الروايات والله أجمل من الأفلام التي سحرت الناس بعبقرية اخراجها وأدوات التأثير المبهرة… لكن الأقصوصة والرواية والحكاية تجعلك تشكل الصور الجميلة والأليمة من خلال هذا الركام الكبير المتداخل لتجربتك الشخصية ونمط شخصيتك ومفاهيمك وذوقك ولحظتك التي أنت فيها.
لم أتوقع أن يكون الشاب بهذا الحس المرهف والذكاء في توليد المعاني من بعض الحكايات التي لا تتجاوز ورقتين!
الشاب موهوب والحكايات أشبه بطلقات رصاص سريعة تصيب هدفها وهي من وحي الثورة المصرية والحياة الاجتماعية اليومية بلهجة مصرية، تغلب عليها روح الثورة والإباء والانتفاضة على الظلم وكشف الواقع الكئيب البائس على مستويات متداخلة عدة تكمل بعضها بعضا… قصة «المايوه الأصفر» الذي لبسته الست لزوجها على الشاطئ التي أحاطت بها أسماك القرش الأجنبية ليست أجمل ما في الكتاب لدلالتها الكبيرة، بل إن حكاية «الأميركي المحبوس» تكمل صورة خطف البلد ومراعاة الخواجات على حساب كرامة المواطن، أما الحكاية الخامسة «الأخرس» الذي إذا صاح بغضب انتفضت القرية فتكشف عن الفرق بين كلاب الأمن وكلاب عالم الحيوان… إلى آخر الحكايات الرمزية التي لا تخلو من اشكالية العلاقة الباهتة بين الجنسين مثل «اديني حنان» و«الأوبرا»، ولم أفاجأ من ورود اسم «أحمد عز» المسجون مع مبارك وأولاده في حكاية «جزمة جديدة».
انتهت الورقة وعندي الكثير من التعليقات بيد أن المجموعة القصصية القصيرة لهذا الشاب المصري تعكس جيلا شبابيا يسجل تمرده على الطغيان بكل ما يملك من صوت وحركة وريشة وقلم وحكايات.
وأترك حكاية «المرأة الثعلب» لقراءة الرجال والنساء معاً ودمتم سالمين.