close
مقالات

زبالة الدكتورات… في كلية البنات!!

Still49

تصوراتك ومفاهيمك تحدد مواقفك وتوجه خطواتك… نعيد ونؤكد على ان الاساتذة والاكاديميين اذا انطلقوا في عملية التعليم والتعلم من روح ابوية وتحمل مسؤولية تنمية افكار ومشاعر وسلوكيات الطلبة فان تعاملهم مع طلبتهم يختلف عن ذلك الدكتور او الاستاذ الذي بمجرد دخوله القاعة يوسع حدقة عينيه ويفتح دفتر دماغه ليرسم جدولا طائفيا او قبليا او مناطقيا او شكليا او ايديولوجيا او مصلحيا… الخ. ثم يوزع الطلبة في الجدول المريض ويعزل بعد ذلك المجموعة المرضي عنها ليكرمها بالمعاملة الناعمة والعطايا من كرم قلمه الذي يوزع (D)، (C)، (B)، (A) على حسب تصنيفاته ومصالحه وتحيزاته!

احيانا تكون التحيزات خفيفة عارضة تنم عن ضعف النفس البشرية ولكن المصيبة عندما يكون الدكتور متعصبا بامتياز والتعصب قد يكون دينيا او علمانيا او ليبراليا او فئويا او مذهبيا… فالتعصب سلوك مكتسب ينعكس على الشخص بقطع النظر عن انتمائه… ولذا نجد في كل تيار المعتدل والمتشنج وطيب القلب، وخبيث النفس، والمسالم، والشرير!
الاثنين الماضي وفي تمام الساعة 1.30 ظهرا ألقيت محاضرة في القاعة (125) في كلية الآداب بعنوان (حلو… نعيش بمسؤولية) ضمن حملة «ركاز»… والحق ان كل كلية لها طعمها وتفاعلها النوعي بما يتوافق مع التخصصات والروح العامة التي تعم الكلية، فأسئلة ومناقشات العلوم الادارية والحقوق تختلف عن الهندسة، وكلية الآداب عالم آخر… ولعل اساتذتي وزملائي في التدريس ممن يعشقون العملية التعليمية يدركون مدى متعة الحوار مع الطلبة وانا شخصيا اجد ذاتي من خلال طوفان الاسئلة وسيل الحوارات بل والنقد الذي يوجه لي من الطلبة هنا في الكويت أو في الجولات التي استجيب لها لطلبتنا في العالم العربي أو الغربي… لماذا؟ لانهم اولا يعطونك ملاحظات لا تجدها عند الاكاديميين، وينفذون إلى موضوعاتهم بمداخل لا تخطر على بالك، ثم في كشفهم لواقع مستور بجوانب مظلمة او مشرقة في البنية الاجتماعية التحتية التي تغيب عن الآباء والاكاديميين والمصلحين والتربويين بل مؤسسات تعنى بدراسة تحولات قيم المجتمع… انني اعتبر هذا التفاعل والتواصل مع الطلبة مرآة مصقولة اعيد النظر وأجدد التأمل في شبكة العلاقات الاجتماعية وما يستجد من اهتمامات وانماط سلوك، لكي اجدد الخطاب بما يتلاءم مع الواقع المتسارع في التغير.
وفي المحاضرة احزنني امر واعجبني امر اخر، الذي احزنني امتلاء القاعة وجلوس الطلبة على الدرج او وقوفهم على الجوانب وفي الخلف، وهذا كرم منهم على المحاضر، واتمنى ان تكون المحاضرات العامة في قاعات اكبر ان وجدت.
والذي اعجبني مقدم المحاضرة حيث اختار من الاسئلة التي لا تمس طائفة او قائمة او تيارا او أثارت فتنة، علمت ذلك عندما اخذت معي بقية قصاصات اسئلة الطلبة فوجدت فيها اسئلة عن قوائم ومذاهب، وهذا غلط واستثمار سيئ للمحاضرة العامرة وتوظيفها للصراع، والمحاضر كما قلت في بداية المقال اب او اخ اكبر للجميع حتى لو مال قلبه هنا او هناك، فنشكر للطالب خليل الحربي على نضجه واستبعاده للاسئلة المتحيزة.
كما اعجبني الطالب ايوب الذي اتحفني بحماسه بما ذكرني بشبابي في اسئلته المشروعة ولنا معها وقفة آتية.
اما عن عنوان المقال فهو مأخوذ من هذه الرسالة للطالبة (…) تقول فيها: «دكتور انا حبيت اقولك اننا وصلنا لمرحلة من الانحطاط الفكري عجيبة! ادري بتستغرب كلامي بس انا معذورة اذا كانت أ.د. تمثل ثقافة للمجتمع تشوف ان اي بنت تلبس عباية عبارة عن زبالة متنقلة وانها (مخمة) – اي مكنسة- تنظف ممرات الكلية، والله يشهد على ان هذا كلامها وهي الدكتورة (…)، ظنا منها ان السفور حضارة»، نقلت لكم النص الحرفي دون تصرف لما خطته الطالبة.
اقول: يا ابنتي كان الاديب الكبير طه حسين خصما لتلميذه النجيب محمود شاكر (أعظم من يفهم النص الادبي القديم من المعاصرين)… ورغم النقد العلمي الرصين والعميق الذي وجهه شاكر لاطروحات طه حسين في تبنيه منهج الشك الديكارتي الا ان العلامة شاكر قال في كتابه (المتنبي): (فالدكتور طه استاذي، وله عليّ حق الهيبة، هذا أدبنا… وحفظ الجميل أدب لا ينبغي التهاون فيه).
احيانا اذا بلغ خطاب المخالف الهزء والسخرية لا نملك الا ان نشفق عليه… يا ابنتي… سامحيها.