close
مقالات

ليتها كانت عظامك!

Still4

من الظواهر التي اخذت في الانتشار، قلة أدب الشباب مع الكبار لا سيما من هم في سن اجدادهم، كنا في السابق عندما نرى خطأ عارضا او تجاوزا عابرا لأحد كبار السن فإننا سرعان ما نستخدم «كوابح» الارادة لنتحكم في ردة افعالنا تجاه هذا الرجل تقديرا لمكانته… لسِنه… لأنه يذكرنا بآبائنا، ولعل زحمة المرور مكان دارج للتجاوزات – لا أقول المرورية – ولكن في اخذ بعض السائقين دور غيره في السير والمكان.

ما لاحظته ونبهني اليه طلبتي وسمعته من العديد، ان جرأة شباب اليوم – المستهتر منهم بالذات – تعدت ما يعقل من ردة فعل طبيعية من غضب متمثلا في التطاول والايذاء والسب والحركات القبيحة لكل من بدر منه، لا أقول خطأ ظاهرا وإنما تقدير غير سليم وبسيط… أعدت السؤال على طلبتي في كل الفصول الدراسية يا شباب هل تقرون بأن بعض الشباب «زودها» في ايذاء كبار السن في الاماكن العامة، فعجبت من الاقرار بالغالبية بوجود هذه الظاهرة! وقارنت بين ايام شبابنا يوم كنا نقدم لكبار السن الخدمة المجانية لدرجة التنازل عن (الدور) من اجله سواء كان ذلك في المستشفيات او على طابور المخبز قبل ان تستعمر الوجبات السريعة غرائز اجيالنا، مع المفارقة في ان آباءنا وأمهاتنا اقل علما من آباء وأمهات جيل التمرد فكيف كان نتاج جيل وأبناء الأمية اكثر حميمية مع الناس وأقدر على تحمل المسؤولية وأكثر جدية في حركة الحياة من جيل الفضاء المعرفي المفتوح على مدار الساعة عبر الفضائيات والنت وسائر وسائل الاتصال والتواصل… هنا نحتاج ان نعيد النظر او نعمق التأمل والدرس لمفهوم التقدم والتخلف ونراجع الفلسفات المستوردة او التقاليد المحلية – مفهوم الفردية – مفهوم النسبية – ثقافة الاستهلاك – التمركز حول الأنا – مع مرجعية القيم – الفرق بين العلم والتربية – ادراك الانسان لذاته المصدر والهدف – مبدأ (الآن وهنا) في تحقيق اللذات والمصالح، والنظرة للحياة والاحياء (الانتقال من مجتمع التراحم الى مجتمع التعاقل)… الخ… أنبه لهذه المعاني في ظل المعارك الطاحنة في غابة المصالح في بلدي وطغيان شعور الانانية المفرطة للذات او المجموعة القريبة التي يرتبط بها الانسان… أما الآخرون فإلى جهنم الدنيا.
فكيف يلوم الانسان الشباب المتمرد على الكبار والذي أسقط قيم المروءة والسمت الحسن في العلن، بينما نحن نرى رموزا لطوائف ومذاهب واتجاهات سياسية وحزبية وقبلية تصرح بما لو قيل قبل 30 سنة لعد صاحبها من كبار المجانين الذين هربوا من المصح النفسي عنبر الاحوال المستعصية!
ثقافة الحقد… الكراهية… ضد كل من هو (غير)… غير جماعتي أيا كانت!… لا أحلم بالمثالية وخلو البلد – اي بلد – من مشاكل وصراعات وإجرام… فنحن لسنا في الفردوس ولكن بلد بحجم الكويت مساحة وعددا وفي ظل تجربة وحدة اجتماعية فريدة وقوية بسبب غزو العراق للكويت نصل الى هذا المستوى (الواطي) على صعيد (الكبار) من جهات رسمية ونقابية وبرلمانية و… الخ.
ان لم نتدارك الامر فسنصل الى درجة تمني الهلاك للآخرين ونحن تحت اطباق الثرى، ويكتب كل واحد منا يافطة على قبره كالتي كتبها الشاعر ابراهيم المازني وأوصى ان توضع على قبره، فقال:
أيها الزائر قبري
أتل ما خُطَ أمامك
هذه، فاعلم عظامي
ليتها كانت عظامكْ