close
أخلاقيات المجتمعمقالات

طلابي مع تحطيم قناة «سكوب»

Still78

الطلبة من أهم مصادر المراقب والمتابع للتحولات الاجتماعية وعنصر أساسي في قياس ردود الأفعال على الأحداث الخارجة عن السياق الطبيعي في النظام العام، واذا سقطت الكلفة- وليس الاحترام- بين الاستاذ وتلاميذه صارت الفائدة متبادلة بين الجبهتين.

في قاعة (110) طرحت سؤالا على جميع الفصول الدراسية وعندي قرابة (70) طالبا في كل فصل دراسي والسؤال كالتالي: يا شباب من منكم أسعده الهجوم على قناة سكوب وأفرحه تكسير ممتلكاتها؟ فرفع أكثر من نصف الطلبة أياديهم، قلت لهم من منكم منزعج من القناة ولكنه لا يرضى بالطريقة التي عبر بها البعض عن غضبه من القناة بالتكسير والعمل المادي؟ فازداد عدد الأيادي المرتفعة، بقيت قلة من الطلبة لم يرفعوا أياديهم التفت الى الذي كان عن يميني في الحصة الاولى وأنت ما رأيك؟ قال: أنا ما أدري عن القنوات الكويتية ولا أتابعها، وفي جميع الفصول الدراسية كانت النتيجة متقاربة النصف أو اكثر بقليل يشعرون بانتشاء وتأييد لما حصل لقناة سكوب، والاكثر منزعجون وساخطون عليها مع رفضهم للتغيير او التعبير عن آرائهم بالعنف والاجتهادات الشخصية بعيدة عن القانون والسلطة التنفيذية، والأقل اما غير مبالين وإما غير عالمين بما يحصل ولهم عوالمهم الخاصة… وكنت اظن ان الثائرين على القناة جميعهم قد تابع برامج القناة وشكل قناعة شخصية أملت عليه مواقفه المؤيدة للهجوم على القناة، فلما استفسرت وسألت تبين لي ان الغالبية لم تشاهد «سكوب»!! وهنا مكمن القصة وجوهر القضية ذلك ان المزاج العنيف العام لهذه الشريحة العمرية جاء من خلال التفاعل الاجتماعي عبر الاتصال المباشر او من خلال الوسائط الالكترونية التي صارت في متناول الشيوخ والشباب والاطفال والمجانين احيانا… وهذا مؤشر على سرعة اتساع الانطباعات العامة لدى الناس (لا سيما الشباب) عن قضية معينة سواء كانت (قناة) او موقف وزير او حركة سياسية… وهو ما يحتاج رصدا ودراسة من اهل الاختصاص، قلت للطلبة يحزنني ان يقع امثالكم وانتم في مرحلة ما بعد الثانوية وفي تخصصات متنوعة (حقوق، حاسوب، ادارة… الخ) ثم يكون تفكيركم بهذه الطريقة العشوائية وتشجعون ما لو اصبح قناعة عامة فسنهدم بلادنا بأيدينا، قد لا يلومك احد على مشاعرك في الحب والكره، حتى الشريعة لا تحاسب على المشاعر القسرية غير الاختيارية، ولكن الافعال والسلوكيات يحاسب عليها كل قوانين الدنيا والدين.
وبعد ان قررنا واتفقنا على احلال العقل مكان الانفعالات والاحتكام للقانون والاجراءات المشروعة بدلا من الفوضى سألتهم وقلت لهم في سبعينات وثمانينات القرن الماضي كثرت حوادث اختطاف الطائرات المدنية من مجموعات مسلحة، فكان الانسان البسيط يركز على هوية وجنسيات الخاطفين بينما السياسيون لا يسألون عن ذلك وانما يبحثون فيمن وراء الخاطفين وسبب الهبوط في هذا المطار او ذلك ونوع المطالبات والضربات الموجهة!
وذكرتهم برد الامام ابو حامد الغزالي على الفلاسفة في كتابه (تهافت الفلاسفة) في خلطهم بين (الفعل والارادة) فبين ان من قال ان السراج يفعل الضوء والشخص يفعل الظل فقد جازف وتوسع في التجوز، فالفاعل لا يسمى فاعلا بمجرد كونه سببا بل بكونه مسببا على وجه مخصوص، وهو وقوع الفعل منه على وجه الارادة والاختيار.
قال الطلبة تقصد ان نبحث عن المسبب الأصلي الذي هيأ الاجواء لتجاوزات الفضائيات وردود الافعال العنيفة عليها قلت نعم ابحثوا عما وراء السبب الساذج والمباشر الى المسبب الرئيسي، قالوا من هو في رأيك؟ قلت لهم الاستاذ ليس عليه دائما ان يعطي طلابه اجابات جاهزة وانما يترك لهم فرصة للتأمل والاستنتاج والتحليل والتساؤل وانا واثق من ان ذكاءكم سيقودكم الى الاجابة الصحيحة… افتحوا الكتاب لنستكمل كلامنا عن عبقرية اللغة العربية المقوم الثاني من مقومات الثقافة الاسلامية.