مقالات

أنسنة الأخلاق

سؤال الأخلاق من أكثر الأسئلة تشعباً وإشكالية على صعيد الأسئلة الإنسانية والفلسفية.وتمكن صعوبة فهم علم الأخلاق من خلال بعض الجوانب المعينة. فإن” مفاهيم الخير والعدالة والسعادة والضمير معروفة جيداً للجميع، وعلى الرغم من صعوبة إدراك طبيعة هذه المفاهيم، فإن السلطة التي تملكها – هذه المفاهيم- على الإنسان كبيرة.. فبماذا تكمن قوتها ومن أين تنشأ سلطتها السحرية؟.. علم الأخلاق مدعو لأن يجيب على هذه الأسئلة وأسئلة كثيرة غيرها، وهو ميدان قديم جداً وجذاب جداً للمعرفة البشرية.”[1]

وعلى الرغم من المحاولات التاريخية للإنسان للإجابة عن المفاهيم الغامضة التي تكتنف جوانب علم الأخلاق بعيداً عن الدين، كأسئلة النشأة وسلطة الأخلاق، إلا أنها محاولات بقيت حبيسة الفشل.

لقد حاول الإلحاد المعاصر أنسنة الأخلاق باستخدام نظريات علمية وفلسفية تمحورت حول نظرية التطور الدارويني والنفعية الأخلاقية، إلا أنها لم تؤد إلا إلى فشل ذريع.

فالنفعية الأخلاقية التي أسسها الفيلسوف البريطاني جيرمي بنثام والتي تربط خير الفرد بخير الجماعة، وتقوم على مبدأ اللذة وتجنب الألم والتي طورها هربرت سبنسر ودمجها مع نظرية التطور ليخرج لنا بنتيجة مفادها أن ” الأخلاق تقدم على مبدأ الملاءمة بين حياة الإنسان وقوانينها الأساسية. فينطلق الإنسان ليدرك أن منفعته تزداد بالتعاون مع إخوانه، لكن هذه الأخيرة لا تستند إلى فكرة الواجب الميتافيزيقي، وإنما إلى فكرة التطور بمعناها العضوي القائم على تبادل المنفعة من أجل البقاء”[2] وعلى الرغم من أنه لا يوجد برهان يمكن التدليل به على أن السعادة واللذة هي الغاية العظمى لكل نشاط إنساني[3] إلا أن صلب المشكلة يكمن في معايير معرفة اللذة والألم، وهنا تظهر النسبية بأوضح صورها لتفسد عملية أنسنة الأخلاق. والداروينية التي تنتهي إلى الاعتراف بأن الإنسان “وتحت واجهة الوعي المحترمة، مع نظامه الأخلاقي المنضبط ونياته الحسنة، تكمن القوى الغريزية الفجة للحياة كحيوانات المحيطات الهائلة، وهي تفترس وتدمر إلى ما لا نهاية”[4] كان أبوها الأول في شك من قدرات عقل الإنسان وعبر عن مشاعره في بعض رسائله فقال: إن شكاً فظيعاً ينتابني دائماً وبشكل متكرر حول قناعات عقل الإنسان والتي بدورها تطورت من عقول كائنات أدنى، هل هذه القناعات تحمل أي قيمة أو تستحق أدنى ثقة؟ هل من أحد يثق بقناعات عقل القرد؟ في حال أن عقلاً كهذا يحمل قناعات أصلاً؟!”[5] فما الحاجة إذا للمنطق ولأنسنة الأخلاق بناء على قدرات الإنسان العقلية؟ والحال أن المنطق نفسه موضع سؤال. ألا يدفعنا ذلك إلى القول إن الصور والقوانين المنطقية إن هي إلا سمة عارضة للنوع البشري، وانها قد تكون مختلفة، وتصير كذلك في سياق التطور المقبل؟[6] وأمام هذا التشكيك هزت الدراوينية رأسها في حيرة خرقاء.

إن النسبية الأخلاقية. والتي تعرف بأنها” القول بأن الأفعال الصائبة أخلاقياً تختلف من ثقافة إلى أخرى، وليس هناك صواب مطلق في مجال الأخلاق.. والتي ينظر إليها أنصارها باعتبارها رحابة في الأفق.. تؤدي حتماً إلى التشكك فيما إذا كان هناك صواب مطلق حقاً في مجال الأخلاق”[7]

 وعلى الرغم من وضوح العلاقة بين أنسنة الأخلاق وبين النسبية الأخلاقية، إلا أن منظري المذهب الإنساني في الغرب تفطنو لخطورة هذا الأمر، وحاولوا أن يتبرؤوا من مذهب النسبية الأخلاقية.

يقول ستيفن لو أحد أشهر منظري المذهب الإنساني: “كثيراً ما يتم تصوير الإنسانويين المعاصرين على نحو مبالغ فيه على يد معارضيهم على أنهم مؤيديون للنسبوية، ولا سيما النسبوية الأخلاقية.. إلا أن الإنسانويون معارضون للنسبوية عامة وللنسبوية الأخلاقية خاصة”[8]

ولكن في الحقيقة لم يستطع ستيفن لو – فضلاً عن غيره – إقامة أي حجة تدحض إدعاء النسبوية هذا، بل إن النظر المجرد لا يوصل إلا إلى هذه النتيجة الظاهرة. لذلك يتسق مايكل روس الفيلسوف الملحد الشهير مع هذه النتائج ويذهب إلى آخر نتائج هذا الالتزام ليقول أن الأخلاق ليست سوى وهم يساعدنا على البقاء والتكاثر.[9] ولا عجب من هذا، فإن المغالاة في النسبية يقود إلى العدمية، بما يترتب عليه من خسارة فضيلة اليقين و منزلة الإحسان، و الإغراق في الارتياب و الحيرة و اللاحسم”.[10]

وعلى الرغم من أن ديفيد هيوم – وهو فيلسوف ذو أهمية خاصة من وجه نظر الإنسانوية كما قال ستيفن لو – يرى أن المعتقدات الأخلاقية غير قابلة أساساً للتبرير بالاحتكام إلى العقل أو الخبرة مؤكداً أنه لا ينافي العقل أني أفضل تدمير العالم بأسره على أن تخدش إصبعي[11] إلا أن الإنسانويين يصرون على إنكار الزعم القائل بأنه لا يمكن وجود قيمة أخلاقية بدون الإله، وأن البشر لن يكونوا أخياراً دون الإله أو دون دين يرشدهم..”[12] وبانتظار بيان المنهج الإنساني في كيفية وضع منهج أخلاقي وتحديد القيم الأخلاقية على أساس إنساني، يجيب ستيفن لو عن سؤال: ” كيف يتأتي لنا معرفة الصحيح والخاطئ؟”  بأنه يجب علينا أن نقرر بأنفسنا الصحيح والخاطئ، لا أن نعهد بهذا الأمر إلى سلطة دينية. و”شئت أم أبيت، لا مفر من أداء دور الإله”[13]  وبهذا يكشف ستيفن لو عن فكرة الإله الخفي الذي كشف عنه عبدالوهاب المسيري، والذي يعبر عن البحث غير الواعي للإنسان المادي عن المقدس.[14]

ولكن ماذا حدث عندما لعب الإنسان دور الإله؟ هل تحسنت حياة الإنسان؟

“يعد صلب سؤال الأخلاق هو: ماذا ينبغي أن نفعل”[15]  هذا السؤال يشكل كابوساً يراود الإنسانية منذ قررت القيام وحدها والتخلي عن الإله. وإذا عدنا للتاريخ وهو خير مخبر، فالتاريخ ” ليس معرفة وتأملاً فحسب”[16] ، نجد أن الإنسان وقع في حيرة واضطراب وعاد ناكصاً على عقبيه بعد هذه الخطوة. فقد “أدرك الفلاسفة أنهم وقد رفضوا الأسس اللاهوتية للأخلاق ، أنهم ملتزمون-أدبيا بالعثور على أساس آخر وعلى نسق آخر للإيمان يحمل الناس على السلوك الكريم بوصفهم مواطنين وأزواجا وآباء وأبناء ، ولكنهم لم يكونوا إطلاقا واثقين من إمكان السيطرة على هذا الحيوان البشري دون ناموس أخلاقي مكرس تكريسا فوق طبيعي. وانتهى فولتير وروسو إلى الاعتراف بالضرورة للأخلاق لإيمان ديني شعبي، أما ديدرو ففي النصف الثاني من حياته فكر مليا في وضع أخلاقيات طبيعية، ثم اعترف بفشله )بل إنني لم أجرؤ على أن أخط أول سطر.. ولست أخالني كفئا لهذا العمل الجليل.) ثم تساءل ديورانت قائلاً: ” ولنسأل الآن أي ضرب من الأخلاق ساد فرنسا بعد أربعين عاماً حفلت بالهجمات على المعتقدات فوق الطبيعية؟ وفي جوابنا عن هذا السؤال يجب ألا نصور النصف الأول من القرن الثامن عشر في صورة مثالية. لقد قال الفيلسوف والأديب الفرنسي فونتنيل قبيل موته عام 1757 م إنه يتمنى لو مد في أجله ستون سنة أخرى ليرى النهاية التي تنتهي إليها الخيانة الزوجية المستشرية والخلاعة وتحلل جميع الروابط” ولربما قال الفلاسفة والمفكرون بحق إنه قد أسئ فهمهم على نحو قاس، ولكنه كانوا مسئولين بقدر ما استخفوا بأثر الدين والتقاليد في ضبط الغرائز الحيوانية للبشر[17]

ودونك هذه الحقيقة المربكة “لم يكن القرن العشرون عصر إيمان ومع ذلك كان مروعاً. لينين ستالين، هتلر، ماو.. لا يمكن أن يحسبوا ضمن القادة الدينيين للبشرية. وأيضاً لا يمكن لأحد أن يجادل في أن فظائع القرن العشرين كانت غير متوقعة. نعم جاءت كالصدمة إلا أنها لم تكن مفاجئة. هتف إيفان كارمازوف: إن لم يكن الله موجودا فكل شيء مباح. خلال القرن التاسع عشر، وبينما كان المعتقد الديني ينحسر خارج مؤسسات الثقافة الغربية، انتاب الشعراء والفلاسفة إحساس مزعج بأن انحساره مؤذن بظهور شر عظيم في العالم، وقد كانوا محقين في هذا.. ما الذي يجعل الناس أخيارا ؟ لاشيء. هذا جواب التجربة التاريخية والتفكير العادي الذي أعياه القلق..”[18]

وهكذا بقي الإنسان المعاصر يعيش أزمة الشعور بالحاجة الماسة إلى قيم تعطي حياته مفهوماً ومعنى. ومما لا شك فيه أن المنبع الوحيد الذي يستطيع أن يستمد منه قيمه إنما هو الإيمان الديني بأوسع معانيه.[19]

هل يعني هذا أن الإنسان لا يمكن أن يكون خيراً دون أن يؤمن؟

لقد أجاب المفكر البوسني الشهير علي عزت بيجوفيتش عن هذا السؤال قديما، وقال مقولته الشهيرة: ” يوجد ملحدون على أخلاق، ولكن لا يوجد إلحادأخلاقي. والسبب هو أن أخلاقيات اللاديني ترجع في مصدرها إلى الدين.. دين ظهر في الماضي ثم اختفى في عالم النسيان، ولكنه ترك بصماته قوية على الأشياء المحيطة..[20]

بهذه الكلمات يوضح لنا بيجوفيتش إشكالية عميقة تتمثل بقضية الإلزام الخلقي، والذي يقصد به جانب الإلزام والتكليف في الأخلاق، فالأخلاق ليست مجرد بحث عن نتائج سارة أو غايات سعيدة أو خبرات نافعة، بل هي قانون يلتزم به بنو الإنسان. ” ولا بد للشخص المفكر أن يواجه عاجلاً أم آجلاً تلك المشكلة التي هي أصعب المشكلات الأخلاقية جميعاً، وأعني بها من أين تأتي قوة الإلزام الخلقي؟ إن أي إلزام يتضمن ضرورة قيام شخص ما بعمل شيء ما فما مصدر هذه الضرورة؟[21] فإن كان الإنسان يمكنه أن يطبق هذه القواعد السلوكية والأخلاقية في حال الرخاء، فإنه لن يضمن استمرار العمل بها في حال الشدة إلا إن عرف مصدر الإلزام بها، وكان إلزاماً حقيقياً لا نسبياً.

والإلزام الأخلاقي عند المؤمنين ” حالة مركبة من المعاني الفطرية والوجودية والمعرفية، فبعضها راجع إلى مصدر الأخلاق وبعضها راجع إلى طبيعة الأفعال الموجودة وبعضها راجع إلى الآثار المترتبة عليه، ولقد حاول كثير من غير المؤمنين أن ينشئوا مرجعاً يحدد لهم الإلزام الأخلاقي في المجتمعات الإنسانية كقولهم أن المجتمع له سلطة على الناس وأخلاقهم أو أن المنفعة هي التي تدفعهم للإلتزام بالأخلاق[22] ، إلا أنها باءت بالفشل. ويرجع هذا الفشل إلى إنكار وجود الله سبحانه وتعالى ومصدرية تشريعه للأخلاق، وإن كان الإلتزام بالأخلاق هي حالة مركبة كما ذكرنا من معان متعددة، فإن إنكار الله تعالى ولو بالفكر فقط يفكك جميع الأشياء كما صرح بذلك جون لوك.[23]

قال إيمانويل كانط مرة: “شيئان لا يفتآن يبعثان في النفس الإعجاب والروعة: السماء المرصعة بالنجوم من فوقي، والقانون الخلقي في باطني.”[24]

” قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى” قال الحسن وقتادة : أعطى كل شيء صلاحه ، وهداه لما يصلحه.

.


  • [1] علم الأخلاق الماركسي، مجموعة من الأساتذة السوفيت، ص13
  • [2] صلاح عثمان، الداروينية والإنسان، نظرية التطور من العلم إلى العولمة، ص120
  • [3] توفيق الطويل، مذهب المنفعة العامة في فلسفة الأخلاق، 184
  • [4] الإنسان: ذلك الكائن الفريد، ص248
  • [5] Francis Darwin, The Life and Letters of Charles Darwin, New York, Published by
  • Appleton and Company ,1887 ,285.
  • [6] إيدموند هوسرل، فكرة الفينومينولجيا: خمسة دروس، ص54
  • [7] فلسفة العلم: مقدمة معاصرة، أليكس روزنبرج، ص 316
  • [8] الإنسانوية: مقدمة قصيرة جداً، ص18
  • [9] Michael Ruse, “Evolutionary Theory and Christian Ethics,” in the Darwinian Paradigm, London, Published by: Routledge, 1989, 268-9.
  • [10] مآلات الخطاب المدني، إبراهيم بن عمر السكران
  • [11] انظر: الإنسانوية المستحيلة، إبراهيم الرماح، ص79
  • [12] الإنسانوية: مقدمة قصيرة جداً، ص9-10
  • [13] الإنسانوية: مقدمة قصيرة جداً، ص77
  • [14] عبدالوهاب المسيري، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، مصر، دار الشروق، 1423 ه 2002 م،
  • 189
  • [15] هنتر ميد/ الفلسفة أنواعها ومشكلاتها، ص258
  • [16] الفلسفة في 100 كلمة، مجموعة من الباحثين، ص 70
  • [17] ويل ديو ا رنت، قصة الحضارة: روسو والثورة، تاريخ الحاضرة في فرنسا وانجلتره، وألمانيا من
  • 1756 إلى 1789 ، ترجمة فؤاد أندرواس، الجزء ال ا ربع من المجلد العاشر، بيروت، دار الجيل،
  • 1988 م، 42 ، 397 .
  • [18] ديفيد برلنسكي، وهم الشيطان: الإلحاد ومزاعمه العلمية، ص49،63،65 بتصرف.
  • [19] تاريخ الفكر الأوروبي الحديث، رونالد سترومبرج، ص652
  • [20] الإسلام بين الشرق والغرب، ص209
  • [21] هنتر ميد، الفلسفة أنواعها ومشكلاتها، ص261
  • [22] سلطان العميري، ظاهرة نقد الدين في الفكر الغربي الحديث، 2،642
  • [23] جون لوك، رسالة في التسامح، ترجمة منى أبو سنه، القاهرة، المشروع القومي للترجمة، 1997 م،57
  • [24] من كتاب المشكلة الخلقية، زكريا إبراهيم، ص3

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى