مقالات

الأعضاء الأثرية في الإنسان

منذ زمن داروين وحتي يومنا هذا اعتاد الدراونة علي تصنيف بعض أعضاء جسم الإنسان علي أنها أثرية أي أنها أعضاء بلا فائدة عندنا لكن كان لها وظيفة ما في أسلافنا غير البشريين وأن هذه الأعضاء في طريقها إلي الزوال بفعل الانتخاب الطبيعي. لكن إذا ما كشف العلم عن بعض الوظائف المجهولة لهذه الأعضاء قالوا حسنا هي ليست بلا وظيفة تماما وإنما لها وظيفة ثانوية ليست مثل  وظيفتها الأساسية في أسلافنا “المزعومين” فهم في البداية يحتكمون إلي الجهل ويعتبرون عدم علمهم بالوظيفة علما بعدم الوظيفة وهذه مغالطة شهيرة فإذا ما جاء الدليل يفند هذا الزعم لم يتراجعوا عنه بل راوغوا مرة أخري بفرض لا يصطدم بالدليل المفند إذ يثبتون الوظيفة لكن يجعلونها ثانوية وهذه المراوغة تعرف في العلوم باسم

 ad hoc hypothesis

والتي يقصد بها أن تستمر في تغيير الفروض الأولية لنظريتك كلما جاء كشف يفند تلك الفروض حتي تتوافق مع الكشوفات الحديثة وهذا من علامات فساد النظرية في العلوم. ثم ما هو المعيار الممكن للحكم علي وظيفة ما بأنها أساسية أو ثانوية ؟ لن تجد!! فإما أن توجد وظيفة وإما ألا توجد أما تقييم الوظيفة نفسها فهذا أمر اعتباطي ليس له معيار علمي.

والآن دعونا نمرعلي أشهرهذه الأعضاء الأثرية المزعومة وننظرهل هي حقا بلا فائدة أم لا:

1- الزائدة الدودية:

هي امتداد رفيع في نهاية  المصران الأعوروقد  ظن داروين أنها نتجت عن ضمور في الأعور إذ أن وظيفتها في الحيوانات العاشبة والقرود هي مساعدتهم في هضم السيلولوز الموجود بكثرة في أوراق الأشجار لكن حينما تغير النظام الغذائي للإنسان لم يعد لها وظيفةفي نظرهم وهذا طبعا غير صحيح والأبحاث  تثبت أن الزائدة الدودية في الإنسان لها فوائد هامة وأنها تعتبر عضو من الجهاز المناعي وغنية بالنسيج اللمفاوي كما أنها تعد خزانا للبكتيريا النافعة التي تحافظ علي صحة الجهاز الهضمي وتكبح البكتيريا الضارة (1)

2- ضرس العقل:

هي الأضراس التي تظهر في الفم بعد مرحلة البلوغ وكثيرا ما تخرج بشكل غير صحيح مما يتسبب في اللجوء إلي التدخل الجراحي لإزالتها وتأتي هنا نظرية التطور لتفترض أن سبب عدم ملاءمة تلك الأضراس هو ضمور الفكين في الإنسان المعاصر وذلك نتيجة زيادة حجم دماغه بالنسبة لأسلافه غير البشريين .

لكن هذا كله غير صحيح والدراسات  تثبت أن صغر حجم الفكين ليست بسبب تغير جيني حدث لأسلافنا وإنما هو أمر فوق جيني يتغير وفقا للسلوكيات والبيئة بل إن صغر حجم الفكين يعد حاليا مرض حضاري مثله مثل السكري والسمنة لأنه ناتج عن إسرافنا في تناول الأغذية الناعمة التي لا تتطلب الكثير من المضغ وهذا الضمور المرضي له آثار سيئة علي البلع والكلام والتنفس أثناء النوم وهوأمر قابل للتغيير إذا تم تمرين الأطفال علي المضغ بكثرة منذ الصغر و تم تأخير استخدام الملاعق والأطعمة المهروسة حتي تبدأ الضروس في الظهور في سن 12- 18 شهر بدلا من تقديمها مبكرا في سن 6 أشهر وحينها سنتخلص من هذا الضمورالمرضي للفكين وتخرج ضروس العقل في موضعها المناسب بدون مشاكل (2)(3)

3- اللوزتان واللحمية:

منذ زمن قريب كان كثيرا من الأطباء يلجؤون إلي إزالة اللوزتين إذا زاد إلتهابهما وربما أزالوا معها  اللحمية أيضا لتوسيع مجري التنفس خصوصا أن اللحمية تنكمش بشكل طبيعي في مرحلة البلوغ فكان يتم التعامل مع اللوزتين واللحمية باعتبارهم أعضاء أثرية قليلة الفائدة لكن هذا التصور غيرصحيح لأن اللوزتين واللحمية يمثلان ما يعرف بحلقة فالدير التي هي جزء من الجهاز المناعي اللمفاوي وهي بوابة التفتيش الأولي للجهاز التنفسي والهضمي وقد كشفت الدراسات أن هناك آثار ضارة بعيدة المدي لإزالة اللوزتين تجعل من استئصلوها في الصغرعرضة لأمراض الجهاز التنفسي المختلفة  بمقدار ثلاثة أضعاف مقارنة بمن لم يستأصلوها وهذا يبين الأثر السلبي لهذه الفروض الداروينية علي العلم (4)

4- العصعص:

هو مجموعة الفقرات الأخيرة في العمود الفقري وقد افترض الدراونة أنه عضو أثري ضامر بلا فائدة كان يمثل الذيل في أسلاف لكن الصحيح أن العصص له وظائف هامة في ربض العضلات والأربطة والأوتار كما أنه يدعم ويتحمل وزن الجسم عند الجلوس (5)

: عضلات الاذن -5

افترض الدراونة أن عضلات أذن الإنسان عضو أثري لأن أغلبنا لا يستطيع تحريكها خلافا للحيوانات التي تتحكم بدقة كبيرة في حركة أذنها وإذا كانت وظيفة العضلات الحركة فعضلات أذن لا تتحرك هي بالتأكيد عضو ضامر. لكن الأبحاث أثبتت غير ذلك إذ أن وظيفة عضلات الأذن في الإنسان ليست الحركة وإنما دورها في ضبط  وضعية وتشكيل طيات الأُذن الغضروفية عن طريق ربط الحواف المعاكسة  ورسم طوبوغرافيا الأذن كما أنها تعصرصمغ  الأذن (6)

6- الجفن الثالث:

هو جزء يسمي بالثنية الهلالية ويفترضون أنه من  بقايا الجفن الثالث الشفاف الكامل في الزواحف والطيور وبعض الثدييات  والذي يحمي أعينهم من الأتربة في الجو أو الشوائب تحت الماء  لكنه أصبح جزء معطل بلا فائدة عندنا. وهذا غير صحيح  لأنه نسيج غني بالخلايا الكأسية والليمفاوية وله دور مناعي داخل العين كما أنه يلعب دورهام في تسهيل حركة العين علي الجانبين(7)

7- عضو جاكوبسون أو الميكعي الأنفي:

هو جزء صغير يقع في تجويف الأنف وظيفته استقبال الفيرمونات التي هي مواد كيميائية متطايرة ولها تأثير الهرمونات عندما تدخل الجسم وهذه الفيرمونات تلعب دورا كبيرا في عالم الحيوان فيمكن للذكر البالغ أن يقلل الرغبة الجنسية عند باقي الذكور المنافسين له في إقليمه بفرميون يفرزه ويمكن للذكر البالغ أيضا أن يعجل من بلوغ الإناث بفرميون يفرزه وهكذا. لكن في الإنسان يوجد انقطاع وتدهور في الأعصاب التي تربط عضو جاكوبسون بأعصاب حاسة الشم وهذا يحدث في المراحل الأولي من تكون الجنين مما جعل البعض يعتقد أنه عضو أثري ضامر بلا وظيفة. لكن هناك الكثيرمن الفيرمونات البشرية التي تفرز في العرق أوبطرق أخري (مثل الكوبولين  وإستراتيترينول و أندروستادينون إلخ) قد ثبت أثرها المحفز جنسيا علي الرجل والمرأة مما يعني أن جهاز استقبال الفيرمونات في البشر مازال يعمل  وهذا ما أكدته بالفعل بعض الأبحاث التي أثبتت اتصال عضو جاكوبسون بشبكة شعيرات دموية تسمح له بالاتصال مع الغدد الصماء وبالتالي إفراز الهرمونات مباشرة مما قد يفسر كيفية عمله رغم عدم وجود وصلات عصبية مباشرة تربطه بأعصاب حاسة الشم (8)

8- الدى إن إيه الخردة:

أحد التوقعات الأساسية لنظرية التطور أن نجد في الجينوم البشري الكثير من الجينات المعطلة التي تعد أحافير جينية تراكمت من مخلفات التطور ولذلك كان هناك اعتقاد سائد بأن معظم الجينوم البشري خردة لا وظيفة له إلي أن جاء زلزال مشروع إنكود الشهير الذي شارك فيه أكثر من 440 عالم من 30 مؤسسة و نشروا نتائجهم في أكبر المجلات العلمية لينهوا تماما فكرة الدي إن إيه الخردة  ويثبتوا أن معظم الجينوم البشري له وظائف حيوية حتي تلك المناطق الغيرمشفرة منه فهي تلعب دوراهاما في تنظيم عمليات نسخ الجينوم  (9)(10)(11)

9- التأسل الرجعي:

ويقصدون به  ظهور صفات حملنا جيناتها من أسلافنا القدماء وأصبحت هذه الجينات معطلة تماما إلا أنها قد تعبر عن وجودها من حين لآخر بسبب طفرة أو ما شابه مثل ظهور الأثدية المتعددة  والذيل.

أولا: الأثدية المتعددة علي خط الحليب

أحيانا تظهر عدة أثدية للذكور أو الإناث كتشوه جسدي لكن تم توظيف ذلك كدليل علي التطور باعتبار أننا نحمل جينات معطلة من أسلاف كانوا يملكون أكثر من ثديين  خصوصا أن هذه الأثداء تظهر في الغالب علي ما يعرف بخط الحليب الذي يمتد علي جانبي جسم الإنسان. لكن التفسير الصحيح لذلك أن وجود خط الحليب في الذكر والأنثي راجع إلي أن الجنين لا يتميز جنسه إلا في الأسبوع السابع  ثم في الحالة الطبيعية ينكمش خط الحليب ليكون الحلمات  والثدي في مكانهما الطبيعي وعدم رجوع الخط و تكون الحلمات هو تشوه أو حالة مرضية وهي علامة تشخيصية  لوجود تشوهات في الكلي والمسالك البولية و احتمالية الإصابة بالسرطان مما يبين أن الأمر له علاقة بمتلازمة معينة تصيب عدة جينات  وتحدث تشوهات في أعضاء وظيفية مختلفة و ليس له علاقة بجين كامن معطل(12)

كما أن هناك من هذه الأثداء ما قد ينبت في أي مكان في الجسم خارج خط الحليب ويعرف باسم

 ectopic supernumerary nipples

وهذا أيضا يشير إلي أنه ليس جينا معطلا يصنع خط الحليب ثم يتوقف عن العمل.  وكذلك فإن ظهور الأثداء الزائدة يظهر في كثير من الثديات مثل الأبقار والأغنام و الخنازير وغيرهم مما يعني أنه تشوه أو متلازمة مرضية وأن القضية  ليست جينات معطلة من أسلافهم كانوا يمتلكون أكثر من ثديين بل عندما فحصوا الجينات المسؤولة عن ظهور الأثداء الزائدة في الأغنام وجدوها جينات وظيفية وليست معطلة (13)

ثانيا: الذيل

أثناء مراحل تشكل الجنين يحدث بروزيشبه الذيل في الأسبوع الخامس والسادس ويزول هذا البروز في الأسبوع الثامن فتم تفسير هذا الأمر علي أنه تأسل رجعي وأن السبب في ولادة بعض الأطفال بما يشبه الذيل هو تعطل آلية الضمور التي تنشط في الأسبوع الثامن لكن الدراسات أثبتت أن هذه الذيول التي يولد بها الأطفال ليست ذيولا حقيقية وليست نتيجة تعطل آلية ضمورالذيل الحقيقي . فهناك أربع تصنيفات يمكن أن تشمل كل أنواع الذيول التي تظهر في البشر: الأول يكون الذيل به عظام لكنها ليست عظاما زائدة عن عدد عظام العصص وإنما هي نفس عظام العصعص لكن مع انتفاخ أو تورم في بعض أجزائها وهذا تشوه نتيجة مشاكل في تكوين الحبل الشوكي. والثاني يكون به عظام وغضاريف لكنها تنتج عن نسيج سرطاني وليس نسيج طبيعي. وأما الثالث والرابع فلا يكون بهم عظام ولا غضاريف وإنما فقط أنسجة لينة ممتدة من آخر القناة الهضمية والشرج أو من الحبل الشوكي في منتصف الظهر. وكل هذه الحالات لا علاقة لها بجينات ذيول معطلة  ورثناها من أسلافنا وبالتالي فظهور أشباه الذيول هذه في المواليد هو مجرد تشوه مرضي (14)(15)(16).

المراجع:

-1 https://www.sciencedaily.com/releases/2017/01/170109162333.htm

-2 https://academic.oup.com/bioscience/article/70/9/759/5872832

-3 https://news.stanford.edu/2020/07/21/toll-shrinking-jaws-human-health/

 -4https://pursuit.unimelb.edu.au/articles/what-are-the-long-term-health-risks-of-having-your-tonsils-out

 -5https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC3963058/

 -6https://www.frontiersin.org/articles/10.3389/fneur.2017.00752/full

 -7https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S1367048421000230

 -8https://onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1002/ca.22382

 -9https://www.nature.com/articles/nature11247

 -10https://www.nature.com/articles/s41576-019-0196-1

 -11https://link.springer.com/article/10.1007/s13258-020-00935-7

 -12https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/24716395

 -13https://onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1111/age.12575

 -14https://onlinelibrary.wiley.com/doi/full/10.1111/joa.12774

 -15https://onlinelibrary.wiley.com/doi/full/10.1002/ca.23609

 -16https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC8128518/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى