بيني وبينكم 2004

بينى وبينكم 2004 الحلقة الثانية والعشرون الطرب الحلال

 

 

الطرب الحلال

لعل كلمة الطرب إذا أُطلقت ينصرف الذهن إلى آخر ما توصل إليه الغناء العالمي، ثم العربي، عبر هذه التقنيات الدقيقة المؤثرة المبدعة.

هذا الطرب المليء في الساحة هذه الأيام، قد وصفه الفنانون أنفسهم، وكبار علماء الموسيقى، والمتخصصون في التلحين: بأن المسألة وصلت إلى حد ما بعد السماجة والغثيان!!

حتى إن عمار الشريعي الموسيقار والملحن الكبير المعروف قال مرة في لقاء عبر الراديو بعد منتصف التسعينات، بعد أن ظهر ما يعرف بالفيديو كليب، ووجه المناسبة بين الكلمات التي يغنيها المغني، وبين الحركات التي تقوم بها المستعرضات من الراقصات أمامه وخلفه، فقال: عندما تجد مغنٍّ يغني أغنية حزينة، ويبكي على محبوبته، ثم إذا به يضع لك المحبوبات اللاتي يرقصن مبتسمات، وتقفز هذه هنا، وتلك هناك، فما هذا الحب المتناقض؟! كلام حزين، ورقص، وابتسامات! لا يستقيم أبدًا، إلا أن يضعوا خلفهم يافطة كتب عليها: الطير يرقص مذبوحاً من الألم!!

أي أن هذه الأغنية لا شكل، ولا مضمون، ولا ذوق، وإنما فقط لغة الغريزة الدافعة، والجنس.

ولذلك فمن الواجب علينا أن نطرح البديل الشرعي لتلك الأصوات، والإيقاعات، والحب، والهيام، والعشق، وغيره.

ولا شك أن الصوت الحسن يزيد الحق حسناً، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولذلك جاء الإسلام واهتم بالصوت الحسن، ورغب فيه.

ومن المناسبات العجيبة أن من الذين دخلوا الإسلام وكانوا من أهل الصوت، والنغم، والطرب، المغني الشهير بطل البوب الإنجليزي في الستينات، كات ستيفن سابقًا، ويوسف إسلام بعد إسلامه، هذا الرجل دخل الإسلام في قصة عجيبة حيث كان يبحث عن الروح، فذهب للبوذية ورأى أنها روحانية خرافية، ثم ذهب إلى الشيوعية فرأى أنها مادية بحتة، فأين يذهب؟

جاء أخوه من القدس بعد رحلة سياحية، وأهداه مصحفًا، فبدأ قرأ فيه، فوجد إجابات شافية عن أسئلة ضخمة كانت تراوده عن الإنسان، والكون، والحياة، والمستقبل، والماضي، والوجود، فاعتنق الإسلام عن علم وقناعة، لكنه كان مطربًا كما نعلم، يظهر بتلك الأشكال التي لا تمت إلى الإنسانية بصلة، فتحول من تلك الحال إلى شيء آخر، حتى أنه قال: إنني هجرت الجينز؛ لأنني لا أرتبط معه بأية عاطفة ماضية، فهو يدل على حياة الصخب، وحياة الفلتان، وحياة الضيا.

ولكن: هل أضاع صوته؟

كلا، بل إنه وظّفه توظيفًا حسنًا لخدمة دينه، وعقيدته، وقضيته، فماذا صنع؟

لقد تحول من مغنٍّ مزعج، يتكلم عن الغريزة، ويفتن النساء، وينظر إلى المرأة على أنها شيء يُستمتع به، إلى عالم آخر بعد أن تعرف على القدوة الكبرى، خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فطرح في الساحة أناشيد جميلة، ومن هذه الأناشيد نشيد يتغنى به بكلمات عذبة، وبصوت جميل، برسول الله صلى الله عليه وسلم.

إذن من فضول الكلام التأكيد على أن استحسان الصوت الحسن، والانسجام مع النبرة الجميلة، شيء فطري، لذلكم أدرك الفقهاء هذا الشيء، فهذا الإمام ابن تيمية يقول: فإن النفس لا بد لها من شيء في الغالب تترنم به، فمن لم يترنم بالقرآن، ترنم بالشعر.

قلت: ولماذا الترنم بالشعر؟

لأن النفس تحب الشعر؛ ففيه تقسيمات، ونبرة جميلة، وجرس موسيقي، ينسجم مع الأعصاب، وتقسيمة الدماغ، والإسلام راعى هذا الأمر، وراعى الفطرة، فوجهها التوجيه الحسن، ولذلك ذكر الإمام ابن القيم في كتابه: (زاد المعاد في هدي خير العباد)، فصلًا في حُداته عليه الصلاة والسلام، أي الذين كانوا يحدون بين يديه في السفر، فيسير الواحد منهم أمام الأباعر، وأمام الركب، ويقول أشعارًا ملحنة، فتُسرع الإبل، ومن هؤلاء عبد الله بن رواحة، وأنجشة، وعامر بن الأكوع، وسلمة بن الاكوع، فقد جاء في الحديث الصحيح عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر، وكان غلام يحدو بهن يقال له أنجشة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «رويدك يا أنجشة سوقك بالقوارير»، وفي رواية: كان للنبي صلى الله عليه وسلم حاد يقال له أنجشة، وكان حسن الصوت، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «رويدك يا أنجشة، لا تكسر القوارير»، أي النساء.

وقد بنى الفقهاء على هذا الحديث أحكاماً كثيرة، جعلتنا نقول: اطرحوا البديل الحلال الجميل المثمر، الذي يرتقي بالذوق والعقل؟

الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وظّف الصوت الحسن للإسلام، والعقيدة، والشريعة، من خلال طلب تحسين الصوت، وترقيقة بقراءة القرآن الكريم، حيث قال: (زينوا القرآن بأصواتكم)، وأخرج أبو داوود عن عبد الله قال: (سمعت ابن أبي مليكة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليس منا من لم يتغنَ بالقرآن، قال: فقلت لابن أبي مليكة: يا أبا محمد أرأيت إن لم يكن حسن الصوت؟ قال: يُحسنه إن استطاع)، وعلم التجويد، ومخارج الحروف، ما هو إلا علم تحسين الصوت.

فهل استخدمنا الأصوات الجميلة للمعاني الجميلة، والقيم السامية، وحركة الحياة الإيجابية الفاعلة؟

إن البديل وإن كان قليلاً؛ لكنه موجود، ولا بد أن نطور، ونضخ في الساحة ما يرتقي بهذه النفس البشرية المرهقة، من أجل اطفالنا، ومن أجل بناتنا، ومن أجل بيوتنا، بل ومن أجلي أنا وأنت، حتى لا تكون نفوسنا نفوسًا شهوانية، وإنما نفوسًا روحانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى