بيني وبينكم 2004

بينى وبينكم 2004 الحلقة السابعة العمالة الوافدة

 

 

العمالة الوافدة

ماذا يعني ظلم الإنسان لأخيه الإنسان؟

الجواب:

هو إيقاع الظالم الضرر بذلك المظلوم، سواء أكان الضرر في عرضه، أو ماله، أو جسده، أو أهله، أو ملكه، أو غير ذلك.

فمن تحرش بامرأة فهو ظالم.

ومن بخس إنسانًا حقه ولو كان المعنوي، وافترى عليه فهو ظالم.

ومن ملك منصباً، ففضّل الناس بعضهم على بعض من غير وجه حق فهو ظالم.

ومن استطاع أن يعين مظلومًا فتلكأ وتراجع، ولم يبذل جهداً لذلك، فهو عون للظالمين.

ولذا فإن حديثي سيكون عن الظلم، والظالمين؛ ولكنني سأنطلق من محور الحقوق الشخصية، ومصالح الناس الذاتية، وأجورهم المالية التي يستحقونها، فيأتي هذا الجشع، أو تلك المؤسسة الظالمة، فتمنع الحق، وتتلاعب بحاجات الناس!!

لنستمع إلى هذا الحديث العظيم الذي رواه الإمام ابن ماجة في سننه: عن جابر رضي الله عنه، قال: لما رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرة البحر، أي من هجرة الحبشة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا تحدثوني بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة؟»، فقال فتية منهم: بلى، يا رسول الله، بينا نحن جلوس مرت بنا عجوز من عجائز رهابينهم، تحمل على رأسها قلة من ماء، فمرت بفتى منهم، فجعل إحدى يديه بين كتفيها، ثم دفعها فخرت على ركبتيها، فانكسرت قلتها، فلما ارتفعت التفتت إليه، فقالت: سوف تعلم يا غُدر، أي يا غدار، إذا وضع الله الكرسي، وجمع الأولين والآخرين، وتكلمت الأيدي والأرجل، بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غدًا! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صدقت، صدقت، كيف يقدِّس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم؟».

هذا الضعيف المغلوب على أمره، الذي لا يستطيع أن يشتكي، ولا يدري أين يذهب، ولا يعرف كيف يدبر أموره في بلاد الغربة، إذا لم يأتِ الناس، ويأخذوا على يد الظالم، فإننا نكون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول له: إنك أنت ظالم، فقد تودع منهم)، لأنها أصبحت أمة لا تستحق الحياة، بل تستحق عقاب الله سبحانه وتعالى، وإن ما يحل بها فهو بما كسبت أيديهم، ولذلك يقول الله جل في علاه: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها}، ومن أعظم الأمانات أجور العمال، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (مَطْل الغني ظلم)، فمجرد التأخير في دفع الحق لصاحبه هو في حد ذاته ظلم، فكيف بأكل الحق، وتشريد الخلق؟!!

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء، فليتحلله منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات، أُخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه).

ومع أن الظلم محرم ومنوع للناس جميعًا، بكل صوره وأشكاله، إلا أنني سأخص بالذكر ضيوفًا حلّوا في بلادنا، ضربوا في الأرض، طلبًا للرزق الحلال، والعيش الكريم، فكيف كان مصيرهم؟

إنه الاستغلال لحاجات الناس، والتكسب من ورائهم، ولو كان ذلك على حساب حياة هؤلاء البشر، وأموالهم، وصحتهم!!

نعم، يُؤتى بتلك العمالة من بلادهم ظنًّا منهم أنهم سوف يجدون العمل الشريف، ولقمة العيش الهنية، إلا أن الجشِع، والمتنصل من كل القيم والأخلاق، يغدر بهم، ويتركهم بلا وظيفة، أو مأوى، بعد أن جرّدهم من كل ما يملكون، بل ووضع الديون الثقيلة على ظهورهم!

فأي جريمة تُرتكب بحق هؤلاء المساكين المعوزين؟

وماذا نتوقع أن تكون النتيجة بعد ذلك؟

لنستمع إلى هذه الحوادث:

٢٠٠ عامل احتجزوا مديراً، وسكرتيره، احتجاجاً على عدم دفع رواتبهم، ورجال الأمن تدخلوا، وأنهوا الأزمة ودياً!!

١٣٨ عامل نظافة في مستشفى الجهراء نجحوا بعد إضراب في استلام رواتبهم المتأخرة!!

عمّال نظافة قاموا بضرب المسؤول المالي لتأخره في صرف رواتبهم!!

انتحار عامل نظافة في ظروف غامضة!!

إلى غير ذلك من حوادث وأخبار.

أقول وبكل صراحة ووضوح: نحن الذين ألجأناهم إلى هذه الأوضاع، والأحوال! نعم، يجب أن نكون صرحاء مع أنفسنا، فماذا ننتظر منهم بعد ذلك؟!

إن المتسبب في كل ذلك هم مجموعة من العصابات، مرضى النفوس، جشعة، أصحاب مصالح مؤقتة وقريبة، على حساب مجتمعنا، وعلى حساب مستقبلنا، وعلى حساب سمعة بلدنا، وقبل كل شيء على حساب هؤلاء المساكين الضحايا.

إنها عبودية جديدة، ورق متحضر، وإذلال للبشر، كل ذلك من أجل مصالح حفنة من المتنفيذين، والأنانيين، وأصحاب المصالح الشخصية.

وصحيح أن هناك قوانين تعاقب من يفعل ذلك، وتجرِّمه، وهي عقوبات رادعة، إلا أننا بحاجة إلى مراقبة هذه القوانين، وتفعيلها، وتنفيذها على الكبير قبل الصغير! حتى لا يعربد في بلدنا، وفي عباد الله مثل هذه المجموعة التي نسيت دينها وإنسانيتها، وماتت فطرتها، وأصبح الواحد منهم قاسي القلب، غليظ الكبد، جافي الطباع، لا تفرق بينه وبين الجلمود من الصخر!

إن الحديث عن هذه الأمور بهذا الوضوح ليس من أجل تشويه صورة وسمعة بلدنا، كما يقول البعض! بل إن الذين يسكتون عن مثل هذه الظواهر السلبية، والحوادث الأليمة هم في الحقيقة الذين يشوهون صورة وسمعة البلد، فإذا عرفنا الحقيقة بواقعيتها، وتشخيصها، وتفاصيلها، وصارت هناك يقظة في النفوس، ووعي عند كل إنسان مهما كانت مسؤوليته، بدأ التحرك العام للتعريف بحقيقة هؤلاء الكفلاء، ولكي نصحح مسيرة هؤلاء الناس، فلا يجوز لبلد مثل الكويت يشهد له الجميع من المحيط إلى الخليج، بل العالم الغربي بعطاءاته، وخيراته، وصدقاته، ومؤسسات الخيرية التي تضخ ليلاً ونهاراً بالملايين، ومراكزه التعليمية، والتنموية، أقول: لا يحق ولا يجور ولا ينبغي لمجموعة شاذة أن تأتي، وتلتف على القانون، وعلى ضميرها، وتوقعنا بهذا الجحيم، وبهذه المظالم.

لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً     فالظلم ترجع عقباه إلى الندم

تنام عينك والمظلوم منتبه        يدعو عليك وعين الله لم تنم

وخير من ذلك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى