بيني وبينكم 2006

بينى وبينكم 2006 الحلقة السادسة والعشرون من وحي القبور ج 2

من وحي القبور ج2

وها هنا مسألة مهمة لا بد من التنبيه عليها، ولفت النظر إليها:

فمعلوم أن زيارة القبور مشروعة للاعتبار، والاتعاظ، وللدعاء للموتى، ولكن أخطر ما في الأمر أن يُتَوَسع في هذه القضية، ثم تفرع على هذا التوسع التفريعات، إلى أن تنتهي بأن تصبح المسألة قد تحولت إلى شيء آخر، فتتراكم وتجتمع، ثم تكون فلكلورًا شعبيًّا معينًا، ليس له علاقة بالدين، بل موروث تدخل فيه الأمية، والجهل، والاضطرابات النفسية، وربما الاستثمار السياسي أحياناً، إلخ…!

وأضرب مثلاً على ذلك:

وأنا في مرحلة المتوسطة، خرجنا في رحلة إلى جزيرة فيلكا، مع مجموعة من شباب المركز الصيفي، وفي جزيرة فيلكا كان يوجد ما يسمّى بمقام الخضر!! وهو ضريح وهمي، وعليه قبة خضراء كبيرة، فقالوا لنا: قبل أن تذهبوا للسباحة يجب أن تزوروا الضريح! فذهبنا إلى الضريح، فوجدنا امرأة كبيرة في السن، عندها خيوط خضراء، فربطوا هذه الخيوط على رؤوسنا، وأيدينا، ورمينا بعض الأموال القليلة عند الضريح، ثم أخذنا ندور حول قطعة إسمنتية على أنها قبر الخضر!!

ثم ذهبت الأيام إلى أن جاء اليوم الذي هُدم فيه هذا الضريح الوهمي، فاجتمع بعض الناس وقالوا: كيف تهدمون ضريح هذا الولي؟! وبدأوا يخوفون الناس بأن من فعل ذلك سوف تصيبه مصيبة، وسوف تأتيه صاعقة، وسوف يبتلى ببلاء عظيم!! وكل ذلك كذب ودجل على عباد الله تعالى، ولكنها القداسة المزيفة، والوهم الضائع، ونفسية الانسحاب، والانبهار بهذه الطقوس التي عمت العالم الإسلامي أجمع.

ومثال آخر: فقبل أحداث ١١ سبتمبر بسنة أو بسنتين ذهبت إلى القاهرة بدعوة من اتحاد الطلبة في الإسكندرية، وبعد نهاية الزيارة والمقصود منها، قلت: أريد أن أذهب لأرى معالم الإسكندرية، فذهبتُ إلى مسجد المرسي أبو العباس، ورسالتي الماجستير كانت في التصوف الفلسفي، والفكر الغنوصي، ودور الاستشراق في دراسة هذا الفكر، ونظرية وحدة الوجود، فأردت أن أتعرف على هذا التراث، فلما ذهبت إلى مسجد المرسي أبو العباس، وجدت ضريحاً داخل المسجد هناك، وإذا ببعض النساء يجلسن وراء قاطع خشبي عازل، وبيد كل منهن مسبحة تسبح بها، فرأيت بعض المظاهر التي لم تعجبني، والتي تدخل في دائرة البدع، فلما خرجت من باب المسجد، وجدت رجلًا فاضلًا، تبين لي أنه ملاحظ في المسجد، فقلت له: يا سيدي هل يجوز ونحن أمة تقرأ القرآن، وتقرأ قوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فاني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان}، أن نتوجه إلى القبر، ونطلب منها مباشرة؟ فقال: إن صاحب القبر هو الذي يحتاج إليك بأن تدعو له، وليس أنت تطلب منه أن يلبي حوائجك! فقلت له: والناس هؤلاء لماذا يفعلون هذا الشيء؟ فقال: يا ابني، العوام لا حكم لهم. وبينما نحن نتحدث في هذه الأمور، دخلت امرأة عجوز، قد ربطت منديلًا على رأسها، وبيدها إبريق، فلما وصلت إلى منتصف المسجد، وإذا بصوتها العالي يأتي من الداخل تقول: مدد يا مرسي!! فقلت له: ما هذا؟ فقال: ألم أقل لك إن العوام لا حكم لهم، فماذا نصنع بهم؟!

هذه حوادث لا زلت أذكرها، وكنت أتمنى أن أزور مشاهد أكثر، وأن أقترب منها أكثر، وأمسك الدفتر، وأرصد رصداً علمياً لكي أدرس هذه الظاهرة، وهي ظاهرة التوسل بالأموات، والتكالب على الأضرحة، والتمسح بها، وأكل تراب بعضها كما في بعض البلدان!!

وهي ظاهرة ندرسها في البعد النفسي، والجانب التربوي، والجانب السياسي، والجانب الاقتصادي، وقبل كل شيء في الجانب الشرعي العقدي الإيماني، وكلها تدخل في دائرة التراجع الحضاري الذي تلحظه الأمة، فالغرب يأخذ بالأسباب، ويخطط، ويبذل الجهود من أجل الانتصار، أما نحن فبسبب اليأس العام من أنظمتنا، ومن العالم أجمع، بدأ كثير من الناس يلجأ إلى ما لا يصلح أن يلجؤون إليه، ألا وهو الاستغاثة بالأموات، وطلب الحاجات وقضائها من الذين واراهم التراب.

إننا ننظر إلى هؤلاء بنزعة الحب والشفقة بأن تصل البدع والتخريفات بالناس إلى هذا الحد، بل إلى درجة أنني ذهبت لزيارة جبل أُحد في المدينة المنورة، وقبور الشهداء هناك، فأطلعتني هيئة المراقبة الشرعية برسالة من الرسائل التي يرمي بها الناس عند قبور شهداء أحد للطلب منهم، فكان مفاد هذه الرسالة أن صاحبها مقبل على رسالة دكتوراه، فيرجو منهم مساعدته في الحصول على تقدير امتياز!! رجل يقدّم دكتوراه وهو إلى الآن مأسور لهذه الخرافات!!

أعجبني الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالى حين عقد في كتابه: “عقيدة المسلم” فصلاً بعنوان: توحيد العامة وما يعلوه من غبار، وأبان حزنه لما يحصل عند الأضرحة، والقبور، فقال: إن التوحيد في الإسلام حقيقة، وعنوان، وساحة، وأركان، وباعث، وهدف، ومبدأ، ونهاية ثم قال: ولسنا كذلك ممن يحب تصيد التهم للناس، ورميهم بالشرك جزافاً، واستباحة حقوقهم ظلماً، وعدواناً؛ ولكننا أمام تصرفات توجب علينا النظر الطويل، والنصح الخالص، والمصارحة بتعاليم الكتاب، والسنة، كما وُجِد لدفع عنها أي أدنى انحراف.

ويقول: لما جاء الإنجليز، وهمّت حكومة إنجلترا في سبيل مكافحة الشيوعية بالحالة الدينية في مصر، فكان مما طمأنها على إيمان الناس هناك أن ثلاثة ملايين مسلم زاروا ضريح أحمد البدوي بطنطا هذا العام! والذين زاروا الصريح ليسوا مجهولين لدي، يقول الشيخ الغزالي: فطالما أُوفِدت رسمياً لوعظهم، فكنت أشهد من أعمالهم ما يستدعي الجلد بالسياط ،لا ما يستدعي الزجر بالكلام، وكثرتهم الصاعقة لا تعرف عن فضائل الإسلام، وأنظمته، وآدابه شيئاً، ولو دُعوا لواجب ديني صحيح لفروا نافرين، وإن كانوا أسرع إلى الخرافة من الفراش إلى النار، وحسبك من معرفة حالهم أنهم جاؤوا للضريح المذكور للوفاء بالندور، والابتهال بالدعاء.

ويمضي الشيخ محمد الغزالي فيقول: ومع كثرة الدلائل التي انتصبت في الإسلام دون الوقوع في هذه المحظورات، فقد أقبل المسلمون على بناء المساجد فوق قبور الصالحين، وتنافسوا في تشييد الأضرحة، حتى أصبحت تُبنى على أسماء لا مسمّيات لها، بل قد بُنيت على ألواح الخشب، وجثث الحيوانات!!

ثم يقول: ولماذا نستحي من وصف القبوريين بالشرك؟ مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم وصف المرائين به فقال: (الرياء شرك).

إلى أن قال: لست ممن يدعو إلى هدم هذه الأضرحة من أجل إقامة فتنة عمياء؛ ولكن أدعو لتقويم العقيدة، والسلوك…، إلخ.

وهذا المنفلوطي في كتاب “النظرات”، يذكر أن أحد علماء الهند بعث له رسالة أنه اطلع على كتاب موضوعه: تاريخ حياة السيد عبد القادر الجيلاني وذكر فضائله وكراماته، فرأى فيه من بين الصفات والألقاب التي وصف بها السيد عبد القادر ولقبه بها صفات وألقابًا هي أجدر بمقام الألوهية منها بمقام النبوة، فضلًا عن مقام الولاية، كقوله: سيد السموات والأرض، والنفاع الضرار، والمتصرف في الأكوان، والمطلع على أسرار الخليقة، ومحيي الموتى، ومبرئ الأعمى والأبرص والأكمه، وأمره من أمر الله، وماحي الذنوب، ودافع البلاء، والرافع الواضع، وصاحب الشريعة، وصاحب الوجود التام، إلى كثير من أمثال هذه النعوت والألقاب.

وهذا تيمورلنك، طاغية من طغاة أواخر القرن الثامن الهجري، يقول عنه المؤرخ ابن العماد في كتابه: “شذرات الذهب في أخبار من ذهب”: أفتى جمع جم بكفره مع أن شعائر الإسلام في بلاده ظاهرة، إلى أن قال: وتُقصد تربته بالنذور للتبرك من البلاد البعيدة – لا تقبّل الله ممن يفعل ذلك -، وإذا مرّ على هذه المدرسة أمير أو جليل خضع ونزل عن فرسه إجلالًا لقبره، لما له في صدورهم من الهيبة.

فانظر  إلى الناس كيف يكونون أسرى للإيحاء!

ولذلك قال حافظ إبراهيم الشاعر الكبير:

أحياؤنا لا يُرزقون بدرهمٍ
من لي بحظ النائمين بحفرةٍ
يسعى الأنام لها ويجري حولها
ويُقال:هذاالقطب باب المصطفى
وبألف ألفٍ يُرزق الأموات
قامت على أحجارها الصلوات
بحر النذور وتُقرأ الآيات
ووسيلةٌ تُقضى بها الحاجات

والخلاصة في هذا الموضوع باختصار لتخليص هذا الدين من هذه الشوائب ما ورد في حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه حيث يقول لأبي الهياج: أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تدع قبراً إلا سويته، ولا تمثالًا إلا طمسته.

نقول للجميع: إن الإسلام حكم على سلوك الناس، وبدعهم، فلا تُحمّلوا الإسلام ما لا يحتمل، وهذبوه، وخلصوه، وانظروا لهؤلاء المبتلين بهذه البدع والخرافات نظرة الشفقة، فهم مسلمون نحبهم، ونحب لهم الخير، ونرفق بهم، ونأخذ بأيديهم، من أجل إنقاذهم، وتحسين صورة الدين.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى