بيني وبينكم 2006

بينى وبينكم 2006 الحلقة العشرون مشاهد من اليوم الاخر ج 2

مشاهد من اليوم الآخر ج2

ومن هذه المشاهد المذهلة ليوم القيامة:

مشاهد التخاصم في النار!! فأهل النار يتخاصمون فيها، ولكن: لماذا هذا التخاصم؟

القرآن الكريم يسرد علينا مخاصمة الضعفاء والأتباع والعبيد، للسادة، والملوك، والأمراء، وشيوخ العشائر، ورؤساء الأحزاب، وزعماء التكتلات، فدائماً هناك قيادات، وجماهير، وهذه القيادات تستذل الجماهير، أو تضلل الجماهير، والمشكلة أن هذا الجمهور المستضعف نفسه يساهم في شد أزر هذا الطاغوت، أو هذا الرمز الفاسد، والضال، ويعينه على باطله بالنفس، والمال، والشعارات، والصوت العالي،  وهذه مصيبة المصائب.

يقول الله تبارك وتعالى: {وبرزوا لله جميعاً فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص}.

يا له من مشهد عظيم مخيف، {وبرزوا لله جميعاً}، الطغاة، المكذبون، والزعماء، والقيادات، برزوا لله جميعاً هم وأتباعهم الضالون، ومعهم الشياطين، كلهم في الساحة العامة، في محكمة العدل الإلهية، كلهم مكشوفون، وهم كانوا من قبل مكشوفين؛ ولكنهم كانوا غافلين عن هذا الانكشاف، وعن مراعاة الله تعالى، وعن مراقبة الحق الذي وسعت رحمته كل شيء، ووسع علمه كل شيء؛ فكانوا في غفلة سادرين، وانكشفوا الآن، وصاروا أمام الحقيقة، عندها يبدأ الخصام، {وبرزوا لله جميعاً فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً}، أي: أننا كنا وراكم في الباطل، وفي التزوير، وفي المناداة على الشر، كنا خاتمًا في أصابعكم، وأحذية بأرجلكم، {كنّا لكم تبعاً}، فماذا يريدون من هؤلاء الكبراء؟ قالوا: {فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء}!!، أي: تنقذوننا من هذا العذاب، وتدفعون عنا شيئًا منه، كما كنتم تعدوننا وتمنوننا؟! فماذا قال الكبراء والمستكبرون؟ قالوا: {لو هدانا الله لهديناكم}! الآن فقط يعترفون بهداية من كفروا به، وأنكروا عبادته، وتمردوا على دينه، وآذوا أهل الحق، وأهل الخير، ونشروا الرذيلة، الآن يؤمنون أنه: لو هدانا الله لهديناكم، ثم يعترفون بالحقيقة: {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص}، أي: ليس لنا خلاص مما نحن فيه، إن صبرنا عليه، أو جزعنا منه، فلا ولاية، ولا نُصرة، ولا صلة، بيننا وبينكم، فهو وعد من الله سبحانه وتعالى.

يا له من موقف مهين.

وهي رسالة لكل إنسان يتبع رمزًا، أو طائفة، أو جماعة، أو ظالمًا، أو غير ذلك، ولم تكن له شخصية، ورأي معهم، بأنه لن يحميك اعتذارك أنك ضعيف، وأن ذلك المتكبر هو الذي أضلني! فهذه ليست حجة، بل هذه جريمة، فإن لك عقلًا يميز، وإرادة تختار، والله خلقك إنسانًا واعيًا، ولم يخلقك إنسانًا مغفلًا حتى تحتج بهذه الحجة الواهية، بل أنت عندك قابلية اللإنسانية، والاستسلام للرذيلة، والجري وراء هؤلاء، بل إن بعض هؤلاء الأتباع هو الذي كان يتطوع من تلقاء نفسه، ويتزلف، وينافق لهذا الرئيس، أو ذلك الحزب! بكل اختيار ورغبة، لا رهبة وإجبار!

فكل إنسان يسلم عقله لزعيم، أياً كانت هذه الزعامة، فالنتيجة الحتمية لهذه التبعية الذليلة هي التخلص منه، والتبرؤ منه، {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا مالنا من محيص}، فلا تعول على الرياسة، فلن يحمل أحد أوزار أحد، بل الكل سيقف مكشوفًا أمام الواحد القهار، وسيحاسبون جميعاً، ويُأخذون جميعًا، فقد قضي الأمر، وسكت الحوار، وانتهى الجدل، وجاء المصير الأخروي.

عند ذلك يبرز إبليس، ويأتي هذا الشيطان اللعين لكي يدخل على مسرح الحوار، ويخاطب الجميع: المستكبرين، والمستضعفين، فيقول: {وقال الشيطان لما قُضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتموني من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم}!

حقاً إنه كلام شيطاني، فمع أنه زيّن لهم الكفر، والضلال، ووعدهم ومنّاهم، فها هو اليوم قد جاء ليطعنهم، ويضعهم أمام الحقيقة المرة: {إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم}، ثم يلقي عليهم حقيقة أخرى في مزيد من الإذلال: {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي}! أي: ما كان لي عليكم فيما دعوتكم إليه من دليل ولا حجة على صدق ما وعدتكم به، فأنا لم أمسك أحدًا بيده، وأدخله في الرذيلة، والكبائر، والمعاصي! بل أنت من استجبت للإغراءات، والشهوات، مع أنه كانت لك حرية، وإرادة، فأنت مسؤول عن سلوكك، وعن حريتك، وعن إرادتك، {فلا تلوموني}، اليوم، {ولوموا أنفسكم}، فإن الذنب لكم، لكونكم خالفتم الحجج واتبعتموني بمجرد ما دعوتكم إلى الباطل، {ما أنا بمصرخكم}، أي: بنافعكم ومنقذكم ومخلصكم مما أنتم فيه، {وما أنتم بمصرخي}، أي: بنافعي بإنقاذي مما أنا فيه من العذاب والنكال، {إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم}.

ويسدل الستار على هذه النهاية المأساوية لكلا الطرفين.

 

 

ومشهد آخر:

شبيه بالمشهد السابق، ومؤيد له:

يقول الله تبارك وتعالى فيه: {هذا وإن للطاغين لشر مئاب}، وهم: الخارجون عن طاعة الله تعالى، المخالفون لرسل الله عز وجل، لهم شر مئاب، أي: لسوء منقلب ومرجع. ثم فسره بقوله: {جهنم يصلونها فبئس المهاد}، أي: يدخلونها فتغمرهم من جميع جوانبهم، {هذا فليذوقوه حميم وغساق}، أما الحميم فهو: الحار الذي قد انتهى حره، وأما الغساق فهو: ضده، وهو البارد الذي لا يستطاع من شدة برده المؤلم، ولهذا قال: {وآخر من شكله أزواج}، أي: وأشياء من هذا القبيل، الشيء وضده، يعاقبون بها.

ثم قال: {هذا فوج مقتحم معكم لا مرحباً بهم}، هذا إخبار عن قيل أهل النار بعضهم لبعض، كما قال تعالى: {كلما دخلت أمة لعنت أختها}، فبدل السلام يتلاعنون، ويتكاذبون، ويكفر بعضهم ببعض، فتقول الطائفة التي تدخل قبل الأخرى إذا أقبلت التي بعدها مع الخزنة من الزبانية: {هذا فوج مقتحم}، أي: داخل معكم، {لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار}! فيرد الفوج المقتحم، فماذا يقول؟ {قالوا بل أنتم لا مرحباً بكم أنتم قدمتموه لنا}، أي: أنتم دعوتمونا إلى ما أفضى بنا إلى هذا المصير، {فبئس القرار}، أي: فبئس المنزل والمستقر والمصير. فيجيبهم الأتباع: {قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذاباً ضعفاً في النار}! أرأيتم كيف يطلب أهل النار زيادة العذاب بعضهم لبعض؟!!

ثم يأتي هذا المشهد: فيقول أهل النار من الظلمة والفسقة والكفرة، {وقالوا مالنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار}، أي: أنهم يفقدون رجالًا كانوا يعتقدون أنهم على الضلالة مثلهم؛ لأن معاييرهم غريبة عجيبة، فالصالح عندهم شرير، والمصلي يضيع وقته،، والمحجبة المحتشمة، متخلفة رجعية!! ثم يقولون:{اتخذناهم سخرياً أم زاغت عنهم الأبصار}، فأين هم؟ نحن كنا نسخر منهم في الدنيا، فأين هم الآن لا نراهم هنا؟! فلعلهم معنا في جهنم، ولكن لم يقع بصرنا عليهم!! ثم يقول الله تبارك وتعالى: {إن ذلك لحق تخاصم أهل النار}.

وهناك خصومة غريبة، لا تخطر على بال، ألا وهي: تخاصم أعضاء الإنسان بعضها مع بعض!! وكيف ذلك؟

يقول الله تبارك وتعالى: {ويوم يُحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون}، أي: تجمع الزبانية أولهم على آخرهم، {حتى إذا ما جاؤوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون}، فالسمع، والأبصار، والجلود، كلها تشهد عليهم، أي: بأعمالهم مما قدموه وأخروه، لا يكتم منه حرف. {وقالوا لجلودهم لما شهدتم علينا}، أي: أنهم لاموا أعضاءهم وجلودهم حين شهدت عليهم، فعند ذلك أجابتهم الأعضاء: {قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه تُرجعون}.

ولذلك فالرسول صلى الله عليه وسلم يذكرنا بأن هذا الإنكار خطير، حيث يقول في الحديث العظيم: (يلقى العبد ربه فيقول الله: ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى، قال: فيقول: أفظننتَ أنك ملاقيّ؟ فيقول: لا، فيقول الله تعالى: فإني أنساك كما نسيتني)!.

وفي الحديث الآخر: عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وتبسم، فقال: ألا تسألوني عن أي شيء ضحكت؟، قالوا: يا رسول الله من أي شيء ضحكت؟ قال: عجبت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة، يقول: أي ربي، أليس وعدتني ألا تظلمني؟ قال: بلى. فيقول: فإني لا أقبل عليّ شاهدًا إلا من نفسي. فيقول الله تبارك وتعالى: أو ليس كفى بي شهيدًا، وبالملائكة الكرام الكاتبين؟! قال: فيردد هذا الكلام مرارا. قال: فيختم على فيه، وتتكلم أركانه بما كان يعمل، فيقول: بُعدًا لَكُنَّ وسحقًا، عنكُنَّ كنت أجادل!

إنها مواقف غريبة في اليوم الآخر…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى