بيني وبينكم 2009

بينى وبينكم 2009 الحلقة الحادية والعشرون النمل ج 1 ( فصل البيان في نملة سيدنا سليمان)

 (فصل البيان فى نملة سيدنا سليمان)

 

قلتُ:

هل يمكن من خلال قراءة الآية:{قالت نملة} تحديد نوع النملة، أم أن هذا سؤال عن الغيب وهو من العبث؟

فقال:

ليس سؤالاً غيبياً، ولا عبثياً، بل يمكن من خلال اللغة تحديد أمرين:

الأول: معرفة جنس النملة.

الثاني: معرفة مركزها.

أما جنسها: فقوله تعالى: {قالت نملة}: أي تكلمت نملة، نعم تكلمت حقيقة، وهذا ليس مستبعداً على الله تعالى أن يجعل للنمل نطقاً، ويجعل له حديثاً، وقد سئل قتادة: ما هي النملة التي كلمت نبي الله سليمان؟ فلم يعرف الإجابة، لكن الإمام أبا حنيفة النعمان عندما سئل هذا السؤال؟ قال: إنها الملكة! وقال: إن النملة التي تكلمت كانت أنثى!

فمن أين عرفتَ ذلك يا إمام؟ قال: من أمرين: من قوله تعالى: {قالت نملة}، أي تاء التأنيث في قالت، ثم من قوله تعالى عن سليمان عليه السلام: {فتبسم ضاحكاً من قولها}، فهي أنثى يقيناً، وقال الإمام أبو حنيفة: لو كان المتكلِّم ذكراً، هل يصح لغة أن نقول: قال نملة؟

والجواب: نعم يصح ذلك؛ لأن لفظ النملة يقع على كل من الذكر والأنثى، كوقوع لفظ الشاه على كل من النعجة والكبش، فالكبش يقال له: شاه، والنعجة يقال لها: شاه كذلك.

وأما مركز هذه النملة ومكانتها: فمملكة النمل ليس فيها إلا أنثى واحدة! فقد تكون مستعمرة النمل تحتوي على مليون من الذكور، وفيها الملكة وهي الأنثى، فالأنثى الوحيدة الموجودة في مملكة النمل كانت الملكة، وهذا منطقي أن الملكة هي التي لها الحق أن تأمر وتنهى: {ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون}.

قلتُ:

هل كانت هذه النملة بليغة ذكية في كلامها هذا؟

 

 

فقال:

نرجع للنص الإلهي: {حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون}، عند تحليل مقولة النملة هذه، فإنك تجدها في غاية البلاغة!

ففي هذه العبارة المختصرة عشرة من ألوان البديع اللغوي، والبديع في اللغة: هو علم تحسين الكلام، هذه الألوان هي:

يا (نادت)، أيها (نبّهت)، النمل (خاطبت(، ادخلوا (أمرت)، مساكنكم (نصّت(، لا يحطمنكم (حذّرت)، سليمان (خصّصت(، وجنوده (عمّمت(، وهم (أشارت)، ﻻ يشعرون (اعتذرت).

قلتُ:

يا لبلاغة هذه النملة!

ولكن يا دكتور نحن نقف أمام تحدٍّ من أولئك الماديين الذين لا يصدقون بالغيبيات، يقولون: أنتم تخلطون! فهذه حيوانات لها أصوات، ولكن أن تجعل من الصوت كلاماً، فهذا تحكم! والتحكم قول بلا دليل!

فكيف نثبت لهم ذلك بالدليل؟ نحن مؤمنون بالقرآن، ولكننا في المقابل نخاطب أقواماً ربما يشغّبون علينا؟

فقال:

لا مشاغبة، ولا غيرها، فالقوم ليس لديهم أي ذريعة لهذا، لماذا؟

الفصل بيننا وبينهم هو العالم النمساوي لورانس، عالم النمل، الذي درس النمل أربعين سنة!! وأثبت بالدليل العلمي القاطع أن النمل يتكلم حقيقة، ولهم لغتهم الخاصة بهم.

والحقيقة أن النمل لا يتكلم فحسب، بل إنه يتكلم ثلاث لغات!! هي:

اللغة الميكانيكية، واللغة الكيميائية، واللغة الإشارية.

أما اللغة الأولى وهي اللغة الميكانيكية: فالمقصود بها الصوتية، ككلامنا، أي جُمل مفيدة، وكلام مفهوم.

قلتُ:

هل النحل أكثر عبقرية وقرباً من الإنسان في خليته ومنظومته الحياتية، أم النمل؟

فقال:

بل النمل؛ لأن النمل أعقل، وأذكى، وأقرب سلوكاً لمجتمعنا، وليس النحل.

وأما اللغة الكيميائية: فهي لغة الروائح، ويطلق عليها الفرمونات، فلكل رائحة دلالة، وهي عبارة عن جملة مفيدة، تفهمها النملة علمياً، وتطلقها من غدد قد تكون في الفم، وقد تكون قادمة من الشرج، وتختلط بذرّات الهواء، فتأتي النملة بقرون الاستشعار، وتفهم الرسالة فوراً، فقرنا الاستشعار بالنسبة للنملة هما عبارة عن الأنف بالنسبة للكلب البوليسي، والعصى بالنسبة للأعمى، لأن النمل لا يعيش طوال عمره على سطح الأرض في ظلام دامس.

أما اللغة الثالثة: فهي اللغة الإشارية، فهل رأيت خيطاً نملياً صاعداً، وآخر هابطاً؟! فالنملة الصاعدة تلتقي بأختها الهابطة، وتقوم بحك قرن استشعارها بقرن استشعار النملة الأخرى في جزء من 100 جزء من الثانية!! وتكون قد قالت لها شيئاً باللغة الإشارية.

قلتُ:

تساءل بعض العلماء: أين الإعجاز في الآية؟ هل هو في كلام النملة؟ أم في فهم واستقبال سليمان عليه السلام؟ ولماذا؟

فقال:

من المؤكد أن الإعجاز ليس في كلام النملة! لأن النمل جميعه يتكلم، فهذه ليست خصيصة لهذه النملة التي كلمت سيدنا سليمان، فليس في ذلك معجزة، ولكن المعجزة الحقيقية في سيدنا سليمان، وهي في ثلاثة أمور:

الأول: أنه سمع. الثاني: أنه فهم. الثالث: أنه استجاب.

فسيدنا سليمان عليه السلام سمع كلام النملة، ومن الممكن أن يكون قد سمع، ولكنه لم يفهم، ومن الممكن كذلك أن يكون قد فهم لكنه لم يستجب، ولكن نبي الله سليمان سمع، وفهم، واستجاب، وقد استجاب بثلاثة أشياء: التبسم، والقول، والضحك

قلتُ:

هناك لفتة نود أن تشير إليها وهي: أن التي كلمت سليمان عليه السلام نملة، ولكن السورة لم تسمّ سورة النملة، بل سمّيت سورة النمل، فما الحكمة في ذلك.

فقال:

كان لا بد من تسميتها بسورة النمل لأسباب عديدة، وجوهرية، منها:

أولاً: أن النملة هذه ليست نملة خاصة كما قلنا، فكان من الممكن أن تقوم أي نملة أخرى بالدور نفسه، فهذه ليست كسورة البقرة فالبقرة خاصة، وهي بقرة بني إسرائيل، وليست مثل سورة الفيل، حيث كان فيل أبرهة، وهو فيل خاص، أما هنا فإن ما قالته هذه النملة كان من الممكن أن تقوم به أي نملة أخرى.

ثانياً: أن النمل عبارة عن كائن اجتماعي، مثل النحل، فهذه مخلوقات اجتماعية، فلو أخذتَ نملة، وعزلتها عن أخواتها، ووفّرتً لها ما تشاء من أحب الأشياء لها كالسكر والعسل، ووفرتَ لها الأمان، والإضاءة التي تريدها، ودرجة الحرارة التي تناسبها، والبيئة الخاصة بها، فإنك لو جئتها بعد أسبوع من هذا العزل فستجدها قد ماتت!

ولو فعلتَ ذلك مع إنسان، فحبسته في غرفة، ومنعت عنه الإضاءة، ورؤية الليل والنهار، والزمن، ثم جئته بعد ثلاثة أسابيع تماماً، فستجده قد فقد توازنه، فلو تركته كذلك شهراً، أو شهراً ونصف، فإنه سيدخل في مرحلة الجنون، ولذلك كان لا بد أن تسمّى هذه السورة بسورة النمل.

قلتُ:

قرأتُ أن عدي بن حاتم الطائي كان يفت الخبز للنمل، فلما يسأل عن ذلك؟ يقول: إنه جار لنا، ولا بد من إكرام الجار!! وهذا يشير إلى قضية الرحمة بالحيوانات، وليس كمن يقتل هذه الحيوانات ومنها النمل بلا أي مبرر.

فقال:

أنت تتكلم عن احترام النمل، ورحمته، وقد ورد في ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلنا منزلاً فيه قرية نمل قد أحرقناها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يعذب بها أحد إلا الله تعالى وعز، فإنه لا يعذب بالنار إلا خالقها».

وهذه رسالة للبشرية جمعاء، بأن هذا الفعل حرام، فإذا كان هذا حراماً في عالم النمل، فإنه أكثر حرمة في عالم الإنسان.

ثم إن النمل أمّة، وهي أمّة تسبّح، فلو لم يكن له وظيفة في هذه الحياة إلا تسبيح الله سبحانه وتعالى لكفى ذلك دليل على عدم قتلها.

وأما ما يعرف بالنملة البيضاء فيجوز قتلها؛ لأنها مؤذية حقًّا، وتسمي بالقرضة دابة الأرض.

قلتُ:

الإمام الدميري الشافعي في كتابه: حياة الحيوان الكبرى، يقول: وأما قتل النمل، فمذهبنا لا يجوز، لحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم «نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة والنخلة والهدهد والصرد». قال: والمراد النمل الكبير، وأما النمل الصغير المسمى بالذر فقتله جائز، وكره مالك رحمه الله قتل النمل، إلا أن يضر، ولا يقدر على دفعه إلا بالقتل.

دعنا ننتقل إلى نقطة أخرى في هذا الموضوع، فأنت قلتَ: إن النمل أمّة، فبما أن النمل أمّة، فهل نستطيع أن نقول: إن لديه أخلاقيات، ولديه منظومة قيمية؟

فقال:

من ناحية المنظومة القيمية فالنمل لديه منظومة قيمية عظيمة، ومن تلك القيم: الاتحاد، والنظام، والعمل، والدقة، وتحمل المسؤولية والتعاون، والتكافل، واحترام ملكية الغير، واحترام كل ما يتعلق بالغير، والكرم، والصدق في القول، وعدم الأنانية، والنخوة، والمروءة، والشهامة، والتضحية، ومبدأ النملة عليّ وعلى أعدائي، والتفاني، وإنكار الذات.

فلو بدأنا بقيمة الكرم: فالخالق العظيم سبحانه وتعالى خلق في هذه النملة كيساً، هذا الكيس بعد المعدة، ومن الممكن تسميته بالنسبة للوظيفة التي يقوم بها، أو المهام التي يؤديها: كيس الإحسان! ففيه أطايب الطعام! فبعد أن تأكل النملة الأشياء التي استطعمتها، وتلذذت بها، فإنها تخزنها في هذا الكيس، وهذا الكيس مطاطي بشكل عجيب، فتجد أنه في الوضع العادي هو أربع أخماس حجم المعدة، علماً أنه ليس له علاقة بالمعدة، ولا يوجد فيه أي خلايا هضمية، ولكنه عندما يتمدد يصبح بحجم المعدة عشر مرات!! أي أنه مخزن، وهذا ليس عجيباً، فالمرأة بعد الحمل يكون حجم رحمها أربعين ضعفاً عما كان عليه قبل الحمل!!

وبخصوص صفة الكرم فإن النملة عندما تقابل أختها النملة، سواءً كانت هذه النملة عدوة أو حبيبة، فإنها تعطيها من كيس الإحسان هذا، حيث تتحسسها بقرون الاستشعار، فإذا وجدتها جائعة أعطتها من كيس الإحسان، فهي كريمة جداً مع الغير.

وقد تكون بخيلة جداً مع نفسها، فأكثر حيوان عنده إيثار هو النمل، فالنمل مؤثر جداً، ويعطي من كيس الإحسان.

قلتُ:

وماذا عن صفة الصدق في عصر التمويه، والنفاق، والكذب، والنفاق؟

فقال:

النمل لا يعرف نفاقاً، وليس لديه مساوئ أخلاق، ولا شقاق، النمل يصدق القول، وأكثر شيء يكرهه النمل هو الكذب!

مثال تجريبي: قام العالم لورانس بإحضار أكثر شيء يحبه النمل وهو السكر، ووضعه على بعد مترين من الجحر أو المستعمرة، فجاءت النملة المستكشفة التي لديها حاسة شم تفوق حاسة الشم عند الإنسان ستين مرة، وأخذت هذه المادة السكرية التي يحبها النمل، ورجعت إلى الجحر أو العش، إلا أن لورانس قام بأخذ هذه المادة منها وهي راجعة إلى بيت النمل، وكرر هذه العملية مرة ثانية، وفي المرة الثالثة جاء النمل فلم يجدوا شيئاً، فماذا فعلوا؟ غضبوا غضباً شديداً، وهجموا على هذه النملة المستكشفة، ومزقوها تمزيقاً، وقطعوها تقطيعاً، لأنها في عرفهم كاذبة!!

قلتُ:

ذكر الإمام ابن القيم في كتابه شفاء العليل قصة عن أحدهم مشابهة لتجربة العالم لورانس، قال فيها: إن نملة خرجت من بيتها، فصادفت شق – أي نصف – جرادة، فحاولت أن تحمله فلم تطق، فذهبت وجاءت معها بأعوان يحملنه معها، قال الرجل: فرفعتُ ذلك من الأرض، فطافت في مكانه فلم تجده، فانصرفوا وتركوها، قال: فوضعته، فعادت تحاول حمله فلم تقدر، فذهبت وجاءت بهم، فرفعتُه، فطافت فلم تجده، فانصرفوا، قال: فعلتُ ذلك مراراً، فلما كان في المرة الأخرى، استدار النمل حلقة، ووضعوها في وسطها، وقطعوها عضوا عضواً!! قال ابن القيم: قال شيخنا – أي ابن تيمية – وقد حكيتُ له هذه الحكاية، فقال: هذه النمل فطرها الله سبحانه على قبح الكذب، وعقوبة الكذاب!!

وماذا عن عدم الأنانية؟

فقال:

الدليل على صفة عمد الأنانية من تجربة لورانس، أو من قصة الإمام ابن القيم: أن النملة المستكشفة عن الغذاء عرفت غذاء يبعد مثلاً مئة متر، أو مئتان متر عن الخلية أو الجحر أو المستعمرة، فكان من الممكن أن تذهب لوحدها، وتنتهز الفرصة، وتأكل، وتتمتع، ولا تخبر الآخرين بذلك، لكنها ليست أنانية، فهي ترجع إلى المستعمرة، وتقوم بعمل أثر، هو عبارة عن ريح، فتعمل خطاً من الثرمونات ما بين مصدر الغذاء، والجحر أو المستعمرة، وليس هذا فقط، وإنما تملأ بلعومها بما لذ وطاب، وتدخل حيث الحراس يسمحون لها بأنها مشتملة المادة التي تحبها الملكة، وعندما يشمونها يعرفون أنها من أفرادهم، ثم إن الذي يقابلها تضع له في بلعومه، وتعطي له من هذا الغذاء، وتدور من ثلاث إلى ست دورات داخل الخلية لتخبرهم أنه يوجد أكل، وبعدها تجد الجميع خارج من هذا العش أو الجحر أو المستعمرة، وتتصدرهم النملة المستكشفة، خلفها طابور طويل يمشي وراءها!

أما النخوة، والمروءة، والشهامة في النمل، فهناك نمل اسمه النمل الجامع للأوراق، يمضغها، ويعمل منها معجوناً، ويعِدّ نوعاً من الفطر اسمه عش الغراب يعيش عليه؛ لأنه يحبه جداً.

هذه النملة القاطعة للأوراق وهي راجع إلى المستعمرة تكون حاملة أضعاف أضعاف وزنها، فينتظرها الذباب الانتهازي، ويقعد لها بالمرصاد، فإذا وصلت، يقوم هذا الذباب الانتهازي بوضع بيضة له على رأس هذه النملة، والنملة مسكينة لا تستطيع الدفاع عن نفسها؛ لأنها مشغولة بالحمل الذي تحمله، وبعد يومين أو ثلاثة يفقس هذا البيض إلى يرقات، فتقوم اليرقة بتكسير دماغ النملة، ومص مخها!!

وهناك نوع من النمل عنده نخوة، فعندما يشاهد هذا المنظر، فإنه لا يعجبه، فيقول: أنا له، فينتظر النملة حتى تقطع الأوراق، ويجلس على الورقة، وينتظر الذباب الانتهازي، ثم يدخل معه في معارك طاحنة، فيفوز بنسبة 80 في المئة.

قلتُ:

هل نستطيع أن نقول: إن هذا الفعل من باب أن النملة تعلمت هذا السلوك التنظيمي من التجربة والخطأ، كما يقول ذلك الماديون؟!

فقال:

يستحيل ذلك؛ لأن كل جيل من أجيال النمل تجد فيه متطوعات بهذا الشكل، وهذا إلهام من خالق النمل، وخالق كل شيء.

قلتُ:

وما هي حكاية عليّ وعلى أعدائي؟

فقال:

النمل في الأصل هو أمّة مسالمة، ولكن في أحيان توضع هذه الأمّة في حصار من نمل آخر أقوى، أو ربما عدو آخر أشد فتكاً، ففي هذه الحالة إذا لم يكن هناك أمل في مخرج، أو فرج، عندئذ يفعل النمل كما نقول: عليّ وعلى أعدائي، فالخالق سبحانه وتعالى حباها بسلاح، وهو سلاح دمار شامل حقيقي، وهو عبارة عن غدة تمتد من الرأس بطول الجسم، فيها سمّ مركز، والمعروف أن النملة لديها ثلاثة أسلحة أساسية هي: الفكّان، والزبان، وهو آلة اللسع، وكيس السم، فإذا حوصرت حصاراً تاماً، ولا مخرج لها، أو أمل، فماذا تفعل؟

تقوم كل نملة بضغط نفسها ضغطة فظيعة، وتقوم بتفجير هذه الغدة، وهي عبارة عن حمض الفورميك، وهو سامّ جداً، يقتل جميع النمل! فصحيح أن النمل يموت بسبب ذلك، ولكن كما يقال: ليس في اليد حيلة، وعليّ وعلى أعدائي.

قلتُ:

هذا أشبه ما يكون بحزام ناسف!

فقال:

نعم، أو إن شئت الدقة فقل: شريطاً ناسفاً؛ لأنه يمتد على طول النملة، من رأسها إلى مؤخرة الجسم.

 

 

قلتُ:

نحن عندما نتكلم عن النمل لا بد من الإشارة إلى أعداد النمل، أو قبائل النمل، أو شرائح النمل.

فقال:

بالتأكيد، فقبائل النمل تبلغ 18 ألف قبيلة!! نحن لا نعرف منها إلا ستة آلاف، وقد دُرِست دراسة شبة كاملة، أما الـ 12 ألف قبيلة الأخرى، فلا أحد يعرف عنها شيئاً، وكل معلوماتنا عن النمل حتى الآن لا يتجاوز 10 في المئة! بعد دراسات جميع العلماء وأبحاثهم.

قلتُ:

دعنا نتكلم عن تفاني النمل؟

فقال:

نعم، فالنمل من النوع المتفاني، فعندما تلتقي الملكة بالذكر، فإنه يخصبها، وهذا الإخصاب لا يكون من الداخل، فكل الحشرات إخصابها خارجي، والمعروف عن مملكة النملة أن فردين من هذه المملكة يمتلك أجنحة، هما: الملكة والذكر، وهذه لحكمة بالغة، فالملكة لها جناحان، والذكر له جناحان، أما الشغالات فلا أجنحة لها، الشاهد أن هذه الملكة تقوم بالطيران، والذكور من ورائها، والذكر الذي يستطيع إخصابها هو الذكر الأقوى، والأليق، ولكنه في المقابل ﻻ بد أن يدفع ثمن ذلك، ألا وهو حياته!! لماذا؟ لتطاوله على شرف الملكة، وبعد أن يتم الإخصاب تنزل الملكة، وتبحث عن مكان مناسب، وتحبس نفسها فيه من ثلاثة أسابيع إلى شهرين أو ثلاثة، ثم تبدأ بوضع البيض، وفي هذه الحالة لا تأكل ولا تشرب شيئاً، إلا شيئاً واحداً فقط، هما جناحاها!! لأنها بعد تخصيبها، يسقط عنها جناحاها، فتتغذى عليهما، وبعد أن يفقس البيض الذي وضعته، تتولى هي بنفسها عملية التربية، فتؤسس مستعمرة من جديد، وهذه أصعب فترة ومرحلة على الملكة؛ لأنها اعتادت أن تأمر فتطاع، فالنمل والنحل مجتمع ديموقراطي عجيب، فيه الملكة متوّجة، تأمر فتطاع، وفيه الشغالات العاملات، وفيه الذكور وهم قلة، وهم مساكين أذلة!!

قلتُ:

أي أن الذكر بيته خربان في مملكة النمل؟

فقال:

عالم الحيوان في الأصل هو عالم نساء!!

قلتُ:

وماذا عن صفة إنكار الذات؟

فقال:

لو أن عدواً هجم على قرية النمل، فمن الذي يتصدى له؟

اثنان: العساكر، وهؤلاء تجد أحجامهم كبيرة، وصدورهم واسعة، وأنوفهم بارزة، ورؤوسهم وفكوكهم يابسة.

ثم الشغالات، وتكون أعينهم على الملكة واليرقات الصغيرات، فيأخذونهم خارج الخلية، وإلى مكان أمين، وتحت حراسة مشددة، إلى أن تنتهي المعركة، ثم يدخلونهم بعد ذلك، فلا يفكرون في أنفسهم إطلاقاً، وهذا من إنكار الذات.

قلتُ:

أنت قلتَ: إن النمل لا يكل، ولا يمل، وهو دؤوب، بل جاء في كتب الأدب والأمثال أن كنيته: أبو مشغول!! لكثرة الشغل، والسؤال: هل ينام النمل؟

فقال:

أي مخلوق محتاج أن ينام، بل حتى النبات ينام، والسمك ينام، أما النمل فإنه ينام المدة نفسها التي تنامها الزرافة!! فكلاهما ينام تسع دقائق!!

قلتُ:

نريد أن نبحر في عظمة هذا المخلوق؟

فقال:

الكثير منا لا يتخيل أن للنملة مخًّا، ولكن هذه هي الحقيقة، وحجم مخ النملة يساوي واحد مليمتر مكعب، إلا أنه في غاية الذكاء، فهو يتكون من نصفين كرويين، كمخ الإنسان تماماً، وفيه مراكز عصبية، وفيه خلايا حسية، فهي تسمع، وتبصر، وتشم، وغير ذلك، والنمل ذكي جداً، فهو أذكى الحشرات، بل وأذكى من النحل!! ولها جهاز عصبي مركزي، ومع أن طول النملة يكون أحياناً اثنين مليمتر، إلا أنها تشتمل على كل هذه الأجهزة، وبدقة بالغة، وتوافق تام، وسبحان الله كلما دقت الصنعة، كلما عظم الصانع! فلا يمكن أن تكون الصدفة هي التي فعلت ذلك، فكل شيء بترتيب وحكمة، فقلب النملة مثلاً بجوار مؤخرتها!! فليس شرطاً أن يكون القلب في الصدر كما في الإنسان، ثم إن جسم النملة مقسم إلى ثلاث مناطق: رأس، وصدر، وبطن، وفيها ستة أزواج من الأرجل، تسمع النملة من خلالها، كما أن للنملة مخالب تمكنها من المشي بالمقلوب، مثل البعوضة، ولديها أيضاً الغدد الفكية، ولديها جهاز هضمي في غاية القوة، يحتوي على فم، وبلعوم، ومريء، ومعدة، إلى غير ذلك، فهذه الدقة، وهذا التنظيم، لا يمكن أن يتم بالصدفة أبداً!

 

 

قلتُ:

أريد أن أدخل مدخلاً آخر، فالأديب الكبير عباس محمود العقاد كان في صالونه الأدبي الكبير المعهود يقسم الناس بحسب صفاتهم وطبائعهم، فمثلاً: فلان يسمّيه الجمل، وآخر يسمّيه الثعلب، وثالث يسمّيه الطاووس، بحسب الصفة الغالبة عليه، حتى أن الإمام ابن القيم وغيره من العلماء السابقين كانوا يقولون: إن في الإنسان من غرور الطاووس، ومن حرص النملة، ومن مكر الثعلب، إلخ…

فلو أردنا أن نعقد مقارنة بين النملة وبين الإنسان ماذا تقول؟

فقال:

النتيجة ستكون في صالح النملة في آخر المطاف! فمثلاً:

من حيث بدأ الخلق: بمعنى أسبقية الخلق: فالنمل، والنحل، والدبابير، وهؤلاء جميعاً أبناء عم من عائلة واحدة، عمرها 150 مليون سنة، بتقدير العلماء، أما الإنسان فمخلوق على أكثر التقديرات منذ 40 ألف سنة! وبالتالي فأسبقية الخلق هي لصالح النملة.

قلتُ:

فإذا أتينا للعدد فأيهما أكثر؟

فقال:

النتيجة لصالح النملة كذلك! بنسبة دشليون في المئة، والدشليون: هو واحد على يمينه 33 صفراً!! فالنمل هو أكبر مخلوقات الله عدداً على الإطلاق،
يليه البعوض، أما الإنسان فعدده ﻻ يتجاوز 6.5 مليار نسمة.

قلتُ:

وماذا عن الحواس بالنسبة للإنسان والنمل، كحاسّة الشم مثلاً؟

فقال:

بالنسبة لحاسة الشم فإنها عند النمل تفوق حاسة الشم عند الإنسان 60 مرة!

قلتُ:

والقوة؟

فقال:

بالنسبة للقوة فالإنسان يتوارى أمام النمل عند ذكر هذه النقطة، لأن النمل يحمل 52 مرة أمثال وزنه! وهذا يعني أن نأتي لهذا الإنسان بـ 4000 كيلو جرام، أي أربعة أطنان، ونقول له: ضع يدك وراء ظهرك، وارفع هذا الوزن بأسنانك!! أو نحضر له ألف كيلو، ونضعه على رأسه، ونقول له: اصعد بها إلى الدور السابع!

 

قلتُ:

وماذا عن الصبر والمثابرة؟

فقال:

استمع إلى الواقعة التالية: رئيس دولة أو ملك مثلاً، هزم في معركة، وتفرّق جيشه، فجمع الجيش مرة أخرى، وهجم على المغيرين، فخسر المعركة، وفي المرة الثالثة هزيمة وخسارة كذلك، فتنحى جانباً واكتئب، وقال: لا فائدة من المحاولة!، وأثناء جلوسه أمام صخرة، جاءت نملة وقد أمسكت بحبة ذرة، وأرادت الصعود بها إلى قمة الصخرة، وكلما اقتربت من القمة سقطت، فتصعد مرة أخرى وتحاول، فتسقط، وتتكرر المحاولات، والملك جالس يعد عمليات الصعود والهبوط التي وصلت 40 مرة فاشلة! ولما كانت المرة 41 نجحت النملة في الوصول!

هنا تعلم درساً عظيماً من هذه النملة ألا وهو الصبر، والمثابرة، وعدم اليأس، فذهب لبلده، وجمع الجنود مرة أخرى، وبعد عدة محاولات تمكن من هزيمة الأعداء، وانتزع بلده منهم.

قلتُ:

النملة كائن يتحرك بالاسترجاع الغريزي، فهل للنملة جانب نفسي؟

فقال:

بلا شك؛ لأن فيها نفساً، ولكننا عندما نقارن بين الإنسان والنملة من ناحية الجوانب النفسية، فإن الإنسان يحزن، أما النملة فلا تحزن، والإنسان ييأس، أما النملة فلا تيأس، والإنسان يمل، أما النملة فلا تمل حتى تحقق هدفها، والإنسان يكتئب، أما النملة فلا تعرف الاكتئاب، وبالتالي فهذا كله في صالح النملة.

قلتُ:

أذكر أنك قلتَ مرة: إن النملة لديها القدرة على أن تسخر المخلوقات الأخرى لصالحها، فكيف ذلك؟

فقال:

بالنسبة لتسخير المخلوقات، فالإنسان يسخر البقر، ويسخر الكلاب، ويسخر الحمير، وغير ذلك، وأحد العلماء حسب ذلك، فوجد أن الإنسان نجح في تسخير 200 مخلوق تقريباً، أما بالنسبة للنمل فقد نجح في تسخير ألفي مخلوق! فعنده أبقاره، وعنده جواميسه، وعنده بق النبات، عنده ألفا مخلوق يسخرهم لخدمته، فالذي يزرع له، والذي يحصد له، والذي يحميه، والذي يحرث له!

قلتُ:

سؤال مهم: هل للنمل عقيدة؟

فقال:

بكل تأكيد، فجميع النمل مؤمنون، فلا يوجد فيهم علماني، ولا إلحادي، ولا شاك!

قلتُ:

لو أردنا التعرف على مملكة النمل من الداخل، فماذا فيها؟

فقال:

سنجد أمّة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، الأدوار فيها موزعة، والمهام محددة، والعدل فيها قائم، والنظام صارم، والتعاون موجود، والتآخي بلا حدود، فلا مكان فيها لخامل، ولا لهامل، ولا عاطل.

قلتُ:

وهل فيها عيوب؟

فقال:

بكل تأكيد، فمثلاً: الجدل! فأكبر أمّة مجادلة بعد الإنسان هي أمة النمل!

ثم الحسد، فالنمل مجتمع ينتشر فيه الحسد للأسف الشديد.

قلتُ:

وماذا عن أسواق النمل؟

فقال:

كما أن لنا أسواقنا، فكذلك للنمل أسواقه، يجتمعون شعوباً وقبائل لكي يقضي كل منهم حاجته، فمثلاً: توجد قبيلة ألف، وقبيله باء، فقبيلة ألف عندها فائض من السكريات، لكنها ليس لديها شيء من البروتينات، فيقومون بالمقايضة!، فتقوم القبيلة ألف بإعطاء السكر للقبيلة باء، مقابل إعطاء القبيلة باء البروتين للقبيلة ألف، وهكذا.

قلتُ:

وبخصوص حسن التقدير؟

فقال:

العالم لورانس أحضر معدنين مختلفين: أحدهما خفيف هو الألومنيوم، والثاني ثقيل هو الحديد، وقام بتغليفهما بالسكر، وهي المادة التي يحبها النمل، فجاءت النملة المستكشفة إلى القطعة الأولى وحاولت حملها، لكنها أكبر من إمكانياتها، فذهبت إلى الجحر، وأحضرت معها ثماني نملات، فأصبحوا تسعة، وحملوا قطعة الألومنيوم.

أما الحديد فحاولت حمله، فوجدته أثقل بكثير، فدخلت الجحر وأحضرت معها 26 نملة، ليصبح عددهم 27، وعندما نقسم 27 على 9 تكون النتيجة 3، فقام لورانس بعملية حسابية، فأحضر كثافة الألومنيوم 2.7 جرام لكل سنتيمتر مكعب، والحديد 7.8 جرام لكل سنتيمتر مكعب، فقسم 7.8 على 2.7 فكانت النتيجة 3، الله أكبر! كيف حسبتها النملة! هناك خالق أعطاها ذلك العلم!

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى