بيني وبينكم 2011

بينى وبينكم 2011 الحلقة الثالثة احترام الذات ج 2

احترام الذات ج 2

من أهم أنواع الاحترام: الاحترام الأسري، تلك البوتقة الأخيرة التي تعتصم بها الإنسانية؛ لأنها إذا تفككت، وضاعت، ضاع الإنسان…

إن مفهوم الأسرة اليوم قد ضاع في الغرب، أندري لماذا؟

لأنه أصبح عبارة عن سقف تحته مجموعة من البشر، أيًّا كان نوعهم!! فلو كانا رجلين فهما في عرفهم أسرة، ولو كانا أنثيين فهي كذلك أسرة، ولربما تبنوا أطفالاً!!

بمعنى أن العلمانية الحادة المتطرفة بخرت معنى كينونة الإنسان، وبوتقته التي ينتمي إليها، وخصوصية الأسرة الإنسانية، فتخيّل أسرة ليس فيها احترام، لا بين الزوجين، ولا بين الأبناء والآباء، ولا بين الإخوة بعضهم مع بعض!! فكيف ستكون الحياة؟

لا شك أنه ستكون دائماً في توتّر، فأنت إذا كنت تعيش مع إنسان لا تحترمه، فستكون دائماً متوتّراً، تريد أن تحرجه، وتريد أن تنتصر عليه، وتريد أن تبين أنك أفضل منه، وتريد أن تكشف أنه هو المخطئ، وأنت المصيب، فيدخل في ذلك الكبر، والغرور، والعناد.

إن أُسَراً يتخلّلها الشكّ تُهدم عاجلاً أو آجلاً، ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خيركم خيركم لأهله))، فجعل معيار الخيرية في الإنسان هو ما ينعكس من سلوكه الخيري على أقرب الناس إليه، ومن لم يكن فيه خير لقومه الخاصين، من زوج، وزوجة، وأم، وأب، وأولاد، فلن يكون له خير في الأبعدين، فإن أحسن سلوكه في الخارج، فهو بذلك يمارس عملية ازدواجية في الشخصية، وهو رجل مهزوز، وإن بدا متماسكاً، ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق))؟ فبعض الناس حتى الأخلاق مفقودة عنده!!

ولنأخذ هذه الصورة العملية المشرقية في علاقة الاحترام، والحب المتبادل في الأسرة….

عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: (ما رأيت أحداً كان أشبه سمتاً، وهدياً، ودلًّا، برسول الله صلى الله عليه وسلم في قيامها وقعودها، من فاطمة كرم الله وجهها، كانت إذا دخلت عليه قام إليها، فأخذ بيدها، وقبّلها، وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه، فأخذت بيده فقبلته، وأجلسته في مجلسها).

ما أرق هذه الصورة، وما أعظمها، وما أشد الحنان الذي فيها!!

هذا محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا نمط من أنماط السلوك الأسري، ويقول عليه الصلاة والسلام: ((إذا أراد الله عز وجل بأهل بيت خيراً رزقهم الرفق)).

وفي المقابل هناك من لا يقيم للاحترام والأدب والتقدير أدنى منزلة، مع الأقربين، فضلاً عن الأباعد!!

حدِّثتُ عن رجل يذهب بزوجته إلى السوق، فلا يناديها إلا بـ: يا بقرة!!

بلا حياء، ولا اعتبار لحق الزوجية، أو العشرة الطويلة!!

ولعل البعض يظن أن هذا الكلام من نسج الخيال! كلا والله، بل هو حقيقة وواقع، حتى إن إحدى الأخوات الداعيات إلى الله، والمعروفة بشدة إنكارها للمنكر، لما سمعت كلام هذا الرجل، ذهبت إليه، وقالت له: من تكون هذه المرأة التي تصفها بهذا الوصف؟

فقال: هي زوجتي!! خيراً إن شاء الله!

فقالت له: إذا كانت هذه بقرة، فأنت ثور!!!

وصدقت والله، فهذا إنسان لا يعرف الأدب أبداً، وليس عنده قيم إطلاقاً، بل إن هذا الإنسان أولى مَن يقال له: احترم نفسك، هذا إن كان له نفس!!

وها هنا نقطة مهمة جدًّا، فلو أن هذه المرأة أحسّت بالإهانة، وبالكبت، وبالاحتقار، ثم وجدت ريقاً جميلاً، وكلاماً دافئاً، من غيره من الغرباء، فماذا سيكون ردّها وتصرفها؟!!

وأنا لست جالساً لأبرر لها مثل هذا الموقف، أعوذ بالله، ولكنني أحاول تفهّم ذلك السلوك إن وُجد.

الدكتور حمود القشعان أستاذ علم الاجتماع والأسرة، قام بعمل دراسة ميدانية عن الخيانة الزوجية، فوجد أن أكثر النتائج تقول بأنها ليست قضية نزوة شخصية، ولا ضعف قيم، ولا أن البنت ليست متربية!! وإنما هي نتيجة قهر، وإحباط، فتصبح عملية تعويض، وحيل من أطراف أخرى، تلعب الدور بشكل صحيح، ولنقطة ضعف عنده، تقع في الخطأ.

ولا شك أنه خطأ فادح، وإثم عظيم، والمرأة التي عندها دين قوي متين، لا تخضع أبداً لهذه النزوات، بل تصبر، وتحتسب، وتثابر، وتدعو لهذا الإنسان المجرم الذي يظلمها.

ولكنني أقول: أن إعطاء الكلام الدافئ، والروح الطيبة، والاستيعاب، للطرف المجروح، قد يشبع حاجة عند المرأة، ويكون خطوة للاستدراج، ألم يقل الشاعر:

ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة     يواسيك أو يسليك أو يتوجع

فإذا كانت المرأة غير واعية، وغير منتبهة لحيل الشياطين، وكان الطرف الآخر ذئباً ماكراً، نقول: عندها سيقع الفأس بالرأس! وعندها ولات حين مندم.

والقصص المأساوية في هذا الجانب كثيراً جدًّا، تشيب لهولها مفارق الولدان.

إذن: الاحترام، ثم الاحترام، ثم الاحترام.

ومن محاور الاحترام: احترام الحاكم لشعبه، وأبناء بلده.

فثورات الشعوب في الربيع العربي ما خرجت مطالبة بالخبز والطعام، وإنما هي ثورات حرية، وكرامة، واحترام للحقوق، ولن أزيد على ذلك.

ومن محاور الاحترام: الاحترام في الملبس.

أحد المسؤولين في إحدى الشركات الكبرى حدثني أنهم نزلوا إعلاناً في الصحافة الرسمية عن حاجتهم لموظفين وموظفات في القطاع الفلاني، فكان من ضمن المتقدمين للوظيفة بنت، جاءت للمقابلة الشخصية بقصة شعر غريبة، وصبغ غريب، ولباس مخلة، ومع ذلك لم تنطبق عليها شروط الوظيفة، يقول هذا الأخ المسؤول: فأخذت هذه الفتاة جانباً، وقلتُ لها ناصحاً: تذهبي لقابلة رسمية لوظيفة، أو موعد رسمي، فيجب أن يكون مظهرك بخلاف هذا الشكل، لأن للمظهر دوره المهم في تقييم المتقدم، وأخذ انطباع معين عنه، فأنا لك ناصح.

هل تدرون بماذا ردّت هذه البنت؟!!

قالت: والله لقد قالت أمي لي الكلام نفسه الذي تقوله أنت!!!

إذن: الاحترام موضوع مركب من سلوك ظاهر، وسلوك باطن.

يقول عباس محمود العقاد عن فلسفة الملابس في كتابه: “بين الكتب والناس”، أو في كتابه: “ساعات بين الكتب”: (ما من إنسان إلا ويضع شيئاً من نفسه في ملابسه)!!

بمعنى أن الملابس تعكس الشخصية: ذوقك، هويتك، مزاجك، عمرك، بل حتى أحياناً وظيفتك.

فلكل مكان ملابسه الخاصة، ولكل مكان أدبياته، أقول هذا الكلام لأن الإنسان في شخصيته شخصية متكاملة الظاهر، والباطن، والسلوك.

ودعونا نقف قليلاً عند: ماذا يصنع العالم في المرأة؟

أليست المرأة محط احترام؟

أليست عقيرة الناس كلهم مرفوعة بحقوق المرأة، والمطالبة بها، في الوقت الذي تهان فيه هذه المرأة في عملها، ومجتمعها، بل وفي بيتها، وتهان ككيان، وذات مستقلة؟!!

ومن الأمثلة الصارخة على التناقض المشؤوم في مسألة احترام المرأة، والتي تجعل الديموقراطية، والحرية، منفصلة عن القيمة، وأن الأخلاق، والقيم، تولد آنياًّ حسب التصويت، وارتفاع الأيدي، وتتغيّر بتغير الأوضاع والأحوال، وكما يريد السوق، والعولمة، والاستهلاك.

ماذا كان المشهد ؟

في عام 2000 أو 1999 قامت نجمة أفلام إباحية إيطالية ورشحت نفسها لمجلس الشعب!! فوقفت على خشبة المسرح، وفي المنتديات الإعلامية تعرض على الجماهير مشروعها الإصلاحي، أو الإنجازات التي سوف تحققها للمنتخبين.

ما هو مشروعها يا ترى ؟

وقفت أمام الرجال الإيطاليين، وبدأت تعرض مشروعها في خلع ملابسها قطعة قطعة، والجمهور يصفق، وينظر!!!!

المصيبة والكارثة ليست في تسليع المرأة واحتقارها بهذه الطريقة المهينة، وإنما في أنها نجحت في الانتخابات!! بمعنى أن هذه الحرية تتيح للعدمية الأخلاقية.

هذه صورة يجب أن ينتبه لها من يحلم بالحرية، وينادي بها، لأن الصورة السابقة هي نوع من أنواع الحرية في نظر هؤلاء الناس!!

ولكن:

أتريدون ما هي أخطر أنواع الاحترامات؟

إنه ما نشاهده يومياً من صراعات سياسية في القنوات!!!!

أنا أتفهم صراعات دولة ضد دولة، ولكن أن تكون تلك الصراعات داخل الدولة نفسها، وتصل تلك الصراعات إلى درجة الفجور في الخصومة، فمعنى ذلك أن هناك خللاً كبيراً في مفاهيمنا، وتصوراتنا.

فعندما يجلس متحاوران حول قضية معينة من قضايا المجتمع، أو غيره، فتتأزم الجلسة، ويحتد النقاش، وتبدأ الحلقة بالغليان، ليصل الأمر أن يقول أحد المتحاورين للآخر: لقد بحثت في بيتي عن أحذية بحجمك، لكنني مع الأسف لم أجد!!!

وهذا ليس مشهداً تمثيلياً لإضحاك الجمهور، بل هو لقاء حقيقي شاهدته بنفسي على إحدى القنوات الفضائية!!

إلى أين وصلنا؟! وبأي منطق يتحدث هؤلاء؟!!

وإذا كان هذا الكلام يصدر على شاشة فضائية يشاهدها الملايين من الناس، فما الظن لو كان الأمر مستتراً، ومقتصراً على عدد قليل من الحضور؟!!

لا شك أن هذا توحّش بشري، وأن هناك خللاً كبيراً يجب أن نقف ضده كلنا، وندينه، ولا نسمح له أن ينجح أبداً.

كذلك من قضايا الاحترام: عدم التشهير بالمخطئ، والمخالف، إلا إذا كان معانداً، ومجاهراً، وإلا فالأولى التعمية، وانتقاد الفعل، دون التعرض للأشخاص، فهذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان ينتقد، وكان يصحح؛ ولكن بمنهج: ((ما بال أقوام يفعلون كذا، وكذا، وكذا..))، حتى لا يحرج ذلك المنصوح، فيأخذه الكبر، ويعاند، فتتحول النصيحة إلى تعزيز للخطأ الذي يقع داخل المجتمع.

وفي قضية الاحترام، هناك مشكلة يجب التنبه لها، ألا وهي الخضوع للواقع، والاستجابة للعقل الجمعي!!

يأتي المعلم الأول صلى الله عليه وسلم فيقول: ((لا يكن أحدكم إمّعة))، وفي رواية ثانية: ((لا تكونوا إمّعة، تقولون إن أحسن الناس أحسنّا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم على الخير))، انظر إلى التدريب والإرادة، وعدم الاستجابة للواقع، وطنوا أنفسكم على الخير، أن تحسنوا إذا أحسن الناس، وأن ﻻ تسيئوا إذا أساؤوا، أو أن تحسنوا إذا ظلموا.

إذن الإنسان هو الذي يتخذ القرار، فعليك أن ترتقي بنفسك، وتتخذ الصحبة التي تجعلك إنساناً محترماً، لأن احترامك يعرف من خلال صحبتك، ومن تخالل، وتعاشر.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل))، وصدق الشاعر إذ يقول:

 

 

 

إذا لم أترك الماء اتقاءً
إذا وقع الذباب على طعام
ويرتجع الكريم خميس بطن      وتجتنب الأسود ورود ماء
  تركت لكثرة الشركاء فيه
رفعت يدي ونفسي تشتهيه
ولا يرضى مقاسمة السفيه
إذا كان الكلاب ولغن فيه
 

قيمة الاحترام عظيمة جدًّا، فأنت تحترم ذاتك، وتحترم أهلك، وتحترم أصحابك وأصدقاءك، وتحترم القيم التي تنتمي إليها، وبنظرتك لنفسك تحترم غيرك.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى