بيني وبينكم 2007

بيني وبينكم 2007 الحلقة الخامسة عشرة البويات

البويات

هل يجوز عبر وسيلة إعلامية عامة مشاعة يشاهدها الصغير، والكبير، وفي كل المستويات الثقافية، وعلى مدار الساعة، أن نتناول قضايا حساسة كقضايا غرف النوم، وقضايا الشذوذ الأخلاقي، والجنسي، وقضايا العلاقات بين الجنسين إلى درجة مكشوفة؟!!

ما من شك أن المسلم يتعامل بواقعية مع الأشياء، ولكن بواقعية عقلية، منضبطة، تعود بالخير على الإنسان، بمعنى أنه نعم لتناول أي موضوع جنسي، أو شذوذ، ولكن الخلاف بيننا كمصلحين إن جاز لنا أن نعبر عن أنفسنا بذلك، وبين وسائل الإعلام المادية الأخرى هو أن معيار النجاح لديها هو قوة الانتشار، وجذب العيون، وكثرة المتابعين، وليس الحقيقة أو الفائدة! فالخلاف بيننا وبينهم في المنهج، وفي زاوية التناول، وفي جوهر الرؤيا لهذه المسألة.

نحن نقرأ القرآن الكريم فنجد أن القرآن الكريم تناول قصة قوم لوط عليه السلام، وهي قمة الشذوذ الجنسي.

وتناول قصة يوسف عليه السلام في علاقته مع من كان هو ربيب في بيتها، ومراودة امرأة لشاب تربى عندها!!!

نعم تكلم القرآن عن هذه الموضوعات، ولكنك حينما تقرأ هذه القضايا الشاذة في القرآن الكريم فإنك تخرج وأنت مترفع عنها، مشمئز منها، كاره لها، بل إن نفسك تتوق إلى محاربتها، والتعالي عليها، لأن الأضواء الكاشفة للقصة سُلطت على لحظة التقوى فيها، ولحظة الانتصار، ولحظة رفرفة الروح، ولحظة التعالي عن طينة الأرض، ورقي الإنسان، وتحقيق إنسانيته، واتصاله بالقيمة العليا التي يستمدها من وحي السماء.

حديثي في هذه العجالة عن أحد الموضوعات في عصر العولمة التي تركز على الحسّ، وعلى الغريزة الغليظة، وتختصر الإنسان في الجسد الدافع، والدافق بالغرائز، والماديات، والفردية، والأنانية.

نتكلم عن: المسترجلات، أو ما يسمى (البويات)، أو (الصبيك) كما يطلق في بعض المجتمعات، التي أصبحت ثقافة، ثم أصبح لها ظهور، ثم إعلان، ثم ترويج، ثم مطالبة بحقوق!!

ألهذه الدرجة؟!

نقول: نعم لهذه الدرجة وأشد؛ لأن النفس البشرية لا تشبع، ولا تقنع بما لديها، فإذا فتحت لها الماديات، فإنها تتعود على هذا المستوى من الانحراف، ثم تذهب إلى انحراف أكثر، ثم إلى غيره، وهكذا…، ثم…. تقع المصيبة.

وقبل كل شيء إن كنت يا ابنتي، ويا أختي، أيًّا كان سنّك، إن كنت من اللاتي يؤمنّ بأن هناك مرجعية حاكمة للإنسان، ألا وهي الله سبحانه وتعالى الذي شرع الشرائع، ووضع ما هو حلال، وما هو حرام، وبيّن للإنسان ما ينفعه في دنياه، وأخراه، وما يضرّه بدنياه، وأخراه، ورجّح مصلحته؛ لكي يحكّم العقل، والإرادة، لا الغريزة، والشهوة، والنظرة القريبة، إن كنتِ من هؤلاء فأرعني سمعك.

إن أول حقيقة نتكلم فيها عن قضية البويات، والمسترجلات،  أن نقول:

هل هذا السلوك فطري أم مكتسب؟

إن الفطرة الطبيعية تقضي أن هناك ذكر وأنثى، وربّ العالمين يقول: (وليس الذكر كالأنثى)، بل هناك حدود فارقة جعلها الله سبحانه وتعالى بينهما، والعلم الحديث وليس العربي، وإنما الغربي سواءً علم التشريح أو علم النفس تقول: إن الذكر شيء، والأنثى شيء آخر؛ وهذا ما صرحت به الآية الكريمة: (وليس الذكر كالأنثى)، ولكن لماذا؟

لكي تكون العلاقة بين الاثنين علاقة تكاملية، تبادلية، لا علاقة تكرار يلغي أحدهم الآخر، أو يدخل أحدهما مع الآخر في صراع، كما تطرح قضية النسوية، وقضية المساواة المطلقة، بدلاً من المساواة التي يكمل فيها أحدهما الآخر.

ولذلك فمثل هذه الظاهرة هي عبارة عن سلوك مكتسب منحرف عن أصل الفطرة.

ما هو الحكم الشرعي فيمن تفعل ذلك؟

نحن نعلم أن الذنوب منها صغائر، وكبائر، وهناك كبائر منصوص عليها: كقتل النفس، والسحر،, الشرك،   …الخ.

لكن الإمام الذهبي في كتابه الكبائر، وغيره من العلماء، ذكروا أعمالاً كثيرة من الكبائر لم تدرج في حديث الكبائر، ووضعوا قاعدة تنص على أن: (كل عمل عليه وعيد بالنار، أو بغضب الله، أو باللعنة، فإنه يدخل في دائرة الكبائر).

فعندما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال، ولعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء(، وفي حديث آخر يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن الله المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء(، ويقول صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: (لعن الله المرأة تلبس لبسة الرجل، والرجل يلبس لبسة المرأة)، واللعن هو: الطرد من رحمة الله تعالى، فمعنى ذلك أن التشبه، والاسترجال، كبيرة من الكبائر.

لماذا هذا السلوك؟

يقول علماء الاجتماع: إن أحد أسباب هذا السلوك هو التقليد، والفراغ نفسي، فالبنت تشاهد تلك النوعية من المسترجلات، فتريد أن تقلد، وتتشبه.

وأحياناً يكون ذلك من أجل لفت النظر، أي أنها تريد أن تحقق ذاتها، وكل إنسان يحب أن يحقق ذاته، ولكن أن تحقق ذاتها بطريق الخطأ، لكي تصبح حديث المجالس! فهذا هو الذي لا يقبله العقل.

فهل يجوز للإنسان أن يشهر نفسه عن طريق الرذيلة أو الخطأ؟

نعوذ بالله من ذلك.

ولذلك يقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله في كتابه (كلمة وكليمة): المأفون هو: الذي يغلط غلطة تحدث له شهرة، أو تجلب له شهرة!

فهذا إنسان تافه مسكين.

وأحياناً قد يكون هذا السلوك على سبيل الانتقام، فتفعل البنت هذا الفعل، وتتشبه بالرجال، انتقاماً من المجتمع، أو انتقاماً من الأهل، أو انتقاماً من جنس الرجال، أو انتقاماً من الأنوثة نفسها لظروف مرت بها!

ونحن نقول إن الخطأ لا يعالج بالخطأ، والانتقام له روافده، وطريقته الشرعية، والقانونية لكي يأخذ الإنسان حقه.

إذن هناك عدة أسباب لبروز هذه الظاهرة إن كانت ظاهرة، ولعل من الأسباب القوية لهذه الظاهرة ما يسمى بالصدمة الكبرى أو الطعنة الأولى.

بمعنى تجربة صعبة مريرة تمر فيها الفتاة، تختزن في ذاتها، وتسيطر على ذهنيتها، ولا تغيب الصورة عنها، وتراجعها مرات عديدة، فينتج عنها هذا السلوك المنحرف.

قد تكون التجربة انتهاك لخصوصية البنت، بمعنى أنها وقعت ضحية، أو حرفت غريزتها، أو اعتدي عليها، أو أنها مرت بعلاقات غريبة في مرحلة معينة من مراحل حياتها، فكان لذلك بصمة عميقة عليها، لا سيما بصمات الطفولة.

فنحن نقول لهؤلاء: حاولوا أن تتعالوا على المشكلات القديمة، وألا تجعلوا أمراً وقع عليكم حتى ولو كان باختياركم، أو بقهر عليكم، يسيّر حياتكم، ويتحكم في مشاعركم، فالإنسان يجدد حياته، ويفتح صفحة جديدة، لأنه يختلف عن الحيوانات، فالحيوان يتحرك بسلوك يسمى الاسترجاع الغريزي، أما الإنسان فليس كذلك.

فالإنسان لديه فكر يميز به بين البديلات، ويعرف الخطأ من الصواب، ولديه إرادة يستطيع أن يقويها، وينتقل من النقيض إلى النقيض، ولذلك فالله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، فباب التوبة مفتوح على مدار الساعة.

ثم إن هؤلاء الواقعين في هذا السلوك المنحرف ليسوا قسماً واحداً، أو شريحة واحدة، بل هناك البنت المبتدئة، التي تقلد، وهذا إما عن جهل منها، أو حب التشبه، أو عاطفة جامحة، أو حب التغيير.

فهذه نقول لها: يا ابنتي انتبهي، فأنتِ في خطواتك الأولى، وأكثر ما يفسد هؤلاء المبتدئين هو الصحبة الفاسدة.

فإياكِ أن تقولي: لقد مشيت معهم، وقلدتهم، وألزموني، وأن هذا أصبح واقعاً!! ابتعدي عن هذه الشلة، واحذري منهم،  حرام عليكِ أن تضيعي سمعتك، وسمعة أهلك، حرام عليكِ أن يصبح لك ملف سيء منذ بداية هذه الحياة.

ونقول لك: أنت من النوع الذي يؤثر فيكِ الحرام، والحلال، ولا يرضيك أن تكونين ممن قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن الله المترجلات من النساء)، و(لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال)، و(لعن الله المرأة تلبس لبسة الرجل)، هذا حرام، وانحراف، وسينعكس عليك فيما بعد، وستصابين بالوسوسة إذا كبرت، وبالإحباطات، ولا تنامين الليل، وتعيشين على الحبوب، وقد يصل الأمر إلى الانتحار، والعياذ بالله، فدعكِ من هذه المراهقة من الآن، فهؤلاء يكذبون عليك، ويريدون منك أن تكوني مثلهم في الانحطاط والسفول.

هذه هي الفئة الأولى من أصحاب هذا السلوك المنحرف.

هناك فئة أخرى من أصحاب هذا السلوك يمكن أن نطلق عليها: (جماعة الارتباط الفكري(، فهؤلاء لديهم القدرة على التبرير، فتقول إحداهن: نحن خلقنا هكذا! وأنا طبيعتي خشنة، فتجدها تربي أظافرها، وتشرب السجائر، وتتصرف كالرجال!

ولا شك أن هؤلاء في الحقيقة يخادعن أنفسهن، وهذا يختلف فسيولوجياً عن هؤلاء الذين لديهم هرمونات ذكورية زائدة، وهذه ندرة نادرة، تسمى الخنثى المشكل، والشريعة الإسلامية تعالج مثل هذه الأوضاع.

إلا أن الخطورة تكمن في المجموعة الأخيرة، وهي الفئة الأخطر، وهم مجموعة الارتباط القيمي، الذين يقولون نحن نروج لهذا الأمر، ونتكيف معه!!

فهؤلاء هم دعاة الرذيلة، أو كما سماهم النبي صلى الله عليه وسلم: (دعاة على أبواب جهنم)، يختطفون البنات من الأسر، وأحياناً يتحول إلى عمل منظم، وأخطر ما في الفساد عندما يكون منظماً، ومن هنا تأتي أهمية المؤسسة التربوية، والمؤسسة الأمنية، والمؤسسة الأسرية، في التعاون على معالجة هذه القضية، فالإعلام وحده لا يعالج، وإنما الإعلام يحذر، وينبّه، وينصح، ويعظ، ويلفت انتباه المسؤولين، ويحرك المياه الراكدة عند الأسر الغافلة، وينبّه البنت في نفسها.

فيا ابنتي الغالية: إن السعادة لا تكون بإطلاق العنان للشهوات، وإن الإنسان لا يكون سعيداً إلا إذا توافق مع ذاته، والشذوذ ليس فيه توافق مع الذات، وإنما تمرّد على الذات، وتحدٍّ لها في الطريق الخطأ، ثم إن هذا الجسد ليس ملك لك، وإنما ملك لله سبحانه وتعالى، وأنت توظفينه في الحياة، وتجعلينه يسير في هذه الدنيا وفق مراد الله عز وجل، لكي تكوني إنسانة سوية في حياتك.

ثم لا بد أن يكون لكِ هدف في الحياة، والأهداف الكبرى لا تقف عند الغريزة، ولا تقف عند الشهوة العارضة، أرجوك يا بنيتي انتبهي لمستقبلك، ولآخرتك، وانظري إلى أمك وأبيك، وإلى المحيط الذي تعيشين فيه، لا تكوني منبوذة في المجتمع، منبوذة من الدين، منبوذة من الأسرة، منبوذة من الجيران، منبوذة من الأرحام، والعائلة، في سبيل أنك تحققين رغبة أو شهوة أو نزوة، هكذا يكون الصراع بين العقل، والدين من جهة، وبين الغرائز والشيطان من جهة ثانية.

هل تعودين إلى عقلك؟

هل تنتبهين من غفلتك؟

هل تبتعدين عن البنات المنحرفات الشاذات؟

نرجو الله تعالى ذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى