بيني وبينكم 2008

بيني وبينكم 2008 الحلقة الخامسة والعشرون تحديد جنس الجنين

تحديد جنس الجنين

جنس الإنسان نوعان: ذكر وأنثى، والله تعالى يقول في الآية رقم 37 وما بعدها في سورة القيامة: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى. ألم يك نطفة من مني يمنى. ثم كان علقة فخلق فسوى. فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى. أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى}.

كثيرون هم الذين يقفون مع هذه الآية على أنها توحي بأن الذي يحدد جنس الجنين هو الرجل وليس المرأة، إلا أن السياق القرآني دائماً ينحى منحى التغليب لعدم تكرار الضمائر وغيرها، فقوله تعالى (فجعل منه): أي الإنسان بنوعيه الذكر والأنثى، فهل هذا الفهم صحيح؟

هذا ما طرحته على فضيلة الدكتور صبري الدمرداش، فأجاب قائلاً:

لو أن الله تعالى جعل تحديد الجنس بيد الإنسان لاختل الميزان!

قلتُ:

وكيف ذلك؟

فقال:

لو أنك قمتَ بعمل استفتاء في هذا الموضوع، لوجدتَ نسبة تقترب من 90 في المئة من الناس يريدون الذكور، ولا يرغبون في الإناث! ولو هذا حدث لحصل خلل اجتماعي كبير، فالصين مثلاً من ثلث إلى نصف قرن قادم لن يجدوا نساء للزواج! والسبب أنه مع تقدم العلم، وإمكانية معرفة جنس الجنين، فتجد الواحدة منهن تذهب إلى الطبيب في الشهر الرابع أو الخامس، وعن طريق السونار تتم معرفة جنس الجنين، فإذا كان بنتاً فالحل الوحيد هو الإجهاض!! ما أقسى البشرية المعاصرة، وما أظلمها! بل لعلها أشد قسوة من الجاهلية الأولى، فالعربي القديم في الجاهلية كان يدفن البنت وهي حية، أما هؤلاء فيدفنونها وهي لم تنزل بعد، ولأجل ذلك جعل الله تعالى تحديد الجنس بيده هو.

قلتُ:

دعنا ندخل في صلب الموضوع: من هو المسؤول عن تحديد الجنس: الرجل أم المرأة؟

فقال:

بداية سنحاول معرفة من المسؤول بشكل قاطع عن تحديد الجنس من الناحية العلمية، ثم بعدها ننتقل لكتاب الله تعالى لنرى ماذا قال؟

حتى أوائل القرن الـ 19 لم يكن العلماء قد درسوا الخلية الإنسانية من الناحية الوراثية، وقد تم لهم ذلك في أوائل النصف الثاني من القرن ال 20، فوجدوا أن الإنسان فيه 46 كروموسوم، وهذه صفه مميزة، فأي مخلوق فيه 46 كروموسوم فهو إنسان، وأي مخلوق فيه 42 كروموسوم يكون فأراً، وأي مخلوق فيه 78 كروموسوم يكون دجاجة، وأي مخلوق فيه 24 كروموسوم يكون نبات الطماطم، أما القرد ففيه 44 كروموسوم، فوجدوا أن الـ 46 كروموسوماً الموجودة في الإنسان، منها 44 كروموسوم جسمي، والثاني جنسي، واحد يحمل صفة الذكورة، والثاني يحمل صفة الأنوثة، ووجدوا أن المرأة تنقسم الخلية التناسلية في مبيضها، وتعطي نوعين من البويضات، كل بويضة تحمل كروموسوم XX ، أما الرجل فيحمل الكروموسوم المذكر Y، والكروموسوم المؤنث X ، ومعنى ذلك أن كل بويضة عند المرأة تحمل XX، أما الرجل فنصف حيواناته المنوية تحمل الكروموسوم المذكر  Y، والنصف الثاني يحمل الكروموسوم المؤنثX .

والمسألة ببساطة: رجل جامع زوجته، فلو أن الحيوان المنوي الذي يحمل الكروموسوم المذكرY  سبق، فإنه سيتحد مع البويضة التي تحمل الكروموسوم X، فتكون النتيجة  XY ، أي ولد، وللعلم فإن الجنس يتحدد من أول لحظة لاقتحام الحيوان المنوي للبويضة.

وأما إذا سبق الحيوان المنوي للرجل الذي يحمل الكروموسوم الأنثوي X، والبويضة كما قلنا تحمل الكرموسوم الأنثويXX  ، فستكون النتيجة بنت بالتأكيد، فالحيوانات المنوية عند الرجل 50 في المئة مذكر يحمل الكروموسوم Y ، و50 في المئة مؤنث يحمل الكروموسوم x.

ولذلك من خلال هذه المعلومات الوراثية فإن الذي يحدد جنس الوليد هو الرجل، وهذا الذي نفهم الآية الكريمة في ضوئه.

قلتُ:

إذن قوله تعالى: (فجعل منه الزوجين)، ليس المقصود بها جنس الإنسان؟

فقال:

بلا شك، فالضمير في اللغة يعود على أقرب مذكور، وأقرب مذكور في الآية هو المني، ويؤكد هذا التفسير قوله تعالى في سورة النجم: {وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى. من نطفة إذا تمنى}، فقضي الأمر، وبالتالي فإن علم الوراثة في أدق جزيئاته فيمن هو المسؤول عن تحديد الجنس: الرجل أم المرأة؟ كان جوابه أنه الرجل، وهذا متفق عليه وراثياً، وجاء القرآن الكريم وقال: {فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى}، وجاءت سورة النجم وأكدت هذا المعنى، فهذه كلمات لا يقولها إلا خالق.

هذا الكلام قيل من 14 قرن، ولكنه لم يعرف إلا في النصف الثاني من القرن الـ 20، بعد اختراع الميكروسكوب الإلكتروني بثلاثة قرون، فسبحان الله العظيم.

نأتي بعد ذلك إلى نقطة مهمة، وهي: كيف تخصب البويضة؟

فالله تعالى قد أعطى للأنثى البنت محصولها الوراثي، وحصتها الوراثية، ومخزونها الاستراتيجي من البويضات، فلديها مبيضان: مبيض على اليمين، ومبيض على الشمال، في كل مبيض مليون بويضة! أي أن مجموع البويضات في المبيضين مليونا بويضة.

فعندما تكبر البنت وتبلغ مبلغ النساء، والبلوغ في حده الأدنى تسع سنوات، وفي حده الأقصى 16 سنة، وفي حده المتوسط 12 سنة، ولنفرض أنها بلغت عند 12سنة، فالذي يحدث أن المليوني بويضة تقل إلى 30 ألف بويضة! ومن سنة 12 إلى سن اليأس وانقطاع الدورة الشهرية، الذي يكون في الغالب في سن الـ  50، يقل عدد البويضات إلى 400 بويضة!! فالمرأة تعمل طول حياتها الجنسية من خلال 400 بويضة.

وفي منتصف الدورة الشهرية في يوم 13 أو 14 تقريباً، تكون كل بويضة غير ناضجة بعد، والبويضة التي تنضج تأتي إلى سطح المبيض، ثم تنفجر كل بويضة داخل الحويصلة، وتخرج البويضة، فمن المستعد ليتلقفها؟ إنه البوق الخاص بإحدى قناتي الرحم، هذه القناة فيها غشاء، والغشاء له أهداب يشدها كالسلم المتحرك، ويسحبها للداخل حتى تخصب البويضة، فيأتي الحيوان المنوي للرجل ويحدث الالتقاء في الثلث الخارجي من قناة الرحم عند المرأة.

وسبحان الله نجد أن في كل دفقة منوية للرجل يوجد 400 مليون حيوان منوي، في مساحة 4 سنتيمتر! أي أن كل سنتيمتر فيه 100 مليون حيوان منوي، ولكي يكون الرجل قادراً على الإنجاب، يجب أن يكون لديه 400 مليون حيوان منوي، فلو كان لديه 20 مليون حيوان منوي فإنه لا ينجب.

قلتُ:

لماذا؟

فقال:

قارن بين حجم الحيوان المنوي، والرحلة التي سيقطعها، فحجم الحيوان المنوي عبارة عن جزء من 20 جزء من المليمتر، أو بحساب آخر هو 50 ميكرون، والميكرون هو جزء من ألف جزء من المليمتر، وبحساب ثالث هو عبارة عن 40 جزء من مليون جزء من السنتيمتر!!

قلتُ:

وما هي المسافة التي يقطعها هذا الحيوان المنوي؟

فقال:

مسافة الأعضاء التناسلية للمرأة من 18 إلى 20 سنتيمتر، فعندما نقيس الحجم، ونقوم بتكبيره بحجم الشخص العادي منا، فإن المسافة التي يقطعها الحيوان المنوي هي نفس المسافة ما بين الكويت والقاهرة!! أي ما يقارب 2000 كيلو متر!!

فتخيل لو أن سباق ماراثون من الكويت للقاهرة، فحتى يصل واحد منهم، لا بد أن يكون عندنا أعداد كبيرة جداً لأنه سيتساقط على الطريق أعداد غفيرة.

هذه الـ 400 مليون حيوان منوي تتجه كلها نحو البويضة، لا يضل أحد منهم الطريق، فيأتي الـ 400 مليون حيوان منوي ويحيطون بالبويضة إحاطة كاملة، إحاطة السوار بالمعصم، فعند ذلك تبدأ البويضة بالرقص، وهذا يذكرني بكلام العقاد عندما قال: المرأة مخلوق استعراضي! قلت: حتى وهي بويضة!!

وفي حالة تمكن الحيوان المنوي من تخصيب البويضة فهنا يتحدد الجنس، فمن الذي اختار هذا الحيوان المنوي بالذات دون غيره ليخصب البويضة؟ إنه الله سبحانه وتعالى، يقول رب العزة جل جلاله: {وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة}، فليس هو خيار لا للرجل، ولا للمرأة، بل هو محض إرادة الله تعالى.

قلتُ:

العلم الحديث يساعد في قضية تحديد الجنس، كما بدأنا نسمع، بل إن البعض يتكلم عن شهر معين، أو يوم معين، للإنجاب، فماذا تقول في هذا الكلام؟

فقال:

هناك طريقتان لتحديد الجنس: طريقة طبيعية، وطريقة صناعية.

أما الطريقة الطبيعية: فليس لها علاقة بالأكل، ولا بالشرب، ولا بغيره، بل لها علاقة بتوقيت الجماع؛ لأن الحيوان المنوي المذكر الذي يحمل الكروموسومY  خفيف وسريع، أما الذي يحمل الكروموسومx  فبطيء وثقيل، ويمكن تشبيه الكروموسوم المذكر بالمصفحات الخفيفة، والكروموسوم المؤنث بالدبابات الثقيلة، فمن الذي يسبق في حالة السباق بينهما؟ لا شك أنها المصفحات الخفيفة.

في يوم 13 و 14 من بدأ الدورة الشهرية فإن 98 في المئة من النساء تكون الحيوانات المنوية المذكرة والمؤنثة تريد الذهاب لتخصيب البويضة، فتعترضهم عقبة وهي المخاط الموجود في عنق الرحم، وهو الميوكس، ولكن وجد العلماء أن هذا المخاط يتغير على امتداد الدورة الشهرية، فمرة يكون رقيقاً، ومرة يكون سميكاً، ومرة يكون لزجاً، فإذا كان رقيقاً فإنه يسمح للحيوانات المنوية المذكرة الخفيفة أن تخترقه بسرعة، وبالتالي:

حيوان منوي يحمل الكروموسوم Y ، ووصل البويضة X ، فالنتيجة ذكر.

أما إذا كان سميكاً، وغليظاً، ولزجاً، ويابساً، فإنه لن يسمح بالوصول للبويضة إلا للكروموسوم الثقيل، وهو المؤنث، وبالتالي:

حيوان منوي يحمل الكروموسوم x، ووصل للبويضة x، فالنتيجة أنثى.

قلتُ:

هذا بخصوص الطريقة الطبيعية، فماذا عن الطريقة الصناعية؟

فقال:

إذن الطريقة الطبيعية للحصول على جنين ذكر أن يتم الجماع في اليوم الـ 13 و14، ونسبة ذلك 70 في المئة.

ولكن لنفرض أنه لم يحدث جماع يوم 13 أو يوم 14، لأي سبب من الأسباب، سواء أكان الزوج مريضاً، أو متعباً، أو مسافراً، فأنا أقول للزوجة: لا تحزني! فالأمر يتطلب منك فقط الذهاب للصيدلية، وشراء تشطيف مهبلي، أي صوديوم باي كربونات، فهذا عبارة عن تشطيف مهبلي قبل عملية الجماع بحوالي ثلث ساعة، والذي يحدث أن هذه المادة تقوم بجعل الميوكس رقيقاً، وبالتالي يجعل الحيوانات المنوية المذكرة الخفيفة تصل إلى البويضة قبل غيرها، فتكون النتيجة: ولد.

وقد روى الإمام مسلم من حديث ثوبان رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإذا اجتمعا، فعلا مني الرجل مني المرأة، أذكرا بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل، آنثا بإذن الله).

ومعنى إذا علا أي إذا سبق، ولذلك فالسباق له شرطان:

الأول: توحيد نقطة البداية.

الثاني: توحيد اتجاه السباق.

فالرجل عنده نوعان من الحيوانات المنوية: مذكرة ومؤنثة، فإذا سبقت الحيوانات المنوية المذكرة، الحيوانات المنوية المؤنثة، أي علا ماء الرجل ماء المرأة، y + x = ذكر.

وإذا حدث العكس، فعلا ماء المرأة ماء الرجل، أي أن الحيوانات المنوية المؤنثة للرجل سبقت الحيوانات المنوية المذكرة له، x + x = أنثى.

أما رواية البخاري فقد جاء فيها: (إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت)، وهو بمعنى الحديث السابق، وهذا الكلام من أعجب ما يمكن، فهو إعجاز نبوي، (وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى).

وأما فيما يتعلق بالتلقيح الصناعي: حيث يذهب الزوجان لمركز الإخصاب الصناعي، فيأخذ الطبيب دفقة منوية من الرجل، ويخففها بنسبة معينة من الماء، ويضعها في جهاز الطرد المركزي، ويقوم بتدويرها بموتور بسرعة معينة بآلة معينة، للفصل بين الحيوانات المنوية المذكرة، والحيوانات المنوية المؤنثة، فيكون النصف الخارجي للإناء فيه70 في المئة حيوانات منوية مذكرة، يقابلهم30 في المئة مؤنثة، وفي النصف الداخلي العكس70 في المئة حيوانات مؤنثة، مقابل30  في المئة حيوانات مذكرة، ولا يمكن الفصل بنسبة 100 في المئة، بل أقصى حد هو 70 في المئة، وبعد أن يفصل بينها بنسبة 70 في المئة، تكون الاحتمالات70 في المئة، فيأخذ سحبة من الجزء الخارجي الذي فيه حيوانات منوية مذكرة أكثر، ولكن لاحظ أن فيها30 في المئة حيوانات مؤنثة، فمن الممكن أن تأتي بنت، مصداقاً للآية الكريمة: {وربك يخلق ما يشاء ويختار}.

فالطريقة الاصطناعية تزيد النسبة من 50 في المئة إلى 70 في المئة، وكلها في يد الله تعالى، ونختم بالآية الكريمة: {وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحانه وتعالى عما يشركون}.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى