وياكم 2013

وياكم 2013 الحلقة الثانية عشرة شجاعة

شجاعة

حديثي عن شجاعة نادرة، من نوع خاص….

شجاعة ليست في أرض المعارك!! وإنما شجاعة في المعركة مع الذات!

كيف ذلك؟!

عندما يقف المفكر، أو الأديب، أو الفيلسوف، أو الفقيه، أو العالم الطبيعي، أو أي إنسان كان له أثر، وجماهيرية، وحضور، وبصمة، يقف أمام الجماهير بعد مرحلة من التأمل، ثم يعلن أنه كان مخطئاً، قد جانب الصواب، ثم يعلل ذلك الخطأ، والإصرار على الباطل، فإننا بذلك نقف أمام نموذج غريب نادر، يدل على أن هذا المعدن يكتنز من الصفات، والخصائص، التي تستحق التقدير، وتستوجب الشكر والثناء.

هؤلاء الذين سُجلت اعترافاتهم، كان لهم حضور اجتماعي طاغي، ليس في المنطقة العربية فحسب، وإنما في المراكز الثقافية العالمية!

هؤلاء الذين اعترفوا بأخطائهم أو بقصورهم، عللوا ذلك بأسباب متعددة، وأغراض مختلفة:

كالغفلة عن تراثهم، وحضارتهم، ودينهم، أحياناً….

وأحياناً كالفتنة التي كانوا فيها في نظرتهم للحضارة الغربية، واندماجهم فيها، وفنائهم في شخصياتها، ومنظوماتها الثقافية…

وأحياناً لحظوظ النفس في الشهرة والتطلع…

وأحياناً لتحقيق مصالح حياتية، وشخصية….

وأيًّا كانت الأسباب، فالذي يهمنا من كل ذلك هو اعتراف القوم بالخطأ، وعدم المضي فيه… أليس من الجدير بعد ذلك أن نقف معهم، ونستفيد من تجربتهم؟!!

وبين يديّ جملة من أسماء هؤلاء النجوم الذين تراجعوا عمّا كانوا عليه من أفكار بقوة، وشجاعة أدبية، فمنهم:

الشيخ علي عبد الرازق، ومنصور فهمي، ومحمد حسين هيكل، وخالد محمد خالد، وفاضل السامرائي، ومصطفي محمود، وطه حسين، وعلي عزت بيجوفيتش، وزكي مبارك، وزكي نجيب محمود، وعبد الرحمن بدوي، وعبد الوهاب المسيري، ومحمود شاكر، وعبد العزيز حموده، وعباس محمود العقاد، وشكري عياد، وإسماعيل مظهر، وغيرهم كثير.
وسوف تكون البداية مع الشيخ علي عبد الرازق الأزهري…

هذا الإنسان الذي فعل ما لم يفعله المستشرقون الغربيون، الذين درسوا الإسلام من البيئات الأخرى…

هذا الرجل ألّف كتاباً سنة 1925 عنوانه: الإسلام وأصول الحكم، نصّ فيه على أن: الإسلام دين ﻻ دولة!!وأن الإسلام رسالة روحية، فالنبي صلى الله عليه وسلم ما جاء لكي يؤسس منظومة سياسية، وإنما جاء يعطي قيماً، ومبادئ، كإخوانه الأنبياء!!!

هذا الكتاب تلقّفه العلمانيون، والذين يميلون إلى الغرب، وعلى رأسهم طه حسين، بشغف شديد، وكأنهم وجدوا فيه ضالتهم!!

وقد أحدث الكتاب ضجة كبيرة، مما حدا بشيخ الأزهر محمد الخضر حسين العلامة الكبير بالرد عليه في كتابه: نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم.

إلا أن الشيخ علي عبد الرازق راجع نفسه، واعترف بخطئه، وضلاله في هذا الكتاب، وكان ذلك في سنة 1951، فبعد أن يصرح بأن عبارة: دع ما لله لله، وما لقصير لقيصر، تنطبق على الإسلام، عاد وصرح في مجلة رسالة الإسلام في مايو سنة 1951 بهذه الصراحة الأدبية، والشجاعة العلمية، فقال: إن القول بأن الإسلام مجرد رسالة روحية، هي كلمة ألقاها الشيطان على لساني!!!

شجاعة وقوة قد يعجز عنها الكثيرون.

ومنهم: الأستاذ منصور فهمي

المتوفى سنة 1959 في باريس،  رسالته الدكتوراه بعنوان: أحوال المرأة في الإسلام.

هذه الرسالة لم تطبع في العالم العربي، وإنما طبعت في فرنسا سنة 1913، وأشرف عليها مستشرق يهودي كبير، وقد امتدحه في المقدمة بأنه أنار له الطريق!!!

منصور فهمي هو صاحب عبارة: الإنسان وحده ﻻ شريك له!!!

في كتابه هذا تجده مثلاً تحت عنوان: نحو تحرير المرأة، يقول: إن القرآن، أو إله القرآن صفع المرأة بالدونية!!! وله كلام كثير من مثل هذه الطامات، والموبقات.

إلا أنه بعد فترة تراجع وانضم إلى جمعية الشبان المسلمين في القاهرة، وكتب مقدمة كتاب: معجم الأدوات والضمائر في القرآن الكريم، وهو مكمل لكتاب: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، وقال في مجلة (حياتك)، عدد ديسمبر 1958: انحرفتُ قليلاً، حيث كانت معلوماتي عن الإسلام طفيفة.

ولما زار الشيخ حسونة النووي في القاهرة، قال له الشيخ حسونه-كما في مجلة لواء الإسلام 1378 هجرية-: يقولون إنك ملحد؟ فقال: نعم! فقال له: أنصحك أن تقرأ القرآن الكريم، وحديث رسول الله صل الله عليه وسلم.

وقد أخذ بالنصيحة، فيقول: أحسستُ بجهلي بديني! ثم صحح الرؤية، وعاد لصوابه، وقال: رأيتُ في القرآن والإسلام ما ﻻ يخطر على بال.

ثم كان له انتقاد رصين لحقوق الإنسان في الحضارة الغربية، مقارنة بالقرآن الكريم.
ومنهم كذلك: محمد حسين هيكل

وهو غير محمد حسنين هيكل السياسي المشهور.

هذا الرجل لما ألّف علي عبد الرازق كتابه: الإسلام وأصول الحكم رحّب فيه بمقال في جريدة السياسة، التي كان يديرها سنة 1925، ومدح كتاب علي عبد الرازق الذي فرغ الإسلام من محتواه السياسي، والتطبيقي، والدولة، ولكنه بعد 10 سنوات ألّف كتابه الكبير: حياة محمد، وكتب مقدمة قال فيها: إن الإسلام دين شامل كامل، ينتظم كل مناشط الحياة، السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وأن فصل الدين عن الدولة أغلوطة!

فالحمد لله الذي بصره من العمى، وأرشده من الضلالة.

هذا التراجع، والاعتراف بالخطأ لم يَرُق للكثيرين، ومن بينهم: طه حسين، فقد رد على الشيخ محمد حسين هيكل، ووصمه بأنه إنسان رجعي وخرافي.

فقام هيكل في سنة 1937، وألّف كتابه: في منزل الوحي، وكتب مقدمة يرد فيه على طه حسين من غير أن يسميه، وقال: هؤلاء الذين يغمزون هم مثلي، كانوا ﻻ يعرفون عن تراثهم شيئاً، وكان يغيب عنهم من التراث أشياء كثيرة…إلى آخر رده عليه، بطريقة أدبية.

ولاحظوا كيف كان جريئاً في اعترافه بالجهل بالإسلام، الذي جعله يصل إلى تلك النتائج الجائرة في بداية الأمر.

ومن المفكرين والكتاب الرموز الذين اعترفوا بأخطائهم، وراجعوا أنفسهم، وأعلنوا ذلك على المشهد والناس، بشجاعة أدبية: الكاتب الكبير خالد محمد خالد

في سنة 1950 ألّف كتابه الشهير: من هنا نبدأ!!

من أي شيء تبدأ يا أستاذ خالد؟ قال: مِن فصل العلاقة بين الإسلام، والدولة، والسياسة، والعمران الاجتماعي!! أي أنه كرّر مسألة الشيخ علي عبد الرازق وغيره، ولذا فقد تلقف فكره هذا مؤسسات داخلية وخارجية، وأحدث هذا الكتاب ضجة كبيرة.

ولكن يا تُرى من الذي تصدى له بهدوء ؟!!

إنه الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالى.

فقد رد عليه بكتاب بعنوان: من هنا نعلم! وقد طبع من هذا الكتاب عشرات النسخ.
فما كان من خالد محمد خالد إلا أن تراجع عن فكرته تلك  بكل شجاعة أدبية ونضج، وألّف كتاباً بعنوان: الدولة في الإسلام.

العجيب في الأمر أنه يتم الترويج للكتاب الأول، في حين يسكت عن الكتاب الثاني، ولا يذكر!!
ومن هؤلاء الكبار: العالم اللغوي النحوي المختص في البلاغة الدكتور فاضل السامرائي

صاحب العبارة الجميلة: يوم الإيمان!

ما قصة يوم الإيمان يا دكتورنا الفاضل؟

عندما يتكلم عن سيرته الذاتية يقول: كنت أشك في وجود الخالق! وكان هذا الشك يؤرقني، وكنتُ أبحث عن الحقيقة. ثم يقول: ما كنت أظن أنه يوجد أحد مؤمن على الحقيقة!! فالناس نوعان: إما ملحد يكتم إلحاده، وإما ملحد يعلن إلحاده!! أما البقية فهم يتظاهرون بالإيمان! فلا يوجد شيء اسمه إيمان!!

ثم يقول: ما كنت أحسب أن أحداً يستطيع إقناعي بالإيمان! لماذا؟ لأن مثل هذا عنده نماذج تصورية سابقة، تؤثر على تفكيره، فتشلّه. فكان هذا الشيء يقلقه حتى أنه لا يستطيع النوم، من شدة التفكير!

يقول: كنت أمشي في السوق، فأسهو وأنا أفكر!!

فقد كان يفنى في هذا القلق الفكري، وهذا قلق إيجابي؛ لأنه يبحث من خلاله عن الحقيقة، بخلاف البليد الذي تبنى فكرة، وجمد عليها، وهي خاطئة.

ثم بعد ذلك ذكر قصته مع البعوضة التي كانت هي، وعالم الكائنات الحية، والمنظومة العلمية، سبباً في عودته للإيمان، ويألف لنا كتابه العظيم: نبوة محمد من الشك إلى اليقين.
ومن هؤلاء أيضاً، وربما يكون أشهرهم إعلامياً، وأكثرهم حضوراً إلى يومنا هذا رغم وفاته، إنه: الدكتور مصطفى محمود…

والدكتور مصطفى محمود كان في بداياته يقول: كانت أسئلتي متمردة، وأنا ما بين 13 و14 من عمري، أسئلة المتمرد عن وجود الله تعالى، وعن الخلق، وعن الغيبيات، وغير ذلك… وقد ذكر ذلك في كتبه التي  رجع فيها عن إلحاده.

يذكر الأستاذ محمد محمد حسين، الكاتب الإسلامي الكبير، والأديب الناقد، في كتابه: الاتجاهات الوطنية في الأدب العربي المعاصر: أن الناس عندما رجعوا من الحج في النصف الأول من القرن الفائت، كانوا مرهقين، وانتشر بينهم مرض معين، فما كان من الدكتور مصطفى محمود إلا أن نسب ذلك كله لماء زمزم!! وهذا من أعجب العجب.

ولكن إذا أراد الله أمراً أمضاه، فأصبح مصطفى محمود بعد مدة من الزمن أشهر شخصية ضد الإلحاد، والزندقة، ومنكري فكر الغيب، والطاعنين في الأديان! فألّف كتابه الشهير: حوار مع صديقي الملحد، وكتابه الآخر: رحلتي من الشك إلى اليقين، وغير ذلك من الكتب الكثيرة التي ألّفها في النسبية، ككتاب: رأيت الله!

كتب كثيرة له يتكلم فيها عن تجربته، ويناقش فيها المفكرين الآخرين.

ثم إن مصطفى محمود سجّل ما يقارب 400 حلقة تلفزيونية، لأشهر برنامج في التليفزيون المصري، بل والعالم العربي، وهو برنامج: العلم والإيمان، والمعروف عنه أنه كان يتعب كثيراً في تحضير دروسه.

ومن الشخصيات الأشهر في إحداث ضجة ثقافية على مستوى العالم الإسلامي كله، وعلى مستوى السياسة في بلده، لأنه كان من أشهر الرموز الأدبية، ومن الكتاب الكبار، ألا وهو: طه حسين….

ويعتبر طه حسين الابن البار للمدرسة الفرنسية، فقد تبنى أفكار مدرسة دوركايم الاجتماعية، ثم تبنى في دراساته وكتاباته في النقد مدرسة ديكارت الشكية، إلا أنه فهمها فهماً  مغلوطاً، ونقول هذا بمليء الفم.

أما كتابه الذي صنع ضجة كبيرة في مختلف الأوساط، فهو كتاب: في الشعر الجاهلي!!

فقد تكلم فيه عن مرويات الشعر الجاهلي، وأنه يجب محاكمتها إلى العقل، وقلد واستعار مدرسة المستشرق مارجليوث، وقد تطرق في هذا الكتاب إلى القرآن الكريم!! فماذا قال؟!
قال: للتوراة أن تحدثنا عن قصة إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، ولكن باختصار إن الحديث القرآني عن إبراهيم وإسماعيل لا يدل على وجودهما حقيقة!!! فبدأ يفرق بين هذا وذاك، ووقع الإشكال، وصارت الضجة السياسية، الثقافية، الفكرية، في مصر.

عندها انبرى له من يقوم بالرد عليه من الجانب الثقافي، فكانت هناك ردود كثيرة علمية أكاديمية، لنقاد مرموقين في الأدب العربي، مثل:

ناصر الدين الأسد، الوزير الأردني المعروف، ومنهم خصمه اللدود
الأستاذ الأديب مصطفى صادق الرافعي، في كتابه: تحت راية القرآن، حيث يقول في قصيدة له في هذا الكتاب:

إسفنجة جاءت لشرب البحر             وشمعة أضاءت لشمس الظهر

والشيخ طه في انتقاد الشعر                             ثلاثة مضحكة  لأمري

ثم إنه شكك في فهم طه حسين لمنهج ديكارت.

ومنهم كذلك: العلامة مصطفى صبري، في كتابه: موقف العقل، حيث شكك في فهمه منهج ديكارت.

كما أن العلامة الأديب محمود شاكر في مقدمة كتابه: الطريق إلى ثقافتنا، تكلم على عدم فهمه لمنهج الشك. وغير ذلك من الردود.

إلا أن أكثر الردود التي أوجعته، كان رد العلامة محمد الخضر حسين، شيخ الأزهر، وهذا باعترافه هو.

ثم بعد ذلك تراجع طه حسين، وسمى كتابه: في الأدب الجاهلي، بدلاً من: في الشعر الجاهلي، وحذف منه تلك العبارات المنكرة، والأقوال الفاسدة.

كما أنه في سنة 1936 ألّف كتابه: مستقبل الثقافة في مصر! في الترويج والتسويق للحضارة الغربية، والتفاني فيها، والمطالبة بالسير على خطى الغرب شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، أو كما قال: أن نأخذ من الغرب حلوه ومره، حتى نلحق به!!!

وقال: إن العقل المصري عقل يوناني، وليس عقل أقرب إلى العقل اليوناني منه إلا العقل الشرقي! وتكلم بكلام طويل يسوّق فيه الليبرالية، ويوظف الدين لخدمة هذه الفكرة البائسة!

إلا أن طه حسين بعد معارك كثيرة، وطوفان كبير من التجاذبات، والحراك الثقافي السياسي المتداخل، يأتي وينتقد الحداثة الغربية بكاملها التي روّج لها! وكتب في مقاله الأسبوعي حديث الأربعاء: يجب ألا نقلد الحداثة الغربية، فالحضارة الغربية تقليد القرود! وتكلم عن الشباب المفتون الذي يذهب إلى بلاد الغرب، وينبهر بحضارتهم المزيفة، ويعود بعد ذلك إلى بلده ليكون أستاذاً يبشر بتلك الحضارة، ويدعو لاقتفائها بقضّها وقضيضها، كما حدث معه هو شخصياً.

وجاءت مجلة العربي لتتحدث عن ذهاب طه حسين إلى الحج، ووقوفه أمام الحجر الأسود، وانتحابه بدموع الندم والصفاء والخشوع، إلا أن هذا الأمر لم يأخذ حقه في النشر، والإظهار.
وهذا عبد الحليم عويس، المؤرخ المصري، ألقى محاضرة قال فيها: لماذا تخفى عودة طه حسين إلى الحق، وتراجعه عن أفكاره؟!! واستشهد على صحة كلامه في رجوع طه حسين عن أفكاره بأبرز تلاميذه، وهما الدكتور محمد عبد المنعم، والدكتور علي علي صبح، حيث ذهبا إليه في آخر عمره بمجمع اللغة العربية، وكان محمولاً، فاعترف طه حسين أن كتابه: في الشعر الجاهلي، كان من أجل الحراك، والشهرة، والأضواء!!

وفي عام 1971 سئل طه حسين عن طباعة كتابه: مستقبل الثقافة في مصر، فقال: إن فيه أموراً لا بد من إصلاحها!!

ولكن كما العلامة محمود شاكر في كتابه الضخم: المتنبي، الحائز على جائزة الملك فيصل، قال: مشكلة هؤلاء -يقصد طه حسين وأمثاله- أنهم يخطؤون في العلن، ويتراجعون في السر!

وهذا صحيح؛ إلا أن التراجع أيًّا كان شكله، فهو مقبول وحسن، علماً أن طه حسين تراجع وصرح بذلك علانية! فعندما سأله الشيخ متولي الشعراوي في لقائه معه: ماذا تسمع؟!
فأجاب طه حسين بقوله: أنا في أيامي هذه ﻻ أسمع إلا القرآن الكريم!

ومن المفكرين الكبار الذين كتبوا عن تجربتهم الثقافية، والفكرية، والسياسية، العملاق:

علي عزت بيجوفيتش…

رئيس جمهورية البوسنة والهرسك، رحمه الله تعالى.

هذا الرجل العظيم، والمفكر الكبير، كتب عن تجربة الشك وهو في ريعان شبابه، في سن الخامسة عشرة من عمره، يقول: بدأ  الشك يتسرب إلى إيماني، وكانت الشيوعية الإلحادية في يوغوسلافيا تنشر منشوراتها، يقول: ونحن نقرأ في كل شيء، إلا أنني كنت ﻻ أعتقد أن كوناً ليس له إله يكون كوناً مستقيماً! أو يكون له معنى!

ثم يقول بعد ذلك: وغاب الإيمان التقليدي الذي ورثته من أهلي، وحل محله إيمان علمي أكثر يقيناً، بعد مرحلة الشك.

كانت تجربة عظيمة له، وبعد ذلك أصبح من أكبر المفكرين، وأحدث كتابه: الإسلام بين الشرق والغرب ضجة عالمية كبيرة.

هذا الكتاب الذي كتبت عنه دراسات كثيرة، ينتقد الفكر المادي، ويحلل ويقدم الإسلام في منظوره الحضاري، وأثره في الفكر الإنساني.  واقرأوا ماذا قال عنه أنيس منصور، وعبد الوهاب المسيري!

ومن هؤلاء كذلك: زكي مبارك

أديب ناقد، لكنه من أصحاب المعارك الأدبية مع طه حسين، والعقاد، والرافعي.

هذا الرجل ألّف كتاباً سماه: الأخلاق عند الغزالي! وهو عبارة عن رسالته في أطروحته العليا الجامعية، والمقصود بالغزالي هو الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي، المتوفى سنة 505 هـ.

زكي مبارك يعترف اعترافاً عجيباً في سبب تأليفه لهذا الكتاب، حيث يقول: عندما أردتُ انتقاد الغزالي، كان قصدي من وراء ذلك هو الشهرة لا غير!! والشهرة لا تكون إلا بالحديث عن العظماء، ومحاولة انتقادهم، وتخطئتهم!

وقد صرّح بهذا الكلام في بداية مناقشته لرسالة الدكتوراه على المنصة، أمام الناس، وقال: إليك أعتذر أيها الغزالي!

وقد ذكر ذلك في كتابه: معارك زكي مبارك الأدبية. لا شك أنها شجاعة أدبية.

ومن هؤلاء أيضاً: زكي نجيب محمود

الفيلسوف العلمي صاحب كتاب: المعقول واللامعقول في الفكر العربي، وكتاب: تجديد الفكر العربي، وكتاب: ثقافتنا في مواجهة العصر، وعشرات الكتب غيرها.

كان العقاد يسميه: أديب الفلاسفة، وفيلسوف الأدباء.

وبعد أن كان يتبنى الفكر الغربي المادي في كتابه: تجديد الفكر العربي، أخذ يتكلم عن غفلته عن تراثه، وكيف أصبح في السنين السبع الأخيرة يزدرد التراث، ويحاول اللحاق، فيقرأ ويكتشف أشياء ما كان يعرفها من ذي قبل. وبدأ يرجع، ويصحح المسيرة، ويعترف بما عندنا من حضارة، وينتقد، وينظر إلى الحضارة الغربية بعين الناقد، ﻻ بعين المنبهر!
ومن هؤلاء كذلك: العقل الجبار الفيلسوف عبد الرحمن بدوي

صاحب كتاب: سيرة ذاتية! تحدث عن سيرة حياته في هذا الكتاب، حيث يقول: أتينا بالصدفة، وسنذهب بالصدفة، والتقى الحيوان المنوي بالبويضة بالصدفة، والزوج والزوجة بالصدفة، كل شيء بالصدفة!!!

فقرة غير مفهومة:(هذا الرجل الذي لم يسلم من قلمه أحد، ﻻ مستشرق، ولا غربي، ولا عربي، هذا الرجل تبنى الفلسفة الوجودية الغربية، فرسالته الدكتوراه في أوروبا كانت الزمان الوجودي هذه طبعا ناقشها في القاهره لكن من الذي اشرف عليه طه حسين مصطفي عبد الرازق العلامة علي عبد الواحد وافي استاذ اﻻجتماع الكبير المستشرق باول كراوس عميد الكلية حسن ابراهيم هذا الرجل تجلي في المناقشة كنا يقول انيس منصور في كتابه  كانت لنا ايام في صالون العقاد يقول حملوه علي اﻻكتاف تجلي في المناقشه وهو شاب في الماجيستير والفلسفة في الدكتوراه في اللغة اللاتينية واليونانية واﻻنجليزية والفرنسية واﻻلمانية واﻻيطالية واﻻسبانية والعريية هذا الرجل بعد ان اندمج في الفكر الغربي والف كتابه اﻻنسان والوجودية في الفكر اﻻنساني يعني يقول يطبق الفكر الوجودي ويبحث له عن شواهد في الفكر اﻻسلامي كما صنعوا جميعا هذا الرجل في اخر حياته لما يسير في فرنسا وينضج اكثر ويسقر يؤلف لنا كتب بعد موسوعات في الموسوعة الفلسفية الضخمة يا رجل شلخ اينشتاين في مفهوم الزمن موسوعة المستشرقين هذا الرجل غريب يا جماعة غير متزوج ولا له شغل بالحياة اللاوندي الف كتاب معاه في فرنسا الصحفي المصري المعروف اسمه عبد الرحمن بدوي فيلسوف الوجودية الهارب الي اﻻسلام ويناقشه ثم يرد علي المستشرقين الذين درسهم يطلع كتاب الدفاع عن الرسول وكتابه الثاني دفاع عن القران وكتابه الثالث ما ترجم والدفاع عن اﻻسلام  هذه تجربة ليست سهله لعبد الرحمن بدوي وتحتاج الي وقفات طويله).

ومن هؤلاء أيضاً: عبد الوهاب المسيري…

هذا الرجل المفكر الذي تبنى الشيوعية، والإلحاد!

عبد الوهاب المسيري صاحب الموسوعة الصهيونية، كيف تخلص من الحضارة الغربية، وسطوتها؟ كيف اخترقها، ودرسها، وأعاد بناء النظر إليها؟ كيف قرأ تراثنا؟ كيف رجع إلى القران؟ كل هذه الأسئلة تجد جوابها في كتابه المعروف: رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمر! من أروع ما قرأتُ في السيرة الذاتية؛ لأنها سيرة ذاتية، علمية، فكرية، وقد حاز هذا الكتاب على جائزة معرض الكتاب في القاهرة.

ومن هؤلاء كذلك: محمود شاكر…

العلامة، اللغوي، الأديب، النقاد، في كتابه: رسالة في الطريق لثقافتنا يتكلم عن السنين العشر التي عاشها في الشك! السنين العشر التي عاشها في الحيرة بين الثقافات، والمدارس، والمذاهب النقدية، والأدبية، والفكرية، ثم بعد ذلك رجع إلى اليقين، وصار من أكبر المدافعين عن الإسلام، والدين، والحضارة، والقرآن.

وكتابه: أباطيل وأسمار، كتاب عميق في نمطه! واقرأ مثالاً عليه في نقده لطه حسين في عدم فهمه وخلطه بين كلام ابن قتيبة صاحب كتاب: الشعر والشعراء، وبين ابن سلام الجمحي صاحب كتاب: طبقات فحول الشعراء.

كذلك من الذين راجعوا أنفسهم، ورجعوا إلى الحق: إسماعيل مظهر…

هذا الرجل تبنى الدارونية! وترجم كتاب أصل الأنواع لدارون، وألّف في الدارونية، حتى رد عليه محمد رشيد رضا، العلامة تلميذ الشيخ محمد عبده، في مقاله بعنوان: طبقات الملاحدة، ووسمه بالإلحاد!

هذا الرجل في آخره يرجع عن الدارونية، ويؤلف: الإسلام ﻻ الشيوعية، ويؤلف: الإسلام أبداً.

التجارب كثيرة في قضية المراجعات الفكرية، إلا أننا نقول: إن المراجعات الفكرية تدل على قوة الشخصية، فعندما تتراجع عن باطل، ويكون ذلك في العلن، وتؤلف ضد نفسك كتاباً، وتشهره للناس، فهذا غاية الشجاعة، والرجولة.

وهي تدل كذلك على نضج انفعالي، وعقلي، مشترك.

كما أنها تدل على أهمية دراسة الأشخاص في تسلسل تاريخهم، حتى نعرف كيف نحكم عليهم بالحكم الصحيح، بلا غلو، ولا جفاء.

وهي رسالة إلى الشباب، وعشاق المعرفة، بالتريث، وعدم الاندفاع وراء كل جديد، وتحكيم العقل على العاطفة.

ثم إن الرجوع إلى الحق هو شرف لك أنت قبل غيرك!

فقف مع نفسك، واشرح قناعتك الشخصية، ولا عليك من كلام الناس، بل المهم ألا تكون متناقضاً مع نفسك.

وفقنا الله جميعاً للحق.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى