close
وياكم 2015

وياكم 2015 الحلقة الثانية سمو الحب

Screen Shot 2017-05-24 at 2.04.56 PM

سمو الحب

هل تسمحون لي أن أتحدث عن الحب؟!!

ولكن لماذا أتحدث عن الحب؟

لأن الحب يغتال.

لأن الحب لا أقول: إنه مات فحسب، ولكنه ذبل، وتشوه، وتوحش.

لأن الحب أصبح إذا ذُكر انصرف الذهن والمشاعر والأحاسيس نحو جسد المرأة، وصورها بما ينافي كرامة المرأة!!

لا بد لي أن أتكلم عن الحب، وكما أن لكل شيء معياراً، فلا بد أن يكون للحب معيار؛ ولكن قبل ذلك لا بد أن أمهد بمقدمتين، ثم قصة واقعية حدثت معي شخصياً، وآلمتني كثيراً، ثم ما الذي يوقع بناتنا في الحب الخطأ، وكذلك أولادنا في الجرأة على هذه الخطوات الخطأ، والنتيجة أن الاثنين خاسران؟!!

أما المقدمة الأولى:

فيقال لنا: أنتم أهل دين، وصلاة، ومساجد، وقرآن، وأساتذة جامعات، إما شريعة، وإما ثقافة إسلامية، وإما عقيدة، إلى هذه الدرجة تبالغون وتتكلمون في الحب؟!

والذي يفهم من هذا السؤال أن الحب لا علاقة له في الدين، وأن التدين مفهوم كهنوتي مستورد أسطوري خرافي لا علاقة له في الحب!! وهذا كلام مغلوط، لا علاقة له هو في الدين الصحيح، بل لا علاقة له حتى في الدين المتحرف؛ لأنه لا بد للإنسان من أن يحب، ثم هو بعد ذلك يعبر عن حب كل واحد بطريقته، وبالمفاهيم التي عنده، أو بالتجربة الشخصية التي عنده، أو بالبيئة التي تدفعه دفعاً أحياناً إلى أن يسلك سلوكاً معيناً.

كيف لا يتكلم الإنسان عن الحب؟

بل كيف لا يتكلم أهل الدين في الحب؟ وعبادة الله سبحانه وتعالى مرتكزها الأول الحب.

الحب هو الرأس من الطائر، والجناحان هما الخوف والرجاء، الخوف من ضياع هذا الحب، والرجاء في ثمرة هذا الحب.

ونحن نرى ماذا يحدث في هذا الحب؟ وإلى أين يتجه؟

هذه هي المقدمة الأولى.

 

 

المقدمة الثانية:

أن هذا الحب الذي أتكلم عنه تحدث عنه علماؤنا من مئات السنين، بل ألّفوا فيه مؤلفات عجيبة غريبة.

هناك كتاب بعنوان: “الواضح المبين فيمن استشهد من المحبين“، للإمام مغلطاي، عالم كبير، وفقيه محدث، من علماء القرن الثامن الهجري.

وهذا الإمام ابن القيم ألّف مجموعة كتب في هذا المجال، ككتاب: “الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي“، كتاب كامل في الجواب عن العشق، وأحكامه، ومراحله، وقصص هؤلاء العاشقين.

وكتاب آخر أكبر من سابقه وهو كتاب: “روضة المحبين ونزهة المشتاقين“، والذي قالت عنه فاطمة المارنيسي، المفكِّرة والكاتبة العلمانية المغربية: إنه أفضل كتاب في الحب!!

ولذلك نجد القرآن الكريم تكلم عن العلاقة بين الجنسين، وتكلم عن الحب الخاطئ، وتكلم حتى عن العلاقات اللاخلاقية، لماذا؟

لأن الحب سلوك بشري، فيجب أن يتعلق به حكم شرعي، ويُرشَّد إيمانياً.

أما الحادثة التي استوقفتني فهي كالتالي:

في أحد الأيام وأنا خارج من الكلية تبعني أحد الطلبة إلى السيارة، وقال لي: يا دكتور أنا لا أستطيع أن أقدم الاختبار الأيام القادمة!

فقلتُ له: ولماذا يا بني؟

فقال: بالأمس حدثت لي صدمة نفسية مشاعرية عنيفة، هزت كياني كله، وجعلتني كالمجنون!!

قلتُ:

وما الذي حدث؟

فقال:

تعلقت بفتاة وأحببتها، وكان التعلق في البداية عبارة عن اتصال هاتفي، ثم استمر هذا التعلق وتطور إلى تعارف، إلى تآلف، إلى تكاتف، إلى حميمية، إلى فناء، إلى دمار!!

لكنني في الحقيقة إنسان نظيف، ليس لدي تلك الأفعال المشينة، أو النيات الشيطانية! وعندما وجدتها من خلال الحديث معها إنسانة طيبة، وكلامها موزوناً، حاولت اختبارها بالكلام؛ لكنها لم تستجيب إلا لهذه العلاقة، فاقتنعت بأخلاقها، وأحببتها، وكما يقال: الأذن تعشق قبل العين.

المهم أنني صارحتها، وقلت لها: لقد أحببتك، وأريد أن أتقدم لك.

فقالت لي: لا أستطيع، فأنا لا أصلح لك!!

فقلتُ لها: ولماذا لا تصلحين لي؟!!

هل القضية قضية مال، أو أصل، أو مذهب؟ أو غير ذلك؟!

فقالت: بل أكبر من ذلك!!

فقلتُ لها: وما هو؟

فقالت: لأنني ولد، ولست بنتاً!!!!

فأنا صبي ناعم، وقد عشت معك الدور، لكنني لا أصلح لك زوجة.

لا شك أنها قصة مؤثرة، ولها من الإيحاءات، والدلالات الشيء الكثير.

وكثيراً ما كنت أسأل البنات سواء في المحاضرة، أو عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، أو غير ذلك:

ما هو أكثر ما يسقط البنت؟

أو ما الذي يجعل البنت الطيبة المهذبة تثق بشخص غريب، فتستدرج، ثم تقع الفأس بالرأس، والخنجر المسموم يؤدي دوره؟

فكانت أكثر الإجابات تقول: المديح!!

أي مدح البنت، والثناء عليها، ونفخها، فمثل هذا الكلام مؤثر؛ لأن الإنسان يحب تقدير الذات؛ وأحياناً يكون المدح فنياً، وكما نعلم فالبنت سماعية، والرجل أو الذكر بصري، والبنت أسماء، والرجل أفعال، هذه واحدة.

ثانياً: هل كل من مدحني صادق في مدحه؟

ثالثاً: كيف أتعامل مع هذا المدح أياً كان المادح؟

لأن القرار بيدك أنتِ، وليس بيد الشاب، فردة الفعل أنتِ المحاسبة عليها، سواء كانت ردة فعل واعية، أو ردة فعل ناضجة، أو ردة فعل وازنة، أو ردة فعل متهورة، أو ردة فعل هوجاء، أو ردة فعل طفولية! فلا تلومي الآخرين، وإنما لومي نفسك.

رابعاً: هناك ما يعرف بالتكيف مع الواقع، وهناك الهروب من الواقع:

أما التكيف مع الواقع: فنقصد به أن الجو كله يقول للمرأة إن قيمتك في الاستعراض الظاهري، وفي المظهرية!!

فأقول: ومن منا لا يحب التجمل والتزين؟!

كلنا ذاك الشخص، وهذا مقصد جميل؛ ولكن الإشكالية في الاستعراض أو كما قال الأديب مصطفى صادق الرافعي في وحي القلم، عن هذا النوع: وهي حين تطالع مرآتها لتتبرج وتحتفل في زينتها، تنظر إلى خيالها في المرآة بأهواء الرجال، لا بعيني نفسها؛ ولهذا تبالغ أشد المبالغة؛ فلا تعنى بأن تظهر جميلة كالمرأة، بل مثمرة كالتاجر!!

والمعنى أنها تستبطن دور الذكر الماجن لكي ينظر لهذا الاستعراض الذي يمجه الذوق السليم، بل يمجه أصحاب الحرية المطلقة، والتحرر المنفتح!

وهناك من الذئاب البشرية من يعرف أين ومتى يقتنص الفرصة، ويوقع فريسته في الشباك.

وأما الهروب من الواقع: فهذا الدكتور حمود القشعان، خبير الأسرة والدراسات الأسرية الميدانية والعلاجية، له دراسة عن الخيانات الزوجية، يذكر فيها أن الكثير من هذه الخيانات يكون سببها الفراغ العاطفي من قبل الزوج، والتي تجده الزوجة خارج البيت، ومع الغرباء!! فتجد بعض الأزواج خارج بيته كالحمل الوديع رقة، وحناناً، وحلاوة لسان، فإذا دخل بيته تحول إلى وحش كاسر، قد كشر عن أنيابه، فلا تسمع منه كلمة طيبة، ولا تجد منه فعلاً حسناً!!

وكلنا يعلم أن الأسرة قائمة على الحب، والحنان، والتواصل، والسكن، والتراحم، فإذا فقدت هذه الأمور داخل البيت، بدأت الزوجة تبحث عمن يشبع عاطفتها خارجه، إذا لم يكن عندها دين يحجزها، وأخلاق، وقيم، وذات قوية تردعها، فكيف ببنات وفتيات صغيرات في السن، لا تعرف معنى الخيانة، والخداع، وهي في المقابل مقهورة محرومة من كل حنان في بيتها، ثم وجدت من يمنحها هذا الإشباع العاطفي، ويملأ هذا الحرمان عندها؟!!

لا شك أن مصيبة تكون كبيرة فعلاً.

لن أطيل كثيراً في الحديث عن الحب، بل سأختصره من خلال قصة: “سمو الحب”، للأديب مصطفى صادق الرافعي، في كتابه وحي القلم، وهو يتكلم عن أحد كبار التابعين، ومن تلاميذ الصحابة، ألا وهو عطاء بن أبي رباح، فما الحكاية؟

يقول الرافعي:

صاح المنادي في موسم الحج: “لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح”، وكذلك كان يفعل خلفاء بني أمية؛ يأمرون صائحهم في الموسم، أن يدل الناس على مفتي مكة وإمامها وعالمها، ليلقوه بمسائلهم في الدين، ثم ليمسك غيره عن الفتوى، إذ هو الحجة القاطعة، لا ينبغي أن يكون معها غيرها مما يختلف عليها أو يعارضها، وليس للحجج إلا أن تظاهرها وتترادف على معناها.

وجلس عطاء يتحين الصلاة في المسجد الحرام، فوقف عليه رجل، وقال: يا أبا محمد، أنت أفتيت كما قال الشاعر:

سل المفتي المكي: هل في تزاور … وضمة مشتاق الفؤاد جناح؟

فقال: معاذ الله أن يذهب التقى …        تلاصق أكباد بهن جراح!

ومعنى أبيات الشعر: هل صحيح أيها الإمام العالم أنك أفتيت لشخص سألك عن شيء من الضم لاثنين متحابين، وقلوبهما تحترق بعضهما على البعض؟

فكان جوابك: ومن قال إن التقوى تذهب بمثل هذا التلاصق بين المتحابين؟!!

يقول الرافعي:

فرفع الشيخ رأسه وقال: والله ما قلت شيئاً من هذا، ولكن الشاعر هو نحلني – أي تقوّل بها علي – هذا الرأي الذي نفثه الشيطان على لسانه، وإني لأخاف أن تشيع القالة في الناس، فإذا كان غد وجلستُ في حلقتي فاغدُ علي، فإني قائل شيئاً.

وذهب الخبر يؤج كما تؤج النار، وتعالم الناس أن عطاء سيتكلم في الحب، وعجبوا كيف يدري الحب، أو يحسن أن يقول فيه من غبر عشرين سنة فراشه المسجد؟ وقد سمع من عائشة أم المؤمنين، وأبي هريرة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن عباس بحر العلم?!!

وقال جماعة منهم: هذا رجل صامت أكثر وقته، وما تكلم إلا خُيِّل إلى الناس أنه يؤيد بمثل الوحي، فكأنما هو نجِيُّ ملائكة يسمع ويقول، فلعل السماء موحية إلى الأرض بلسانه وحياً في هذه الضلالة التي عمت الناس وفتنتهم بالنساء والغناء.

ولما كان غد جاء الناس أرسالاً إلى المسجد، حتى اجتمع منهم الجمع الكثير. قال عبد الرحمن بن عبد الله أبي عمار: وكنت رجلاً شاباً من فتيان المدينة، وفي نفسي ومن الدنيا ومن هوى الشباب، فغدوت مع الناس، وجئت وقد تكلم أبو محمد وأفاض، ولم أكن رأيته من قبل، فنظرت إليه فإذا هو في مجلسه كأنه غراب أسود، إذ كان ابن أمة سوداء تسمى “بركة”، ورأيته مع سواده أعور، أفطس، أشل، أعرج، مفلفل الشعر، لا يتأمل المرء منه طائلاً، ولكنك تسمعه يتكلم فتظن منه ومن سواده -والله- أن هذه قطعة ليل تسطع فيها النجوم، وتصعد من حولها الملائكة وتنزل!!

قال: وكان مجلسه في قصة يوسف عليه السلام، ووافقته وهو يتكلم في تأويل قوله تعالى: {وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون، ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء}.

قال عبد الرحمن: فسمعت كلاماً قدسياً، تضع له الملائكة أجنحتها من رضى وإعجاب بفقيه الحجاز، حفظت منه قوله:

عجباً للحب! هذه ملكة تعشق فتاها الذي ابتاعه زوجها بثمن بخس؛ ولكن أين ملكها وسطوة ملكها في تصوير الآية الكريمة؟ لم تزد الآية على أن قالت: {وراودته التي}، و{التي} هذه كلمة تدل على كل امرأة كائنة من كانت؛ فلم يبق على الحب ملك ولا منزلة؛ وزالت الملكة من الأنثى!

أقول: والإشارة كافية عن العبارة فيمن تتنازل عن قيمها، وتصل إلى هذا المستوى، وهكذا الإنسان قيمته وعلوه ودنوه في المجتمع يكون بحسب قيمه، وقيمتنا بحسب طاعتنا، {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}، فهذا شعار عند المسلمين، ومثل تذوب فيه كل العنصريات، والتقييمات، والعلامات الفارقة، فالتقوى هي السلاح الأقوى كما قال الحكماء.

ثم قال الرافعي:

وأعجب من هذا كلمة {وراودته}، وهي بصيغتها المفردة حكاية طويلة تشير إلى أن هذه المرأة جعلت تعترض يوسف بألوان من أنوثتها، لون بعد لون؛ ذاهبة إلى فن، راجعة من فن؛ لأن الكلمة مأخوذة من رودان الإبل في مشيتها؛ تذهب وتجيء في رفق، وهذا يصور حيرة المرأة العاشقة، واضطرابها في حبها؛ ومحاولتها أن تنفذ إلى غايتها؛ كما يصور كبرياء الأنثى إذ تختال وتترفق في عرض ضعفها الطبيعي، كأنما الكبرياء شيء آخر غير طبيعتها؛ فمهما تتهالك على من تحب وجب أن يكون لهذا “الشيء الآخر” مظهر امتناع، أو مظهر تحير، أو مظهر اضطراب، وإن كانت الطبيعة من وراء ذلك مندفعة ماضية مصممة.

ثم قال: {عن نفسه}، ليدل على أنها لا تطمع فيه، ولكن في طبيعته البشرية، فهي تعرض ما تعرض لهذه الطبيعة وحدها، وكأن الآية مصرحة في أدب سام كل السمو، منزه غاية التنزيه بما معناه: “إن المرأة بذلت كل ما تستطيع في إغرائه وتصبنيه، مقبلة عليه، ومتدللة، ومتبذلة، ومنصبة من كل جهة، بما في جسمها وجمالها على طبيعته البشرية، وعارضة كل ذلك عرض امرأة خلعت أول ما خلعت أمام عينيه ثوب الملك.

ثم قال: {وغلقت الأبواب}، ولم يقل “أغلقت”، وهذا يشعر أنها لما يئست، ورأت منه محاولة الانصراف، أسرعت في ثورة نفسها مهتاجة، تتخيل القفل الواحد أقفالاً عدة، وتجري من باب إلى باب، وتضطرب يدها في الأغلاق، كأنما تحاول سد الأبواب لا إغلاقها فقط.

{وقالت هيت لك}، ومعناها في هذا الموقف أن اليأس قد دفع بهذه المرأة إلى آخر حدوده، فانتهت إلى حالة من الجنون بفكرتها الشهوانية، ولم تعد لا ملكة ولا امرأة، بل أنوثة حيوانية صرفة، متكشفة مصرحة، كما تكون أنثى الحيوان في أشد اهتياجها وغليانها.

هذه ثلاثة أطوار يترقى بعضها من بعض، وفيها طبيعة الأنوثة نازلة من أعلاها إلى أسفلها، فإذا انتهت المرأة إلى نهايتها، ولم يبق وراء ذلك شيء تستطيعه أو تعرضه، بدأت من ثم عظمة الرجولة السامية المتمكنة في معانيها، فقال يوسف: {معاذ الله}، ثم قال: {إنه ربي أحسن مثواي}، ثم قال: {إنه لا يفلح الظالمون}، وهذه أسمى طريقة إلى تنبيه ضمير المرأة في المرأة، إذ كان أساس ضميرها في كل عصر هو اليقين بالله، ومعرفة الجميل، وكراهة الظلم.

ولكن هذا التنبيه المترادف ثلاث مرات لم يكسر من نزوتها، ولم يفثأ تلك الحدة، فإن حبها كان قد انحصر في فكرة واحدة، اجتمعت بكل أسبابها في زمن، في مكان، في رجل، فهي فكرة محتبسة، كأن الأبواب مغلقة عليها أيضاً؛ ولذا بقيت المرأة ثائرة ثورة نفسها، وهنا يعود الأدب الإلهي السامي إلى تعبيره المعجز فيقول: {ولقد همت به}، كأنما يومئ بهذه العبارة إلى أنها ترامت عليه، وتعلقت به، والتجأت إلى وسيلتها الأخيرة، وهي لمس الطبيعة بالطبيعة لإلقاء الجمرة في الهشيم!

جاءت العاشقة في قضيتها ببرهان الشيطان يقذف به في آخر محاولته، وهنا يقع ليوسف عليه السلام برهان ربه، كما وقع لها هي برهان شيطانها، فلولا برهان ربه لكان رجلاً من البشر في ضعفه الطبيعي.

وهذا البرهان يؤوله كل إنسان بما شاء، فهو كالمفتاح الذي يوضع في الأقفال كلها فيفضها كلها؛ فإذا مثّل الرجل لنفسه في تلك الساعة أنه هو وهذه المرأة منتصبان أمام الله يراهما، وأن أماني القلب التي تهجس فيه ويظنها خافية إنما هي صوت عال يسمعه الله؛ وإذا تذكر أنه سيموت ويقبر، وفكر فيما يصنع الثرى في جسمه هذا، أو فكر في موقفه يوم تشهد عليه أعضاؤه بما كان يعمل، أو فكر في أن هذا الإثم الذي يقترفه الآن سيكون مرجعه عليه في أخته أو بنته، إذا فكر في هذا ونحوه رأى برهان ربه يطالعه فجأة، كما يكون السائر في الطريق غافلاً مندفعاً إلى هاوية، ثم ينظر فجأة فيرى برهان عينه؛ أترونه يتردى في الهاوية حينئذ، أم يقف دونها وينجو؟ احفظوا هذه الكلمة الواحدة التي فيها أكثر الكلام، وأكثر الموعظة، وأكثر التربية، والتي هي كالدرع في المعركة بين الرجل والمرأة والشيطان، كلمة {رأى برهان ربه}.

يقول عبد الرحمن بن أبي عمار: ولزمت الإمام – أي عطاء بن أبي رباح – بعد ذلك، وأجمعت أن أتشبه به، وأسلك في طريقه من الزهد والمعرفة، ثم رجعت إلى المدينة وقد حفظت الرجل في نفسي كما أحفظ الكلام، وجعلت شعاري في كل نزعة من نزعات النفس هذه الكلمة العظيمة: {رأى برهان ربه}، فما ألممت بإثم قط، ولا دانيت معصية، ولا رهقني مطلب من مطالب النفس إلى يوم الناس هذا، وأرجو أن يعصمني الله فيما بقي، فإن هذه الكلمة ليست كلمة، وإنما هي كأمر من السماء تحمله، تمر به آمناً على كل معاصي الأرض، فما يعترضك شيء منها، كأن معك خاتم الملك تجوز به.

ولذلك لقبه أهل المدينة “بالقس”؛ لعبادته، وزهده، وعزوفه عن النساء.

وحدث أن عبد الرحمن القس مر يوماً ببيت تغني فيه جارية يقال لها سلامة، فوقف يستمع لغنائها، فلما علم به صاحب الدار دعاه للدخول، فأبى بداية ثم دخل وجلس، فخرجت عليه سلامة خروج القمر مشبوباً من سحابة كانت تغطيه، فلما رآها علقت بقلبه، وأحبها، وأحبته حباً شديداً، ثم أخذ بعد ذلك يتردد عليها بكرة وعشية، ولا يقدم على شيء من معصية الله تعالى، وهي في أشد الشوق له، والوله عليه، إلى أن جاءها يوماً وقد بلغ بها العشق والتتيم مبلغه، فتزينت له أجمل الزينة وأحلاها، وأعدت له مجلس الغناء، وبدأت تغنيه، وتشجيه، لعله يلين، أو يستجيب، لكنه كان يزداد ثباتاً ورسوخاً منها، فلما بلغ السيل الزبى عندها قالت له: أنا والله أحبك! فقال لها: وأنا والله الذي لا إله إلا هو! فقالت: وأشتهي أن أعانقك وأقبلك! فقال: وأنا والله! فقالت: فما يمنعك؟ فوالله إن الموضع لخالٍ! فقال: يمنعني قول الله عز وجل: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين}، فأكره أن تحول مودتي لك عداوة يوم القيامة”.

إني أرى {برهان ربه} يا حبيبتي، وهو يمنعني أن أكون من سيئاتك، وأن تكوني من سيئاتي، ولو أحببت الأنثى لوجدتك في كل أنثى، ولكني أحب ما فيك أنت بخاصتك، وهو الذي لا أعرفه، ولا أنت تعرفينه، هو معناك يا سلامة لا شخصك.

ثم قام وهو يبكي، فما عاد بعد ذلك.

إذن الإسلام ليس ديناً يعالج المسائل فقط، وإنما يوجد لك البيئة النظيفة التي تعيشها، فالإسلام منهج متكامل لكل الناس؛ ولكن يبقى أن المجتمع أيضاً مسؤول عن خلق مثل هذه الظروف التي تنشئ علاقات محرمة، فمسؤولياتنا الفردية زادت اليوم عن السابق بوجود وسائل الاتصال، ووجود بيئة غلبت عليها ثقافة الغريزة، وثقافة الشهوات، وثقافة الجسد، وثقافة الاستعراض، إلا أن الفرصة لا تزال موجودة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، والله سبحانه وتعالى يبدل سيئات التائب إلى حسنات، وهذا من عظيم فضله وكرمه ولطفه بخلقه.

Tags : الحبسمو