close
حديث الشبهات

حديث الشبهات الحلقة 13 ( آفاق جديدة للإعجاز القرآني )

Hadith Alshobohat EPS 13

حديث الشبهات

يقول أديب العربية مصطفى صادق الرافعي في كتابه تاريخ الأدب العربي، والذي طبع منفرداً بعنوان: إعجاز القرآن، واصفاً القرآن:

القرآن آيات منزلة من حول العرش، فالأرض بها سماء هي منها كواكب، بل الجند الإلهي قد نشر له من الفضيلة علم، وانضوت إليه من الأرواح مواكب، أغلقت دونه القلوب فاقتحم أقفالها، وامتنعت عليها أعراف الضمائر فابتز أنفالها، وكم صدوا عن سبيله صداً، ومن ذا يدافع السيل إذا هدر؛ واعترضوه بالألسنة ردًّا، ولعمري من يرد على الله القدر؟

كلنا يعلم أنه ما من نبي إلا وجاء بمعجزة ومنهج، والمعجزة شيء، والمنهج شيء غيره، فمعجزة موسى عليه السلام العصا، والآيات السبع، لكن منهجه التوراة، ومعجزة عيسى عليه السلام إبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الموتى بإذن الله، لكن منهجه الإنجيل، أمّا محمّد صلى الله عليه وسلم فمعجزته عين منهجه! ومنهجه عين معجزته، فالمعجزة القرآن، والمنهج القرآن، لماذا؟ وما هي آفاق هذه المعجزة؟

حول هذه الوقفات، والإضاءات، كان حواري مع الأستاذ أبو زيد المقرئ الإدريسي، من المغرب العربي، أستاذ الإسلاميات بجامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء.

قلتُ:

بداية نريد إضاءة حول حقيقة الإعجاز، تلك الكلمة التي درجت على اللسان، وغمض معناها، وتشتت فيها الدراسات؟

فقال:

الإعجاز الذي طرح في وجه منكري الوحي والرسالة هو مقتل هؤلاء المنكرين، ونقطة ضعفهم إلى قيام الساعة، ولهذا ما إن يثار بعض الحديث، وبعض التشكيك، والنقد، وبعض المراجعة لبعض الأخطاء التي وقع فيها بعض المتحمسين لقضية الإعجاز القرآني،        إلا واستلم الراية من جديد مشككون وملحدون، فرحوا بهذا الذي ظنوه مكسباً، وبدأوا يطرحون أصل السؤال للنقاش والمساءلة، وهو: هل الإعجاز موجود حقيقة؟ وهل القرآن معجز؟!!

في البداية لا بد من بيان أمرين؛ لكي لا يقع اللبس الذي دائماً يعتمد عليه الملحدون في تلبيسهم على الحق:

التمييز بين الإعجاز كحقيقة واقعة، وبين قدرة الإنسان على الإمساك بحقائق، وأوجه، وأعماق، وأبعاد، وآفاق هذا الإعجاز.

أولاً: الإعجاز حقيقة راسخة بموجب الوحي بالنسبة للمؤمنين، هكذا يقرؤون في القرآن، والناس بالمقابل علماء ومجتهدون عبر حركة التاريخ إلى قيام الساعة يجتهدون في الإمساك بأدوات هذا الإعجاز، وهم هنا بين جهد واجتهاد متواصل إلى قيام الساعة، أما كون الإعجاز موجوداً فالقرآن الكريم تعمّد تعمّداً مستفزاً أن يصرح به، بالخصائص الآتية:

أنه إعجاز، وهذا تكرر في القرآن ثلاث مرات: {فأتوا بمثله}، {فأتوا بعشر سور مثله مفتريات}، {فأتوا بسورة من مثله}، وهذا أسلوب مباشر.

أما غير المباشر فلا يمكن إحصاءها؛ لأنه يحتاج إلى بحث، كقوله تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً}.

وهو بالإضافة إلى أنه تحدي بالإعجاز، فهو إشارة إلى وجه من وجوه الإعجاز وهو الانسجام وعدم التناقض، مقابل الفكر البشري المليء بالتناقض، والنقص، والتضارب، والمفارقات.

ثانياً: القطع والجزم، {لا يأتون بمثله}.

ثالثاً: الاستفزاز، {ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً}.

تخيل كل هذه العقول الجبارة التي صنعت هذه الحضارة الإنسانية، وتخيل الجن وما عندهم من قدرات لا نعرفها، لو اجتمعوا جميعاً للإتيان بآية واحدة من القرآن ما استطاعوا أبداً.

التحدي: {وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين}.

التأبيد وهذا قمة الاستفزاز: {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا}.

فإذن القرآن الكريم يعلنها صريحة شاملة، فإنه لم يقل: لا يأتون بمثل خطابه، أو بلاغته، أو بيانه، وإنما قال: بمثله، فهو إذن شامل لكل المستويات اللغوية، والتشريعية، والتاريخية، والعلمية، فالقرآن راسخ في كل هذه المستويات، ومتحدي، ومستفز.

قلتُ:

الأستاذ محمود شاكر علامة اللغة المعاصر كان في بدايته يرى أن الإعجاز لغوي فقط، وأظنه قد غيّر رأيه عندما تقدم به العمر واتسع أفقه، فهل توافق على أن الإعجاز لغوي فقط؟

فقال:

كلاّ…

أولاً: بنص القرآن الإعجاز شامل؛ لأن العبارة جاءت على إطلاقها، وكلنا يعرف قواعد التقييد في أصول الفقه، وفي أصول التفسير.

ثانياً: الواقع بيّن أن امتدادات الإعجاز التشريعي، والإعجاز التاريخي، ما كتبه موريس بوكاي في موسى وفرعون، وما اكتشفه العلم الحديث وبيّنه العلماء، دون أن أحكي عن العاطفيين، أو المبالغين، أو المغامرين، بل أحكي عن الأمور اليقينية، وهذا يدل على أن الإعجاز شامل في الخطاب، وفي المنهج، والأفق.

إن هذا الإعجاز ممتد في بنية النص القرآني، إلا أن التحفظ الذي عندي وعند كثير من العقلاء في نقطة واحدة ومستوى واحد من الإعجاز ألا وهو الإعجاز العلمي؛ نظراً لالتباس الظاهرة العلمية، وتطورها، ونقد بعض ظواهرها لبعض، فإن كثيراً من الذين مارسوا هذا النوع من الإعجاز وقعوا في بعض التجاوزات، ومع هذا فإن الإعجاز العلمي مستويات:

إعجاز قطعي: كقضية كروية الأرض، التي أصبحت محسومة الآن، وكذلك سجر البحار {والبحر المسجور}.

إعجاز ملتبس: مثل قضية البرزخ، فما زال فيها نقاش طويل، وقد يقول بعضهم مثل طنطاوي جوهري في الجواهر في تفسير القرآن، في قوله تعالى: {خلقكم أطواراً}، بأنها نظرية دارون!

فالإعجاز في أغلبه – في رأيي – ما زال مفتوحاً، وسيأتي العلم لكي يثبت آفاق الإعجاز العلمي للقرآن.

قلتُ:

نفترض أن عالماً ما فسر الإعجاز العلمي في القرآن تفسيراً خاطئاً، فالقرآن لا يحاسب بفهمه، إلا أن العلمانيين وأنصارهم يفتشون عن من أخطأ في تفسير الإعجاز، فيجعلونه دليلاً!!

فقال:

صدقتَ، وهذا نوع من التلبيس المعروف عن المكابرين للحقيقة، أي حقيقة كانت، وبالأحرى حقيقة الوحي، ولهذا فبعض الذين قالوا: إن الإعجاز في الجانب اللغوي فقط، إنما أرادوا أن يذهبوا إلى هذا الجانب، ويطعنوا فيه، ويسخروا منه.

فعلى سبيل المثال: الأديب العلماني المعروف، والناقد، والشاعر، والكاتب، والمبدع المشهور، كمال أبو ديب، هذا الرجل وضع نظرية جديدة يتحدى بها الخليل بن أحمد الفراهيدي في علم العروض، واشتغل عليها بتمويلات أمريكية في المختبرات الصوتية الأمريكية، هذا الرجل يقول: القرآن ليس معجزاً؛ لأن وجه إعجازه اللغوي الذي يدّعيه المسلمون، ويفتخرون به، هو على حقيقة واحدة وهو أن القرآن لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله، فقال: وهذه المعلقات الشعرية الجاهلية الجزلة المتينة لا يستطيع أحد أن يأتي أحداً بمثلها!!

أقول: هذه مغالطة كبيرة جداً، فالقرآن الكريم ما قال: ائتوا بشيء فريد، وإنما قال: ائتوا بمثله، أي نقيض الفرادة، فهو يشير إلى الفرادة نوع من التغليط، وإلا فالبشر كبشر قد يأتي الواحد منهم بشيء فريد، لا يقلده غيره فيه، ولا يصل إليه، فيكون تحدي للناس، وليس تحدي للوحي، فمسرحية شكسبير لن تتكرر، ومعلقات الشعر الجاهلي لن تتكرر، وإبداعات أينشتاين لن تتكرر، فعندما يأتي عبقري بشيء فريد فهو تحدي للناس، أما القرآن فإنه لم يقل: ائت بشيء فريد، وإنما قال: ائت بمثل هذا، قلّده إن استطعت، هذا مستوى من التحدي، أي لو جئت بمثل القرآن تقليداً فأنا أسلم لك.

قلتُ:

أنت لديك رؤية جديدة تقول بأن فيها إضافة، وترجو أن تكون خدمة لكتاب الله سبحانه وتعالى بعد بحث ودراسة…

نريد أن نتعرف على هذه الزاوية من الإعجاز، وبين يدي شرحك أقرأ عليك هذا النص الجميل من كلام الرافعي في كتابه وحي القلم حيث يقول: (من معجزات القرآن الكريم أنه يدخر في الألفاظ المعروفة في كل زمن، حقائق غير معروفة لكل زمن).

فقال:

رحم الله الرافعي ورضي عنه، فبمثل هذه العبارات الجميلة يرسخ المعنى الحقيقي الذي اهتدى إليه المهتدون من عمالقة الأمّة، لأن جوهر الحديث عن تحدي القرآن، وبهذا التحدي يظهر أنه وحي، وأنه ليس من عند البشر، وإنما من عند رب العالمين.

جوهر الفكرة أن هذا القرآن يتجدد، وهذا يذكرنا بكلام واحد من الصحابة رضوان الله عليهم، وهو عبد الله بن مسعود حيث قال: القرآن يفسّره الزمان! وهي كلمة توقف شعر الرأس، إحساس من صحابي جليل في مرحلة ما زال العلم فيها جنيني، مبتدئ، لم يتطور في القرن الأول في بدايات النزول، لماذا؟

لأن القرآن الكريم وحي من عند الله عز وجل، صالح لكل زمان ومكان، وخالد بخلود هذه الدنيا، إلى أن تقوم الساعة، وهو رسالة مفتوحة، وهداية متعالية، ومصباح منير، فيه طبقات مثل الطبقات الجيولوجية التي تكون في الأرض، كل جيل يحفر بأدواته، ويضيء بمصباحه مرحلة، ومحطة، ومستوى، بضعة سنتيمترات يحفر فيها عمودياً ثم يتوقف، حيث عجزت آلة الحفر عن التقدم، حيث عجز العلم عن الاستمرار في دهاليز المناجم، والكنوز القرآنية، ودليلي على هذا: أن القرآن الكريم خالد وهو منذ 14 قرن لم تمس منه شعرة، فقياساً عليه وبنوع من الإسقاط البسيط كيف يمكن أن تأتي القرون القادمة بشيء يمسه، إذا كان ما تهالك من الكتب التي مستها أيدي التغيير والتزوير قد تساقط في قرن، أو قرنين، أو ثلاثة قرون؟!

ومثال واضح على ذلك: في القرآن الكريم آية تبين أن الله عز وجل قد حفظ هذا الكتاب، وهي قوله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}، فبقدر ما هي طمأنة للمؤمنين أن القرآن لا يتغير، وتيئيس للذين يتربصون به أن يغيروه، هي تحدي للناس جميعاً: إن لم تستطع أن تبطل القرآن بتزويره، فأبطله ببيان تناقضه مع تقدم العلم، والمعرفة، وبيان عدم صلاحيته للتشريع، وبيان ظهور هدايات، وإرشادات، وتشريعات أفضل منه.

ولهذا فإن التحدي الذي فتحه القرآن على نفسه متشابك، لكنه ليس هذا المعنى الوحيد الذي يتبادر إلى الذهن، وإنما يتبادر إلى الذهن معنى آخر: وهو أن القرآن يجيب على أسئلة كل عصر، وأنه صالح لكل زمان ومكان، تشريعاً، وهداية، وهذا ﻻ جديد عندي فيه، فهذه عقيدة المسلمين، وهذه لغة التاريخ، وهذه حقائق العصر، وهذا ما استدل عليه الزمان قبل أن يستدل عليه اللسان، وهذا مجمع عليه.

إلا أن الوجه الجديد عندي هو: أن كل مسلم يستطيع أن يتناول القرآن من زاوية جديدة، فيستكشف عالماً لم يسبقه إليه من قبله، ليفتح للآخرين عوالم، فكل باب تفتحه يعطيك في القرآن عشرة أبواب، وكل باب من هذه الأبواب العشرة يعطيك عشرة، وكل باب يعطيك مئة، والعلم يتقدم والأبواب تتعدد.

قلتُ:

وهذا لا يعني أنه يلغي أو ينتقص من جهود الماضي؟

فقال:

أبداً؛ لأنه نوع من التكامل، والحقيقة القرآنية الأولى كما فهمها السلف هي الأصل؛ لأنها هداية، وتشريع، وما تراكم إنما يزيد الإضاءة إضاءة، والتنوير تنويراً، واليقين يقيناً، والفهم فهماً.

فمثلاً: الوجه الجديد في الحديث عن خلود القرآن بعد بيان حفظه، وصلاحيته لكل زمان ومكان، هذا الوجه يستكشف بالإجابة على السؤال الآتي:

ما هي الآليات التي اعتمدها القرآن لتخليد ذاته؟ ولا شك أننا نؤمن بإرادة الله تعالى في ذلك، إلا أنه أمر لا دخل لنا فيه.

قلتُ:

إرادة الله عقيدة مسلّمة.

 

 

فقال:

مسلّمة، ولكنك كذلك تؤمن بأن كل الظواهر الكونية من إرادة الله تعالى وصنعه، ومع ذلك تبحث في الأسباب، فالقرآن الكريم استحدث آليات، ومفاهيم، ومصطلحات، وأساليب، وطرقاً فكرية، وتصورية، ولغوية لخلوده، نتعلم منها تعلمات منهجية، وتعلمات سياسية، وتعلمات تربوية.

ولأنني أحترم تخصصي فسوف أكتفي بزاوية صغيرة من تخصصي: وهي زاوية لغوية، فالقرآن الكريم يبقى صالحاً لكل زمان ومكان، هذا القرآن استعمل أداة لغوية لا يكاد يلتفت إليها هي الاسم الموصول، فالاسم الموصول الذي نعرفه هو: (الذي، التي، اللذان، اللتان، الذين)، نجد أن القرآن الكريم استعمل هذه اللفظة 1446 مرة! وهذا يطرح سؤالاً: لماذا هذا الحضور الكثيف لكلمة ليست مغرية من الناحية الجمالية؟ كلمة مبتورة مقطوعة لا تحيل على شيء في العالم الخارجي، فأنا لا أقول: جاء الذي، وأتوقف؛ لأنها لا معنى لها، بل أقول: جاء أحمد مثلاً، أما جاء الذي، فإنك تحتاج إلى جملة كاملة بعد الذي حتى تفهم المقصود.

إذن لماذا يترك القرآن الكريم الاسم البسيط، المشرق، الجميل، المحيل على العالم الخارجي، ويأتي إلى كلمة غير رشيقة، ولا مغرية، ولا مشرقة، بل ومبتورة، ومبهمة، لأنهم يقولون الاسم الموصول اسم مبهم يحتاج إلى جملة تصله بمن بعده، ولذلك سمّي اسماً موصولاً، ثم يستعمل بهذه الكثافة العددية؟ وبهذه الكثافة النوعية؟ 19 نوع من أصل 22 نوع: الذي، والتي، والذين، واللذان، واللاتي، واللائي، كلها مستعملة في القرآن الكريم، ومتوسط عدد صفحات المصحف 600 صفحة، فإذا قسمناها على هذا تعطيك 2.7 استعمال في كل صفحة تقريباً!!

فما سر هذا الاسم الموصول؟ وما وجه الإعجاز فيه؟ وما علاقته بالحديث عن خلود القرآن؟

إن لغة القرآن الكريم معجزة بصفتها لغة العرب، وبيان جمالها البلاغي بهذا الوجه إذا ترجم بقيت مستويات الإعجاز الأخرى كما هي محفوظة، وهذا المستوى أيضاً لم يفقد شيئاً من قوته؛ لأن الاسم الموصول مثلاً موجود في كل اللغات، فإذا ترجم، تفهم وظيفته التي أنا بصدد شرحها، كيف؟

الطريقة الوحيدة الأقوى والأنجع في فصل الموقف عن الشخص، وفي فصل القضية قولاً، واعتقاداً، وممارسة، واختياراً، وعقيدة، وانتماء، وإنجازاً، عن الشخص كمحدود، ومتحيز في الزمان والمكان، ومغلق، هي الاسم الموصول، فبدل أن تقول: جاء فلان، تقول: جاء الذي فعل كذا، أو اعتقد كذا، أو أنجز كذا، فالقرآن استخدمها بكثافة عالية جداً لافتاً للنظر، تطرح سؤال على أولي الألباب الذين دعوا لتأمل هذا القرآن وتدبره، خذ مثالاً واضحاً: لو كان القرآن خطاباً بشرياً، يمارس الأداء اللغوي بطريقة البشر، وعقلية البشر، فهل يعقل أن ينزل في وجه مشركي قريش واحداً وعشرين عاماً من أصل 23 سنة هي كل عمر الوحي، لأن قريشاً ما أسلمت إلا في السنة الثامنة للهجرة، عام الفتح، ثم لا توجد كلمة قريش إلا مرة واحدة؟!!

نحن عندما نخاصم بعضنا بعضاً: السياسيين، والنقابيين، والإعلاميين، والقضائيين، يذكر الواحد منا اسم خصمه عشرات المرات، أما القرآن الكريم فلا يذكر قريشاً إلا مرّة واحدة وفي سياق إيجابي مفتوح، وهو سياق: {لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف}!!

فانظر إلى صلاح القرآن لكل زمان ومكان، فلو كان القرآن صياغة بشرية وحاشاه من ذلك، يمارس الخطاب بعقلية البشر التي أحد ثوابتها الراسخة الزمان والمكان، كما قال نيوتن: مفهومان قبليان مطلقان سابقان على التجربة، وحتى لما جاء أينشتاين وبيّن أنهما ليسا مطلقين، وإنما نسبيان، لم يقل إنهما غير لازمين للتحليل البشري، والإدراك البشري، لا ندرك الحادثة إلا من خلال ثلاثية الزمان، والمكان، والشخص، فأي خبر يأتي في نشرة الأخبار يذكر فيه الفاعل في سياق زمان ومكان منسوب إلى حدث، أما القرآن الكريم فقد غيّر هذا، وهذا لا يتأتى إلا لنبي، فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما يتكلم عن حدث فإنه يتكلم عنه بالطريقة البشرية، فالدليل على أن هذا القرآن ليس من عند رسول الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يخبر عن الواقعة فإنه يخبر عنها بالطريقة البشرية، أما القرآن فيخبر عنها بالطريقة المجردة، فقريش ذكرت مرّة واحدة، فكيف ذكرت في كل المرات السابقة آلاف المرات، الذين أشركوا؟

قلتُ:

حاربوه حرب السنان، واللسان، والتهجير، والحصار، وما يذكرهم بالنص الصريح إلا مرة واحدة؟!

فقال:

لأن بقية المرّات ذكرهم بالذين أشركوا، لماذا؟

حتى يفك قريش الذات، قريش الشخص، حتى ينفك عن الشخصنة، ويسير للموقف، متى يظهر هذا الموقف؟

تخيل معي: لو أن القرآن خطاب على طريقة البشر، وكان قد ذكر قريشاً بكل سوء، فماذا نفعل بالقرآن الكريم، أو ماذا نفعل بقريش؟!

إما أن قريشاً لن تسلم أبداً، أو أننا نبدل القرآن، ونقول: يا رب العالمين انتهى دوره، واتنا بكتاب ثاني!! لأن هذا الكتاب تكلم عن قوم أسلموا، وأصبحوا غير معنيين بهذا الخطاب أصلاً، فكيف يعبدونك، ويتلون القرآن في الصلوات، وهو يتحدث عنهم، ويشتمهم، ويبيّن سفاهتهم، وظلمهم، وعدوانهم كأشخاص؟!

ولهذا يتعالى القرآن عن ذكر أسماء الأماكن، والأزمنة، والأشخاص، والأقوام، والقبائل، لأن القرآن كريم، أليس كذلك؟

قلتُ:

بلى.

فقال:

ومن صفة الكريم الغنى لأن الفقير ليس عنده ما ينفقه، فالقرآن كريم، والقرآن غني، لكن القرآن فقير في شيء واحد، واسمح لي أن أستفز المسلمين بهذه العبارة: فقير فقراً مقصوداً وهو الغنى بعينه، فقير في الأسماء الموسوعية وهي أسماء الأعلام، ولهذا لو أردتَ استخراج أطلس القرآن الكريم، فلن تظفر بأكثر من مجلد صغير؛ لأن أسماء الأماكن، والقبائل، والأشخاص في القرآن قليلة!

هل يعقل ألا يذكر القرآن إلا رجلاً واحد هو زيد، وامرأة واحدة إلا مريم؟! ثم يذكر الآخرين بصفة العموم: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها}، {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه}، {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها}، هذا في الحوادث.

وأما في المواقف فلا يوجد في القرآن إلا ثلاث مجموعات: الذين آمنوا، والذين نافقوا، والذين كفروا، وهذه مجموعات مرنة، مفتوحة، متحركة، معلقاً فيها طائر الإنسان في عنقه بموقفه، يخرج منها من شاء، متى شاء، كيف شاء، باختيار منه، فلا خندقة، ولا إتيكيت، ولا تصنيف!!

القرآن لا يحجر الناس على شكل حفريات مشخصنة، وإنما يركز على الموقف، ولهذا أسلمت قريش ولم تجد حرجاً، ولهذا قيل عن قريش إنها كانت تهزأ بالقرآن إذ يوعدها، ويتوعدها، وينقضها، ويسفّه أحلامها قبل أن تسلم، فلما أسلمت اشتدت عليها وطأة ما في القرآن مما يعنيها، لكن اشتداد مرحلي، لماذا؟

لأن أهل قريش الذين أسلموا يعرفون أسباب النزول؛ لأنهم عاشوها بعد جيل القرآن الكريم، لم يعد أحد يعرف أن هذه الآيات في هذه الوقائع موجهة لهؤلاء الأشخاص، فعادت قريش مفخرة، وصارت قيادة، والخلافة في قريش، وصارت قريش قلب الإسلام، لماذا؟

لأن القرآن لا يشخصن المواقف، وإنما يجرد الاختيارات، وهذا الذي يجعل الأمريكي اليوم، أو الياباني، أو المنغولي، في القرن العشرين، أو القرن الأربعين، إذا قرأ القرآن لا يجد أمامه كتاباً لا يعنيه في شيء، وإنما يجد الذي يعنيه؛ لأنه مواقف، ومبادئ، وقيم، واختيارات، وقوانين.

تخيل معي هزيمة تقع والقرآن لا يتحدث عن مكانها الذي هو أحد، ولا عن أفرادها الذين قَتلوا، أو قُتلوا، ولا عمّن خان، وإنما يتحدث عن: {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين}، ما قال: عاقبة قريش! ولهذا قبِل المسلمون بصدر رحب إسلام أبي سفيان، وهند بنت عتبة، وعكرمة بن أبي جهل، وخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، فهذا المستوى من التجريد الذي أساسه فكري قبل أن يكون تربوياً؛ لأن الرؤية تجريدية متعالية خالدة، وتمكن بآليات لغوية لهذا الخلود، فالاسم الموصول كان هو الأداة الحاسمة؛ لأنه استعمل 1446 مرة في فصل الشخص عن الموقف؛ لخلود الموقف، وموت الشخص.

انظروا إلى القرآن الكريم وهو يتحدث عن واقعة مسجد الضرار، فيشير إلى ما يقابله وهو مسجد قباء فيقول: {لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهّرين}، والله لولا علم أسباب النزول، ما عرفنا أن المقصود هم أهل قباء، ومسجد قباء، ومكان قباء! وهذا الموقف ممكن أن ينقل الآن إلى فيتنام، أو إلى إندونيسيا، أو إلى جنوب إفريقيا، إذا حصلت نفس الحالة من النفاق، والمضارة، والتميز، فتبقى عندك الصورة العامة المجردة، وتبني عندك قيم الانتماء للمواقف، والاعتقادات، والاختيارات، تسير بالمعايير، ولا تسقط في جدل التاريخ، وفي متن الجغرافيا، وفي خصوصيات الأشخاص.

قلتُ:

ميلر الذي ألّف كتاب: القرآن المذهل، بعد أن جاء هذا الغربي الرياضي من أجل نقد القرآن تفاجأ ببعض ما تذكره من تركيب، وتقويم، ومضامين، ومحتوى لا يمكن أن تصدف في ذلك التاريخ من ذلك الرجل وهو نبينا عليه الصلاة والسلام في تلك الثقافة، فمن الأشياء التي ذكرها:

قال: هذا نبي لو كان مدعياً يثبت ذاته.

وقال: يذكر مريم في القرآن بسورة كاملة، ويفصل فيها وفي مواضع عديدة، ولا يذكر خديجة بالاسم، ولا عائشة، ولا فاطمة أحب ثلاثة إليه!

فكان من المفترض أن يبرزهم، ولا يبرز ديناً سابقاً!

فقال:

أنا أدعمك بما هو أقوى: رشدي جارودي عندما أسلم أعلنت فرنسا الحداد بشكل صامت؛ لأن هذا عقل فرنسا الشامخ العملاق، قد دان للدين الذي يكرهون، والذي هو عقدة متأصلة في نفوسهم، يقول جارودي: أحد مداخل إيماني بالقرآن أن محمّداً يصف عيسى في القرآن بما لم يصف به نفسه!

هذا الرجل يكتشف أن القرآن ذكر أن عيسى يبرئ الأكمه والأبرص، ولم يدعِ محمّد ذلك، بل ويحيي الموتى بإذن الله، ولم يدع محمّد ذلك، وأنه مولود بمعجزة، من أم بغير أب، ولم يدع محمّد ذلك، وأنه لم يقتل بل رفع إلى السماء حياً وسيعود، ولما جاء القرآن ليخاطب النبي صلى الله عليه وسلم قال له: {إنك ميت وإنهم ميتون}!!

قلتُ:

هل بالإمكان إن جاءك إنسان علماني براجماتي مصلحي يقول لك: أنتم أكثرتم الحديث عن أن القرآن منهج تجريبي، ومنهج بعيد عن الشخصنة، وحتى لو كانت شخصنة فإنه يذكرها كمثال، وكمعنى عام، ولا يذكر الأسماء، ولا الأماكن، واستخدم الاسم الموصول: الذي، والتي، والذين، واللاتي إلخ..، فيقول لك: كيف لي أن أطبق ذلك وأنا ابن القرن الـ 21؟!

فقال:

لو طلب هذا فمن حقه علينا أن ننظر في جدوى هذا، ونقدمه إليه كهداية قرآنية، بل ولأنفسنا، فصحيح أننا ندرك أوجهاً من إعجاز القرآن، ومن عظمة القرآن، ومن أنوار القرآن، وأسراره، فنزداد إيماناً، ولكن الأجمل من هذا أن نزداد اهتداء، فالقرآن قبل أن ينزل ليتحدانا بإعجازه، نزل ليهدينا برحمته، {ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين}، فأوجه الهداية في هذه الجزئية من العظمة بحيث تمثل مستوى آخر من مستويات الإعجاز، فهو بهذا المعنى البسيط الأولي للشخصنة، والتجريد، والفصل ما بين الشخص سواء كان جماعة أو فرداً، إنساناً أو قبيلة، دولة أو قوماً، وبين الموقف والاختيار، تحصل الهدايات الآتية:

أدب الحوار، أدب الدعوة، أدب المصالحة، أدب التربية، فقه التشريع، الوعي السياسي.

وإليك بعض الأمثلة البسيطة:

أدب الحوار:

ما هو مقتل الحوار، ومتى يفشل الحوار؟

إن أكبر ترسانة للحوار برنامج مشهور: كبرنامج الاتجاه المعاكس، وقد مضى عليه الآن ما يقارب 400 حلقة، فأول ما يبدأ المتحاورون يتشاجرون!
هذا يقول: لا تقاطعني، والآخر كذلك، ثم ينزلقون إلى شتم بعضهم البعض، والطعن، ويتشابكون بالأيدي! وهم من؟!

إنهم النخبة التي تستدعى إلى قناة بارزة لإثارة قضايا كبيرة، والسبب أن مقتل الحوار هو السقوط في الشخصنة! فإن استطعت أن ترفع مستوى الحوار مع خصمك وندّك إلى إثارة القضايا، ومعالجتها بالاستدلال، والتحليل، وفقه المآلات، فلن يستطيع الذي أمامك حتى لو كان عدوك اللدود، ولو كان مغرضاً، ولو كان نقيضك في الفكرة، أن يتسبب في فشل هذا الحوار.

لو تعلمنا من القرآن التعالي عن الشخص لحظة الحوار، لنجح حوارنا الديني، وحوارنا الثقافي، وحوارنا السياسي، وحوارنا التربوي، والأمثلة كثيرة.

أدب الدعوة:

فأحد مقاتل الدعاة الذين يفشلون في دعوتهم، الدعاة الذين ينفرون الناس، بدلاً من أن يقربوهم، أنهم يسقطوا في الشخصنة!

ما الفرق بين أن تأتي إلى شخص جاهل أمّي، ضحية الجهل والأمّية، عاكف على قبر يقبل حجره، ويسأل دفينه أن يعطيه الرزق، وأن يعطيه الولد، ما الفرق أن تقول له: أنت مشرك، أو تقول له: هذا شرك؟

أنت في الأولى تخندقه وتضطره أن يقف ضدك، ويقول لك: بل أنت المشرك!

أما لو قلت له: هذا شرك، فسوف يقوم من مكانه، ويتراجع إلى الخلف، ويبدأ يتملص من الموقف الذي كان فيه، لأنك ركزت على الفعل، ولم تركز على الشخص!

فأدب الدعوة لو يستعمل هذه الآلية، فسوف يتحول إلى نجاح.

أدب المصالحة:

فأكبر فتنة سياسية معاصرة اليوم بين حكامنا ونخبنا؛ أنهم عجزوا أن يتصالحوا؛ لأنهم أسقطوا خلافاتهم على أشخاصهم، فصارت فتنة! بؤس السياسة العربية اليوم في فتنة.

أذكر أن حاكماً وهو يغرق مد إليه إخوانه اليد، وقالوا له: تعال إلينا فإن القوم سيغزونك ويدمرونك، فأخذ يشتم بهم في مؤتمر، وتحولوا إلى سوق فاشية!!

نحن اليوم نعيش في بلدان عربية فمثلاً: انظر إلى أزمة الحوار في تونس، فقد توقفوا عند نقطة اللاعودة، بعد أن كاد القوم يخلصون إلى رشد من أمرهم بالانتهاء من المرحلة الانتقالية، لأننا عجزنا عن نتجاوز صراع المصالح، وقبور الأنانيات، فنحن مقبورون في أنانياتنا، ميتون لا حياة لنا، فماذا علينا لو تخلصنا من الذات، وتربينا على اللاشخصنة القرآنية؟!!

أدب التربية: فأكبر مشكلة مع أولادنا أننا نظل نقرع في الولد، ونسخر منه ونشخصنه، فيصبح الولد معانداً، ويحرج، ويتحطم، وينكسر.

 

Tags : آفاقالقرآنيجديدةللاعجاز