أكثر الناسبرامج رواسخ

أكثر الناس الحلقة الرابعة عشر ( قفزة فيليكس ج2 )

قفزة فيليكس

العلم هو سمة العصر، وهو فخر الدول، وهو الأداة التي يعتصم بها الإنسان من أجل الانتصارات والتقدم، إﻻ أن هذا العلم كثيراً ما يفاجئنا بالمدهشات والغرائب، مما يجعل العقل يعيد النظر، والتفسير، والتأويل، والتواصل مع الناس، والتجديد، ولكن هل يحدث هذا بغير المغامرة؟

العلم يحتاج إلى جدية واكتشاف قوانين، لكنه لا يمكن أن ينتصر دون تضحيات ومغامرات.

في 14/10/2012 حدثت تجربة تجمع بين الجرأة والغرابة، فما هي يا ترى؟

إنها قفزة فيليكس!!

ولمعرفة أحداث هذه المغامرة، وما فيها من تفصيلات، توجهتُ بجملة من الأسئلة، والاستفسارات، لفضيلة الأستاذ الدكتور صبري الدمرداش.

قلتُ:

بداية نود التعرف على هذا الشخص صاحب هذه القفزة التي سارت بذكرها الركبان، والتي أصبحت حديث المجالس، والذي الذي خرج فجأة، فمن هو؟

فقال:

فيليكس عبارة عن مغامر، كان في الأصل قفازاً من المظلات، وهو نمساوي الأصل، من مدينة سالي بورج، من مواليد 20/4/1969، وكان أول شخص نجح في تعدي القنال الإنجليزي بمظلة مصنوعة من ألياف الكربون، والتي هي في غاية الصلابة.

قلتُ:

نريد أن نعرف ما الذي حدث بالضبط؟

فقال:

الذي حدث أمر مذهل للغاية!

ففي يوم الإثنين 24/10/2012، وفي صحراء نيوميكسكوا في الولايات المتحدة الأمريكية، ركب فيليكس منطاداً يعمل بالهيليوم، وقد اختار الهيليوم مع أن الهيدروجين أخف منه وزناً، وأرخص منه ثمناً، وأكثر منه وفرة؛ لأن فيه ميزة ليست موجودة في الهيدروجين، حيث أنه لا يشتعل، ففيه قدر كبير من الأمان، فالذي حدث أنه صعد بالمنطاد على ارتفاع 39 كيلو، ووصل في ساعتين ونصف، ثم هبط في تسع دقائق وتسع ثواني!! هل لك أن تتخيل ذلك؟! شخص يصعد إلى ارتفاع 39 كيلو، ثم يترك المنطاد، ويهبط في كبسولة، ثم يخرج من الكبسولة، ويبقى هكذا بدون شيء، يهبط ويهبط، وقبل الكيلو والنصف الأخير يفتح المظلة!!

قلتُ:

ومن أجل ذلك كانت تضحية؟

فقال:

هذا الشخص شمعة من شموع البشرية، هذا الشخص رمز من رموز التقدم العلمي، وفيليكس حطم رقمين قياسين، ولم يستطع تحطيم الثالث، فقد كان مطلوباً منه تحطيم ثلاثة أرقم قياسية، فنجح في اثنين، ولم ينجح في واحد.

قلتُ:

هلا شرحت لنا أكثر؟

فقال:

كان مطلوباً منه أن يقفز من ارتفاع 39 كيلو وهذا قد حدث، وكان مطلوباً منه أن يخترق حاجز الصوت، وحاجز الصوت 1242 كيلو متر في الساعة، وهذا حدث كذلك، فقد كان هابطاً بسرعة 1342 كيلو متر في الساعة، أي أكثر من حاجز الصوت ب 100 كيلو!!

أما الرقم الذي لم يستطع تحطيمه فهو أن أستاذه ومعلمه جوكسنجر سقط في عام 1960 سقوطاً حراً لمدة أربعة دقائق ونصف! أمافيليكس فقد كانت مدة سقوطه الحر أربع دقائق و22 ثانية، فبينهما 8 ثواني، والسقوط الحر يكون بدون استخدام المظلة!! ففيليكس هبط من ارتفاع 39 كيلو، ولم يستخدم المظلة إلا قبل وصوله الأرض بكيلو ونصف، بمعنى أنه ظل 37.5 كيلو بدون مظلة، وهذا هو السقوط الحر، استغرقه في 4 دقائق و22 ثانية! وأما الكيلو والنصف فقد استغرقها في 4 دقائق و47 ثانية! فتكون القفزة كاملة قد استغرقت تسع دقائق وتسع ثواني!! هذا ما حدث بالضبط.

قلتُ:

ما هو التقسيم الفيزيائي لطبقات الغلاف الجوي؟ لأن الإنسان معتاد على طبقات معينة، وأكسجين معين، وضغط معين، فكيف حصل ذلك؟

فقال:

هناك عدة تقسيمات للغلاف الجوي: فهناك التقسيم الفيزيائي، والتقسيم الفسيولوجي، ولا بد أن نعرف كل تقسيم حتى نرى هذا المخلوق الذي فعل ذلك، فلو ركبنا المنطاد ونحن الآن في طبقة الغلاف الجوي السفلي، وهي طبقة الحياة التي يعيش فيها الإنسان، والحيوان، والنبات، وفيها البكتيريا، والفيروسات، ففيها كل صور الحياة، وعند الانتهاء من طبقة الغلاف الجوي وهي التروبوسفير، سنصعد إلى طبقة الأستراتوسفير، فكل الذي قلناه عن الطبقة الأولى وهي التروبوسفير نعكسه هنا، فالأولى طبقة الحياة، والثانية طبقة الموات، فلا يوجد فيها إنسان، ولا حيوان، ولا نبات، ولا أي شيء، والأولى فيها أمطار وأعاصير، أما الثانية فهي طبقة الهدوء والاستقرار، والأولى غائمة، أما الثانية فقليلة الغيوم جداً، والأولى يطير فيها الطيران العادي، أما الثانية فيطير فيها الطيران النفاث.

ثم نظل نصعد ونصعد حتى ننتهي من طبقة الأستراتوسفير، ونصل  إلى الطبقة المتوسطة وهي الميزوسفير، وهناك تنخفض درجة الحرارة إلى 120 درجة تحت الصفر!! وهذه الطبقة مهمة جداً لنا نحن أهل الأرض، ففي كل يوم يتوجه 20 مليون شهاب للأرض يريدون إحراق ما عليها ومن عليها!! فتتصدى لهم طبقة الميزوسفير، وتمنعهم من ذلك.

قلتُ:

وأين كان موقع فيليكس؟

فقال:

كان في طبقة الأستراتوسفير، والتي سمكها حوالي50 كيلو متر.

وقد يتساءل البعض: ما هو الفرق بين الشهاب والنيزك؟

أقول: الفرق بينهما في الدرجة، وليس في النوع، بمعنى أنهما متشابهان، فإذا رُؤِي مشتعلاً في السماء فهو شهاب، فإذا كان بعضها كبيراً ولم يحترق كلية، واستطاع أن يخترق الغلاف الجوي، ويصل إلى الأرض، فإنه يعمل حفرة فيها، ويتصخر، وعندئذ يسمّى نيزكاً.

قلتُ:

وماذا عن طبقات الغلاف الجوي الأخرى؟

فقال:

بعد طبقة الميزوسفير توجد طبقة الأيونوسفير، وهي طبقة درجة حرارتها مرتفعة جدًّا، تصل إلى ألف درجة مئوية!! ولذلك يسمّونها الطبقة الحرارية، والغازات فيها متأينة، وهي قليلة الكثافة، وهذه الطبقة حامية وعاكسة، أي أنها تحمينا من خطر الأشعة الكونية القاتلة، وتعكس موجات البث الإذاعي والتليفزيوني.

أما آخر طبقة فهي طبقة الغلاف الخارجي، وهي طبقة يكون الهواء فيها نادراً، والضغط فيها منخفضاً، وتتلاشى تدريجياً إلى أن ينتهي الغلاف الجوي للأرض.

هذا هو التقسيم الفيزيائي للغلاف الجوي.

 

قلتُ:

ننتقل إلى التقسيمات الفسيولوجية.

فقال:

نستطيع تقسيم الغلاف الجوي فسيولوجياً إلى ثلاث طبقات:

الأولى: طبقة كافية فسيولوجياً.

الثانية: طبقة غير كافية فسيولوجياً، (قلقة فسيولوجياً).

الثالثة: طبقة قاتلة فسيولوجياً.

أما الطبقة الكافية: فهي التي من الممكن أن يصعد فيها الإنسان وهو آمن من نقص الأكسجين، ومن انخفاض الضغط الجوي دون أن يحدث له شيء.

وللعلم فالطبقة الآمنة فسيولوجياً على ارتفاع ثلاثة وثلث كيلو، فإذا صعدنا أكثر من ذلك، أي أربعة كيلو وثلث، خمسة كيلو وثلث، ستة كيلو وثلث، حتى 16 كيلو وثلث، فإن الإنسان خلال هذه الفترة يبدأ يعاني من آلام رهيبة، وهذه هي الطبقة غير الكافية، أو القلقة فسيولوجياً، فإذا زاد الصعود أكثر فالموت المحقق هو حليف الصاعد، إن لم يكن قد أخذ احتياطاته، بمعنى أن يكون لابساً بدلة، قد ركّب فيها خوذة الحفاظ على درجة حرارته، والحفاظ على ضغطه الجوي، وهذه هي الطبقة القاتلة فسيولوجياً.

هذا هو التقسيم الفسيولوجي للغلاف الجوي.

قلتُ:

ما هي المشكلات التي تواجه الإنسان عندما يصعد في السماء؟

فقال:

مشكلتان: الأولى: نقص الأكسجين، والثانية: انخفاض الضغط الجوي.

أما نقص الأكسجين: فهناك أربع مراحل:

مرحلة عدم التغيير: وهي أقصاها، وهي على ارتفاع ثلاثة كيلو وثلث، ويتنفس فيها طبيعياً.

مرحلة التكافؤ: وفيها تعمل أجهزة الجسم فسيولوجياً، وتحمي الإنسان من الآثار، ولا يحس بها إلا في حالتين:

الحالة الأولى: عندما يُطلب منه القيام بمجهود بدني شاق.

الحالة الثانية: عندما يبقى في هذه المرحلة فترة طويلة.

والأعراض أربعة: ارتفاع ضغط الدم، وزيادة النبض، وضيق في التنفس، وسرعة في الدورة الدموية، وهذا يحدث على ارتفاع خمسة كيلو وثلث.

مرحلة الاختلال: وفي هذه المرحلة يجب أن يكون لابساً سترة واقية، ومعه أجهزة، لأن المسألة هنا حياة أو موت.

المرحلة الحرجة: وفيها يحدث فشل في الجهاز الدوري، وفشل في الجهاز التنفسي، وكلاهما يؤديان إلى فشل في الجهاز العصبي، وفشل الجهاز العصبي يؤدي إلى غيبوبة، وهذه تؤدي إلى الوفاة!

قلتُ:

لماذا لم ينفجر فيليكس أو يحترق؟

فقال:

كان من المفترض أن ينفجر، والسبب: أننا ونحن نعيش على سطح الأرض، فإننا واقعون تحت ضغطين: أحدهما خارجي، والآخر داخلي.

فالضغط الخارجي هو الضغط الجوي الواقع علينا، وهذا الضغط يقابله ضغط من الداخل للخارج، وهو ضغط الدم، وضغط الهواء الذي في الرئتين، وضغط اللمف، وكلا الضغطين متساويان مقداراً، ومتضادان اتجاهاً، وبالتالي لا توجد مشكلة.

لكن الإنسان عندما يصعد في السماء، فإن الضغط الجوي يبدأ يقل، وبالتالي يزيد الضغط من الداخل للخارج، فكان من المفترض أن ينفجر فيليكس عند هذا الارتفاع؛ لأنه لا يوجد ضغط جوي واقع عليه؛ فلا يوجد هواء أصلاً عند هذا الارتفاع، إلا أن ذلك لم يحدث، كما أنه فيزيائياً كان يجب أن يحترق؛ لأنه اخترق حاجز الصوت، ومع ذلك لم يحدث له شيء كذلك!!

قلتُ:

وما السر في ذلك؟

فقال:

لسببين:

الأول: أنه كان لابساً بدلة، عبارة عن أجهزة، فالضغط الواقع على جسمه كان متوازناً، ودرجة الحرارة ثابتة، كأن شيئاً لم يكن بالنسبة له، كذلك كان يلبس خوذة على رأسه، بمعنى أنهم كانوا محافظين عليه من حيث ضغطه ودرجة حرارته.

الثاني: أن طبقة الأستراتوسفير التي كان فيها كثافة الهواء فيها قليلة جداً، فالصدمة الصوتية عندما تدخل جسمه تكون خفيفة، ولا تؤثر فيه، ومع هذا أثرت فيه، وجعلته يصاب بدوار لمدة 20 ثانية!

كذلك كانت هناك مشكلة أخرى وهي انخفاض الضغط الجوي، فالإنسان كلما ارتفع عن مستوى سطح الأرض، يقل الضغط الجوي، وكلما ارتفع، تقل الحرارة إلى حد معين، ثم ترجع تزيد، المهم الذي يحدث في مشكلة انخفاض الضغط الجوي أشياء خطيرة جداً، فكلما قل الضغط زاد الحجم، وستجد نوعين من الغازات في جسمه ستقتله قتلاً! غازات منحبسة، وغازات متصاعدة:

فالغازات المنحبسة: مثل غازات المعدة، وغازات القولون، والتي بين الأسنان.

فكلما قل الضغط ازداد الحجم، وحدثت آلام رهيبة في المعدة، والقولون، والأسنان، هذا بالنسبة للجهاز الهضمي.

أما الجهاز التنفسي فستحدث آلام شديدة في الرئتين، والصدر، وفي الأذن الوسطى، هذا بالنسبة للغازات المنحبسة.

أما بالنسبة للغازات المتصاعدة: فهي التي تتصاعد من الرئتين، وتدخل للشعيرات الدموية، وتظل في الداخل وحولها،        وبالذات غاز النيتروجين.

فالله تعالى وضع في أجسامنا لتراً من الأكسجين، أي ألف سنتيمتر مكعب، منها ما يقارب 75 سنتيمتر في الدم، و925 في أنسجة الجسم المختلفة، فعندما يقل الضغط يخرج النيتروجين، وينفجر الإنسان، وتحدث آلام رهيبة في المفاصل، ثم إن فقاعات النيتروجين  تحت الجلد تسبب له ارتيكارياً، وربما تؤدي إلى سرطان الجلد.

وبالنسبة للجهاز التنفسي: فإن التنفس يزداد، وتضطرب الدورة الدموية.

ولم يحدث هذا لفيلكس نتيجة البدلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى