دراسات

الانفجارات الأحيائية

مقدمة:

توقع داروين في كتابه أنه لكي تكون فرضيته عن السلف المشترك العام صحيحة، فلابد أن تظهر الأحياء في السجل الأحفوري بشكل متراتب، أي حيث تكون الأحفوريات في اتجاه صاعد بطيء من الأسفل إلى الأعلى في الطبقات الأرضية (الأقدم إلى الأحدث) بحيث يؤدي السلف القديم إلى خلفه عن طريق مجموعة من التغيرات الطفيفة. وبالتالي، فمن المفترض طبقاً لهذا التوقع أن نجد عدد كبير جداً من الأشكال الوسيطة في كل سلسلة تطورية وصولاً إلى أنواع الكائنات المتواجدة حالياً. 

ولذلك، فإن صح توقع داروين، فإننا من المفترض لا أن نجد شكلاً واحداً وسيطاً أو بضعة أشكال هنا وهناك، بل يجب أن تكون القاعدة العامة هي اتصال السجل الأحفوري لكل الكائنات، ووجود عدد كبير من الأشكال الوسيطة والتجارب التطورية الفاشلة، وأن يكون الانقطاع في هذا التاريخ هو الاستثناء، فنجده يقول على سبيل المثال: “إن كانت نظريتي صحيحة، فممَّا لا جدال فيه أننا سنجد قبل الطبقات السيلورية (الكامبرية) أشكالًا انتقالية كاملة مترسبة منذ مدة طويلة منصرمة على طول العصر السيلوري -أو ربما لمدة أطول- حتى يومنا هذا، وذلك خلال تلك الحقب الطويلة والمجهولة من الزمن التي كان العالم فيها مفعمًا بالمخلوقات الحية”

لكن داروين كان قد أدرك بالفعل أن السجل الأحفوري لا يؤيد فرضيته تلك، وأن ما تم اكتشافه من أحافير لا يترتب كما كان يأمل في شكل هرمي تصاعدي، بل أنه يتميز بظاهرتين هما ثبات الأشكال والسمات الأساسية، والتمايز بين كل عصر جيولوجي والذي يليه، فنجد أحداثاً انقراضيه كبرى يليها تنوع حيوي مفاجئ تظهر فيه (مجموعات) كاملة من الأنواع، لا نوع واحد أو اثنان، بل مجموعات كاملة كما حدث في العصر الكامبري، والعديد من العصور الجيولوجية اللاحقة كما سنبين لاحقاً. 

وقد لفت العديد من قرناء داروين في هذا العصر مثل (لويس أغاسيس -Louis  Agassiz) و (رودريك مورشيسون – Roderick Murchison) و (آدم سدجويك – Adam Sedgwick) إلى أن السجل الأحفوري لا يدعم فرضيته هذه بالفعل، وقد أقر لهم داروين بوجاهة اعتراضهم فقال: “إنَّ الطريقة المفاجئة لظهور مجموعات كاملة من الأنواع في تَشكيلات محددة قد دفع العديد من علماء الأحافير -كـأغاسيس وبيكتت وسدجويك – للاعتراض بقوة على الإيمان بالتحول بين الأنواع، فإن كانت الأنواع الكثيرة التي تعود لنفس الأجناس أو العائلات قد بدأت حقًّا بالحياة دفعة واحدة، فستكون تلك الحقيقة مدمِّرة لنظرية النشوء والارتقاء التدريجي عبر الاصطفاء الطبيعي”

لعلك تستغرب هنا إن أخبرتك أن العلماء في زمن داروين قد عابوا عليه مخالفته للمنهج العلمي برفضه المتعنت لفكرة أن الأدلة تكذب فرضيته، فسنجد أغاسيس على سبيل المثال يقول: “بالنسبة لداروين وأتباعه فإن معظم الحجج التي يُقدمونها سلبية تمامًا، وهم بذلك يلقون بعبء الإثبات عن كاهلهم، فرغم تفتت السجل الأحفوري، إلا أن هناك تسلسل كامل في العديد من أجزائه، يمكننا أن نتحقق من صفة التتابع.. إن كانت البُنى الأكثر ضعفًا وهشاشة -كأطوار النمو الجنيني- ذات الطبيعة سهلة التلف قد حفظت في الترسبات الأولية، فليس لنا الحق في استنتاج اختفاء الأنماط؛ فقط لأن غيابها يعارض بعض النظريات المحببة لنا، أي نظرية داروين” 

كما يقول سدجويك في رسالته التي أرسلها إلى داروين: “لقد نبذتَ – بعد انطلاقك في طريقٍ ممهد من الأدلة المادية المتينة – الطريقة الصحيحة للاستقراء”

كان أقران داروين يرون ببداهة أن الفرضية لا يمكن اختبارها ولا التحقق منها، بل وأن الأدلة المتاحة تكذبها وتخالف توقعاتها. ولكن، هل أنصف السجل الأحفوري داروين بعد مرور عشرات العقود من وفاته؟ هل اكتشف العلماء أن السجل الأحفوري يدعم فرضية داروين عن السلف المشترك العام وشجرة الحياة؟ الإجابة ببساطة هي: لا واضحة!

الانفجارات الأحيائية، حين يغيب التطور

عرضنا في المقدمة أن الأدلة التي بين أيدينا تؤكد غياب التسلسل في السجل الأحفوري، وأن النماذج التي سعت لوضع تفسير أو فرضية بديلة عن التطور التدريجي لم تأت بجديد، ولم تستطع أن تقدم أي أدلة تؤيد حدوث تطور بين الممالك والشعب والفصائل والعائلات المختلفة، أو بعبارة أخرى، حصول أي تطور كبروي.

إن الناظر في تاريخ الأحياء، وما تخبرنا به الأدلة حقاً، سيجد أن تاريخ الأحياء قد مر بفترات تظهر فيها الأنواع بشكل مفاجئ ومتنوع بعد فترات من الثبات أو حوادث الانقراض الكبرى. وهذه الأحداث التي عجز التطوريين عن تفسيرها، ليست حدثاً فريداً واحداً كما يظن البعض، بل هي أحداث متكررة في تاريخ الأحياء.

لعل أكثر هذه الأحداث شهرة، هو ما يعرف بالانفجار الكامبري، والذي حدث في الحقبة الكامبرية (أو السيلورية كما الاسم القديم لها) لكن الأمر حقيقة من قبل ذلك، منذ بداية الأرض نفسها! 

1. الانفجار الأحيائي الأول (3.8 مليار سنة مضت)

تخبرنا الدراسة المنشورة في عام 2014 في دورية (نايتشر – Nature) أن الأرض قد شهدت حدثاً يعرف باسم (القصف الشديد)، وهو عبارة عن تساقط مجموعات من النيازك والشهب الثقيلة على الأرض. ذلك الحدث بدأ منذ حوالي ما يقرب من 4.1 مليار سنة واستمر حتى 3.8 مليار سنة مضت من عمر الأرض. كان هناك عدداً كبيراً من النيازك والشهب الثقيلة، بعضها كان أكبر بعشرة أضعاف من النيازك التي تسببت في انقراض الديناصورات الكبيرة. توضح الدراسة أن المحيطات الموجودة على الأرض كانت تغلي وفي حالة دائمة من البخر كنتيجة لتلك التصادمات الضخمة منذ أربع مليارات سنة مضت. إذاً، قبل ذلك الحدث كان مستحيلاً أن تنشأ الحياة، لأن محيطات الأرض قد تعرضت للتبخر عدة مرات.

انتهي هذا الحدث منذ 3.8 مليار سنة مضت، وطبقاً للتوقعات الداروينية، فإنه من المفترض أن ننتظر لفترة طويلة جداً من الزمن حتى تشتعل شرارة التطور الأولى التي أنشأت الحياة بطريقة مجهولة لا نعرفها. لكن المدهش في الأمر، أن الحياة ظهرت منذ 3.8 بليون سنة مضت بالضبط.. بمعنى آخر، فالحياة ظهرت فجأة إلى الوجود في أول لحظة في التاريخ عندما كان ذلك ممكناً.

توثق الدراسة المنشورة في (نايتشر – Nature) عام 2017 مجموعات من البكتيريا التي عثر عليها في كندا ويقدر عمرها بحوالي 3.77 مليار سنة في مجموعات من الصخور التي يرجح أنها كانت في أعماق المحيط.

توثق دراسة أخرى أيضاً ظهور (البكتيريا الزرقاء) على الأرض منذ حوالي 3.8 مليار سنة، وهي بكتيريا معقدة تعمل بوظائف التمثيل الضوئي، والذي يعتبر أحد أعقد العمليات الأيضية في الحياة، وهناك العديد من هذه البروتينات الداخلة في عملية التمثيل الضوئي التي كان عليها أن تتطور حسب الافتراض الدارويني عبر خطوات تدريجية، لكن الأدلة تخبرنا أنها موجودة منذ اللحظة الأولي التي كان يمكن أن تنشأ فيها الحياة على الأرض. بكتيريا لها خلية، وغشاء خلية مكون من عدة بروتينات، ولها حمض نووي، وعمليات غذائية معقدة ومتخصصة، كلها ظهرت دون تدرج ولا وقت انتظار .

  1. الانفجار الجيني الآركي “القديم” (3.3 – 2.8 مليار سنة مضت)

في هذا التاريخ المبكر ظهر العديد من أنواع البكتيريا المختلفة، والعضيات وحيدة الخلايا. تخبرنا الدراسة المنشورة في دورية (نايتشر – Nature) أن ربع عدد العائلات الجينية الموجودة حالياً ظهرت في هذه الحقبة وبشكل متسارع أطلق عليه مسمي “التوسع الجيني الآركي أو العتيق”. مرة أخرى، ظهرت هذه الجينات الجديدة في فترة زمنية قصيرة. تقدم الدراسة مجموعة من “الاحتمالات” التي ربما نشأت بها بعض الجينات، لكنها لا تقدم في الحقيقة أية أدلة حقيقية عن كيفية نشوء مجموعات الجينات الجديدة.  

  1.  الانفجار الآفالوني “الحديقة الإدياكارية” (575 – 565 مليون سنة مضت)

لعل أول ما تلاحظه هنا هو الفارق الزمني الكبير بين 2.8 مليار سنة، و565 مليون سنة. لفترة تقارب 2.3 مليار سنة، لم يوجد في الأرض أي أشكال معقدة للحياة، لم يوجد إلا البكتيريا وأحاديات الخلية التي ظهرت في الانفجارات الأحيائية القديمة. ثم وبدون أي أشكال وسيطة، ولا تطور تدريجي، تظهر بعض الحفريات الدقيقة المبكرة وهي حفريات يستطيع حتى الإنسان العادي أن يميز أنها حفريات لكائنات حية. 

ظهرت تلك الحفريات خلال حدث أطلق عليه علماء الحفريات – وهي تسمية ليست من فراغ – حدثاً انفجارياً، وهو المعروف “بالانفجار الآفالوني”. في هذا الحدث الانفجاري نجد أول حفريات كبيرة لكائن حي بحري لاطيء عجيب (كائن لا عنقي يشبه أوراق النباتات). لا أحد يعرف ما هو تصنيف هذه الكائنات بالتحديد، ولا نعرف ما إذا كانت طحالب أو نباتات أو كائنات وحيدة الخلية عملاقة أو حيوانات .

أطلق على مجموعة الكائنات هذه اسم “حديقة إيدياكارا” ولا يوجد دليل على تغذية هذه الكائنات التي لديها شكل نسقي غريب يطلق عليه (النسق الانزلاقي – Glide Symmetry) فهي ليست متماثلة على جهتي اليمين واليسار ولكن بشكل ما مرفوعة يميناً ويساراً. لديها نمط نمو متشعب، وشكل مبطن غريب، وبلا أعضاء داخلية، وقد ظهرت فجأة إلى الوجود خلال فترة من الزمن قدرت بعشرة ملايين سنة من بداية العصر الإدياكاري، ولا يوجد مؤشر على وجود حفريات في الطبقات الأقدم منها، ولا أي أشكال وسيطة تبين كيف تطورت من أحاديات الخلايا. وقد تم تصنيف هذه الكائنات في شعب منفصلة أحيائياً عن شعب الكائنات الموجودة حالياً. في (الشكل 1) بعض الأمثلة على تلك الحفريات من العصر الإدياكاري.

الشكل 1: بعض حفريات الكائنات التي ظهرت في العصر الإدياكاري منذ حوالي 565 مليون سنة 

  1. الانفجار الكامبري (535 – 515 مليون سنة مضت)

هذا الحدث هو الأكثر شهرة بين الأحداث الفجائية لظهور الأحياء في التاريخ وهو ما يطلق عليه البعض (الانفجار الكبير للتطور – Evolution Big Bang). حدث ذلك الحدث الانفجاري في الفترة الزمنية بين 535 مليون سنة إلى 515 مليون سنة مضت، وظهرت الدفعة الرئيسية من الكائنات خلالها في فترة خمسة ملايين سنة فقط . 

في الانفجار الكامبري، نجد أن معظم المخططات الجسمية الرئيسية للحيوانات، مثل الفقاريات والمفصليات والرخويات، قد ظهرت للوجود. من بين ثمانية وعشرين تركيباً جسمانياً موجودين حاليا، فإن واحداً وعشرين منهم ظهروا في الانفجار الكامبري، ظهروا فجأة وبلا مؤشرات تدريجية من الطبقات السابقة، ولا خط متسلسل من مجموعات من الأسلاف. وإن نظرة عابرة للفرق بين الحيوانات التي ظهرت في العصر السابق (العصر الإدياكاري) والتي كانت تمتاز بنمط نمو تشعبي غير منتظم، وبين الحيوانات الكامبرية ثنائية التناظر، تخبرنا بوضوح أن النمط الجسدي مختلف بين كائنات الحقبتين. ولا يوجد بينهما أية أشكال وسيطة ولا مراحل انتقالية توضح كيف تم الانتقال من أحد الأنماط إلى الآخر.

ظهر في الانفجار الكامبري العديد من الشعب الأحيائية المختلفة، مثل (ذراعيات الأرجل – Brachiopods)، و (ثلاثيات الفصوص – Trilobites) وهي مختلفة عن بعضها في التشريح الداخلي، والتقسيم الوظيفي، وكلها ذات صفات معقدة ومركبة كالأرجل المفصلية، والعيون المركبة. لكن كما يخبرنا عالم الأحياء التطوري (جيمس فالانتين – James Valantine) فإن “هناك عدد من أحفوريات الرخويات وذوات الهياكل المتحجرة في أواخر ما قبل الكامبري أو في العصر الكامبري، التي لا يمكن تصنيفها ضمن الشعب الحية، ولا حتى يمكن اعتبار أي منها سلفًا لأي من الشعب الحية”

في (الشكل 2) هنا نرى بعض أمثلة من أحفوريات العصر الكامبري.

الشكل 2: بعض حفريات الكائنات التي ظهرت خلال الانفجار الكامبري 

حاول التطوريون كثيراً الإفلات من معضلة الكامبري، بادعاء أننا لم نعثر على أشكال وسيطة لأن طبيعة التربة في هذه الفترة لم تمكنها من الاحتفاظ بالأجسام الرخوة. حيث يدّعون أن الحيوانات كانت رخوية وقتها ولم تتحجر ولم تُحفظ! ثم ما لبثت أن “طورت” أجزاء صلبة مثل العظام أو القشور أو القَواقِع…الخ، وتم حفظها في وقت واحد فتظهر وكأنها انفجرت إلى الوجود. لكن ما هو موقع هذا التفسير علمياً؟ هو في الحقيقة ليس تفسيراً، بل مجرد تخيل يحتج بالمجهول. إن افتراض مفاده أننا لم نعثر على أشكال وسيطة لأن الحظ لم يسعفها لتتحجر، هو تماماً كأن تقول: ليس هناك أشكال وسيطة، لأننا لم نعثر على أشكال وسيطة!

بل إن هذا التبرير نفسه يعاني من الكثير من المشاكل، وقد تم دحضه مرارًا وتكرارًا. سنترك واحدة من الدراسات الحديثة تبين تخطئة هذه الفرضية.

في هذه الدراسة قام العلماء بمعاينة السجل الأحفوري لأكبر مجموعة حيوانات معروفة وهي مفصليات الأرجل الحقيقية (Euarthropods)، وهم في ذلك أيضًا قد استخدموا ضوء التطور الدارويني نفسه والنماذج التطورية المطروحة على الساحة .

لكن، وعلى الرغم من ذلك، لم يجدوا بدًا من الاعتراف بأن السجل الأحفوري كامل جدًا، وأنه يعطينا الصورة الحقيقة عن العصر الكامبري، وأنّ عدم وجود حفريات في الحقبة ما قبل الكامبرية (635 – 541 مليون سنة) سببه عدم وجودها حقا (أي أن الحيوانات التي ظهرت في الحقبة الكامبرية لم تتطور من أسلاف سابقة) وليس بسبب عدم حفظها.

يقول الباحثون في الدراسة: ” إن غياب الحيوانات من الصخور منذ العصر الإدياكاري (قبل الكامبري) قد تم تفسيرها بسوء التحجر في هذه الفترة أو بكون الحيوانات كانت صغيرة جدًا لكي تتحجر. إن تلك الفرضيات التي تعتبر التحجر في العصر ما قبل الكامبري غير كاف لحفظ مفصليات الأرجل الحقيقية لم يعد من الممكن دعمها في ضوء كثرة صخور اللاجيرستاتين (صخور رسوبية احتفظت بالعديد من الأنسجة الرخوة من العصر الإدياكاري). كذلك فإن الادعاء بأن مفصليات الأرجل تطورت من حيوانات صغيرة رخوية ولم تتحجر لم يعد من الممكن دعمها أيضًا، بسبب كثرة الفوسفات في العصر الإدياكاري والكامبري الأدنى، مع ظهور مفصليات الأرجل الميكروسكوبية فقط قبل 514 مليون سنة”

بل الأسوأ أن الباحثين في هذه الورقة قد وجدوا أن أقدم الممثلين الحقيقيين للحيوانات المفصلية – والذين يمكن أن يكونوا أجداد المفصليات الحديثة – عمرهم يقرب من 518 مليون سنة، ثم بحثوا عن أقدم أثر للمفصليات الحديثة التي تمتلك حقاً هياكل خارجية وأعين مركبة ووجدوا أن عمرها يقرب من 521 مليون سنة! لقد تبين أنهم أكبر من أجدادهم المفترضين بثلاثة ملايين سنة! وتفسيرهم لظهورها زمنيًا بعد خلفها كما يزعمون هو أنها طرية أو رخوية ويصعب حفظها. أي أنه طبقًا لهذا الافتراض، لم يتم حفظ ولا سلف واحد من آلاف الخطوات لتطور مفصليات الأرجل خلال 20 مليون سنة على الأقل في صخور هم أنفسهم يقولون إنها من أفضل الصخور التي تحفظ الأنسجة الرخوة والكائنات المجهرية.

يقول الدكتور (جريج إيديكومب – Greg Edgecombe) من متحف التاريخ الطبيعي في لندن معلقًا على الدراسة: “فكرة أن مفصليات الأرجل غائبة في سجل الأحافير قبل الكامبري بسبب تحيز في طريقة التحجر يمكن الآن رفضها.. أصحاب هذه الدراسة قاموا بتقديم قضية مقنعة جدًا عن تشابه طريقة التحجر في الحقبتين قبل الكامبرية والكامبرية. هناك حقاً تفسير واحد فقط لعدم وجود مفصليات الأرجل (في العصر ما قبل الكامبري يعني) وهو أنها لم تكن قد تطورت”

  1. الحدث الأوردوفيشي العظيم (485 – 460 مليون سنة مضت)

رغم أن الانفجار الكامبري هو الحدث الأكثر شهرة، لكننا كما بيننا، ليس هو الحدث الوحيد الذي تظهر فيه مجموعات كبيرة من الكائنات الحية في فترات قصيرة للغاية ودون أشكال وسيطة ولا سلاسل تطورية، وقد ذكرنا بعض ذلك قبله. وهذه الظاهرة موجودة كذلك بعد الانفجار الكامبري.

الحدث الأوردوفيشي العظيم للتنوع الحيوي – Great Ordovician Event الذي حدث منذ 460 مليون سنة تقريباً، والذي حدثت خلاله زيادة مفاجئة في المخططات الجسدية التي نشأت في العصر الكامبري، حيث زادت فجأة أعداد العائلات من 100 إلى ما يزيد عن 500 عائلة مختلفة. ويطلق البعض على هذا الحديث اسم (الانفجار العظيم الثاني للحياة . مرة أخرى، نحن أمام حدث آخر مفاجئ في مدة زمنية قصيرة جداً. 

إن فرضية داروين حول التطور من أسلاف مشتركة حين تتنبأ باختلاف كبير في المخططات الجسدية – بمعنى كيف يتكون جسد حيواناً رخوياً بالمقارنة التكوين الجسدي لحيوان فقاري أو حيوان مفصلي – فإنها أولاً تتنبأ بوجود النوع السلف، ثم يتفرع هذا السلف إلى فرعين نوعيين أوسع، ثم ينفصلا إلى جنسين مختلفين، ثم إلي عائلات مختلفة، ثم إلي أنواع مختلفة، وهكذا، على فترات زمنية طويلة تسمح بتراكم هذه الاختلافات لتصنع هذه الشعبة الضخمة من المخططات الجسدية المختلفة. 

لكن ما نجده حقاً في السجل الأحفوري ليس هو ذاك النمط الذي يصعد من الأسفل إلى الأعلى بشكل شجري، ولكنه نمط مستقر من الأعلى إلى الأسفل. نجد أنه فجأة وبلا مقدمات ظهرت هذه المخططات الجسدية المختلفة في الانفجار الكامبري، ثم بعد فترة ثبات، نجد هذا التنوع إلى العائلات المختلفة والمتباينة. ولذلك، فإن فالسجل الأحفوري هو على النقيض تماماً من توقعات الفرضية الداروينية عن الانحدار من سلف مشترك.

  1. التنوع السيلوري الأول للنباتات (427 – 393 مليون سنة مضت)

نفس الحال حين ننظر إلى أول نباتات أرضية! 

نجد حدثاً انفجارياً مشابهاً، وهو التنوع السيلوري – الديفوني الأول (Silurio-Devonian Terrestrial Revolution) للنباتات الأرضية (مجموعات النباتات الموجودة على الأرض) هو المثيل المكافئ للانفجار الكامبري للشعب الحيوانية . 

نجد أن التصميمات والمخططات الأصلية للنباتات قد ظهرت ظهوراً مفاجئاً بنفس النمط المميز للظهور المفاجئ الذي حدث في الحيوانات البحرية خلال العصر الكامبري. وسنجد أن أقدم النباتات الأرضية على الإطلاق والمسماة (باراجواناثيا – Baragwanathia) والتي عثر عليها في الهند فسنجد أنها تنتمي بالفعل إلى مجموعة لا تزال تعيش إلي الآن وهي مجموعة (الحزازيات الذئبية – Lycopodiopsida).

  1. الانفجار الديفوني (410 – 400 مليون سنة مضت)

في المرحلة التالية للعصر الديفوني لدينا حدث انفجاري آخر يطلق عليه (الثورة الديفونية النكتونية – Devonian Nekton Revolution). حدث انفجاري آخر تظهر فيه التكوينات الكاملة للحيوانات البحرية خلال مدة قدرت بعشرة ملايين سنة.

(الشكل 5) في الأسفل يظهر وجود ثلاث طرق مختلفة للكيفية التي كانت تعيش بها الكائنات البحرية. يعيش بعضها بالقرب من الأرض وهذا يسمي (صنف الكائنات المغمورة) وأخرى تطفو هائمة في تيارات الماء وتسمى بــ (العوالق) بينما تسبح كائنات أخري في الماء بنشاط مثل الأسماك والرخويات الرأس-قدميه وهذه المجموعة هي التي تسمى (بالنكتونات – Nektons) . نري في الشكل أن الغالبية العظمي من الكائنات البحرية قبل الانفجار الديفوني كانت إما عوالق أو مغمورات تعيش بالقرب من الأرض. المنطقتان (1) و (2) تشيران إلى نسبة الأنواع التي كانت تعيش حياتها بهذه الطريقة. بعد الانفجار الديفوني، أصبح ثمانين بالمئة تقريباً من التنوع البحري لكائنات تسبح في الماء بنشاط كما في المنطقة (3). إذاً فلدينا تغير مفاجئ وشامل في النظام البيئي البحري. ومن جديد فإن هذه “الثورة” أو الحدث المفاجئ لم تسم ثورة بواسطة ناقدي داروين، وإنما بواسطة التطوريين أنفسهم.

الشكل 3: الظهور المفاجئ للكائنات البحرية السابحة بحرية في العصر الديفوني  

وتزامناً مع هذا الحدث في العصر الديفوني أيضاً، نجد ما سماه التطوريون أيضاً (بانفجار أودونتود – Odontode explosion) وفيه نجد المنشأ المفاجئ لمجموعة من تركيبات الأسنان في مجموعات مختلفة من الأسماك كأسماك القرش وغيرها، أيضاً خلال فترة زمنية قدرها عشرة ملايين سنة، ودون تسلسل أو تدرج أو خط تطوري يظهر كيفية نشوء هذه الصفات المستحدثة .

  1. الانفجار الترياسي (248 – 240 مليون سنة مضت)

في العصر الترياسي (الثلاثي)، نجد مجموعة من الأحداث المفاجئة الانفجارية على مستوى العائلات. يصف التطوري (بيتر وارد – Peter Ward) في كتابه عن العصر الترياسي والمسمى (من العدم، الديناصورات والطيور، ومناخ الأرض القديم) هذا الحدث قائلاً: 

“إن هذا المنشأ المفاجئ كان مهماً جداً بالنسبة لحياة الحيوانات على سطح الأرض، تماماً مثلما كان الانفجار الكامبري مهماً بالنسبة لحياة الحيوانات البحرية”

حدث آخر بنفس النمط الانفجاري، من جديد لدينا ظهور مفاجئ لرباعيات الأرجل، وأقدم الحيوانات الثديية، أقدم السحالي، أقدم التماسيح، أقدم السلاحف، وأقدم الديناصورات، كلها ظهرت خلال فترة قصيرة في العصر الترياسي. سنجد قفزة حدثت من اللاشيء إلى منشأ خمسة عشر عائلة مختلفة من الزواحف المائية البحرية – كلها الآن منقرضة – واستغرقت هذه القفزة فقط 8 ملايين سنة. 

كان من بين تلك الأنواع زواحف مثل (الإكتيوصوروس – Ichthyosaurs) الذي من المفترض أن يكون قد تطور من كائن زاحف يشبه السحلية إلى شكله الكامل الذي يشبه الدولفين خلال أربعة ملايين سنة فقط من الوقت! 

في نفس العصر، نجد مثل ذلك في الزواحف الأرضية الطائرة والمنزلقة، هناك مليوني سنة فقط كفترة زمنية انتقالية لتتطور كل المدخلات اللازمة للاقتراب من وجود آليات معقدة للغاية مثل الطيران والانزلاق، وحتى أول الزواحف التي بدأت الطيران بنشاط كانت (التيروصورات – Pterosaurs) التي ظهرت فجأة من العدم ولا نعرف كيف كان يبدو أسلافهم المفترضين غير الموجودين في السجل الأحفوري. 

وحتى الديناصورات الأرضية حينما ظهرت وتنوعت في نهاية العصر الترياسي، تخبرنا تلك الورقة البحثية المنشورة في عام 2018 عن تنوع الديناصورات ما نصه: “إنه من المدهش حقاً الوضوح الكامل للتغير التام من (لا ديناصورات على الإطلاق) إلى (كل الديناصورات)”

  1. ظهور النباتات المزهرة (130 – 115 مليون سنة مضت)

نفس النمط نجده في ظهور النباتات المزهرة التي ظهرت في الفترة الأولي من العصر الطباشيري منذ ما يقرب منذ 125 مليون سنة تقريباً. وقد كان هذا الحدث معروفاً بالفعل لداروين وسماه (اللغز البشع) لأنه كان مناقضاً تماماً لتوقعاته عن الظهور المتدرج والنمط التطوري المتسلسل 

تقول (بيكي أوسكين – Becky Oskin) في مقالها المنشور عام 2015: “في ذلك الوقت، منذ 125 مليون سنة انبثقت كاسيات البذور وهي نباتات مزهرة إلى الوجود خلال العصر الطباشيري كأشكال كاملة تامة، كما تنبثق أفرودايت في الأساطير الإغريقية، بلا سابق إنذار” . 

  1. أحداث أخرى مشابهة

نفس النمط نجده في ظهور الفراشات، فقد ظهرت فجأة من العدم بعد أن كان لا يوجد أي فراشات في العصر الطباشيري، ظهرت كل عائلات الفراشات الحديثة المعروفة بدون وجود فترة انتقالية من الأشكال الوسيطة في الفترة بين 55 – 25 مليون عام في كل من أمريكا وأوروبا.

نفس النمط نجده في ظهور الطيور الحديثة في الفترة بين 65 – 55 مليون عام. هناك أربع سلالات فقط من الطيور التي افترض التطوريون أنها نجت من حادث تصادم النيازك الذي تسبب في انقراض الديناصورات. وبعد ذلك، خلال 10 ملايين سنة، تظهر كل السلالات المختلفة للطيور الحديثة وبشكل مفاجئ، وسمي ذلك، على حسب تعبير المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي، باسم (بالانفجار الكبير لتطور الطيور)

نفس النمط سنجده في ظهور الحيوانات الثديية المشيمية، تلك التي تتميز بوجود المشيمة التي تغذي الجنين داخل الرحم بحيث ينمو الجنين نمواً كاملاً أثناء الحمل، في الفترة بين 62 – 50 مليون عام. 

تخبرنا دراسة حديثة عن تفرع السلالة الجزيئية للثدييات المشيمية أن كل المجموعات من هذه الحيوانات الثديية مثل الحيتان، وآكلات اللحوم، والقردة العليا، وغيرها ظهرواً جميعاً خلال نفس الفترة تقريباً في الفترة الأخيرة من العصر الترياسي كما أظهرت السجلات الحفرية الأولي لهذه المجموعات، ولا شيء منها يظهر حيث كان متوقعاً أن يظهر وفقاً لبيانات التحليل الجزيئي . 

وعندما ظهرت تلك الثدييات، ظهرت حتى المجموعات المعقدة منها مثل الخفافيش. وإذا قارننا الحفريات الخاصة بأقدم نوع معروف من الخفافيش، بالهيكل العظمي لخفاش معاصر فلن نجد أنهما يتميزان عن بعضهما بأي فرق، حتى أن الاثنان كانا يملكان المقدرة علي الرصد الصوتي عن طريق الصدى، فهو ليس خفاشاً أولياً أو وسيطاً، ولكنه كان موجوداً بشكل كامل بالفعل في أقدم نوع من العائلة. يبين (الشكل 4) من الدراسة الظهور المفاجئ للثدييات المشيمية.

الشكل 4: الظهور المفاجئ والكامل للثدييات المشيمية

إن كل الأحداث الانفجارية السابقة تخبرنا بوضوح أن الأدلة تكذب فرضية داروين الأساسية، وأن السجل الأحفوري لا يدعم تلك الفرضية، بل الأدلة تخالفها، ليست مرة واحدة، ولا اثنتان، بل على طول الخط. فالدعوى أن كل شيء على ما يرام في نظرية التطور هو ببساطة دعوى كاذبة لا تؤيدها الأدلة! بل من المهم هنا أن نلاحظ الغياب التام لأي سلاسل تطورية تصل بين الكائنات المعدودة القليلة التي افترض التطوريون أنها (أسلاف) وبين أي شكل من أشكال الكائنات المتواجدة حالياً. 

يهمنا هنا أن نذكركم بأن الفرضية القابلة للتكذيب يثبت خطأها ولو بدليل واحد مخالف للتوقعات، فما بالنا إن كانت الأدلة تخالف التوقعات على طول الخط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى