Uncategorized

الدراما التركية في عيون العرب … من «حريم السلطان» إلى «أرطغرل»

بعد فشل الانقلاب التركي، تداول الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي مقطعاً مصوراً يظهر فيه بعض الانقلابيين مكبّلين مأسورين، وللتشويق الإخراجي فقد عمد القائمون على إنتاج هذا الفيديو السياسي القصير إلى تطعيمه بمَشاهد مبهرة مقتطعة من مسلسل تركي تاريخي يظهر فيه (خونة القبيلة) مقيّدين مخذولين بعد معركةٍ بالسيوف خاضوها وانهزموا فيها لمصلحة (أبطال القبيلة).

كان ذلك المقطع المركب بداية انتباهي للعمل الفني المتمثل في مسلسل «قيامة أرطغرل» لألاحظ تالياً مدى الشعبية والمشاهدة المرتفعة الذي يحظى بها المسلسل ذو الـ (61) حلقة، وكيف أنه أحدث جدلاً مختلفاً عن ما سبق لما أحدثته الدراما التركية العاطفية التقليدية، على الرغم من أن المسلسل لم تعرضه أي من القنوات العربية ما اضطر الجماهير لمشاهدته مترجماً من خلال موقع «يوتيوب».

إلا أن ما أريد بيانه في حديثي اليوم عن الدراما المعروضة في فضائياتنا العربية وبالأخص التركية منها يتجلى من خلال اطلاعكم على حوار مطوّل أجريته مع محمد بوزداج مخرج وكاتب نص مسلسل (أرطغرل) والذي التقيته خصيصاً لهذه الغاية في عطلة عيد الأضحى المبارك بمدينة الإنتاج الاعلامي في اسطنبول.

مهدت للحديث معه بداية عن تأثير الدراما عموماً على المتلقين وخصوصاً قدرتها الفائقة على التسريب الناعم للقيم الغريبة والشاذة، وتشكيلها للأمزجة وإعطائها الانطباعات بما ينافس بل وربما يتفوق على أثر الأسرة والمدرسة وتوجيهات مؤسسات الدولة في جوانب عديدة من حياتنا.

وقبل أن أبدأ برشقاتي الهجومية من الأسئلة عن الدراما التركية، شرحت للرجل واقع التلفزيونات العربية المعاصر وكيف هيمن عليها تاريخياً استيراد الأفلام والمسلسلات الأميركية والإنجليزية بحكم لغتها العالمية وماكينتها الإنتاجية الضخمة، ويأتي بعدها بمراحل الإنتاج الفني الفرنسي الرائج في المغرب العربي ولبنان وسورية، وبالتوازي الإنتاج الروسي في الشام وليبيا.

وفي عصر الفضائيات في العشرين سنة الأخيرة ومع تطور حركة الدبلجة بدأت القنوات تفتش في الأسواق عن منتجات جديدة مجدية اقتصادياً كي تملأ بها فضاء البث، فوجدت ضالتها حينها في المسلسلات والأفلام المكسيكية والكورية والهندية وغيرها.

إلا أنه وفي السنوات العشر الأخيرة تكاد تكون الدراما التركية هي العنصر الأبرز والطاغي على بقية اللغات الأجنبية الأخرى باستثناء الانجليزية والفرنسية لأنهما ستظلان دائماً في الصدارة كونهما لغتين عالميتين.

وبدأت بوابة الرواج للدراما التركية جماهيرياً عند العرب في العام 2004 مع مسلسل (إكليل الورد) وتبعه (سنوات الضياع) يحيى ولميس.. ومن منا لم يرصد أثر مسلسل (نور) عشيقة مهند عند المراهقين والكهول وما بينهما !!! ثم (حريم السلطان) و(السلطانة كوسم).

لم يتح لي مشاهدة مسلسل (أرطغرل) بالكامل وإن اختطفت بعضاً من مشاهده المبهرة شديدة الاتقان أداءً وإخراجاً، ولمن لم يشاهد هذا العمل أو يسمع عنه، فإنه يحكي قصة تأسيس الدولة العثمانية، أرطغرل بطل المسلسل هو والد عثمان الذي ينسب إليه العثمانيون، وهم عبارة عن قبيلة بدوية من الأتراك الرحل، حيث تبدأ الأحداث عام 1125 من مخيمهم المسمى (كايلار) لينطلق الصراع مع الصليبيين والسلاجقة والمغول بإنتاج ضخم مبهر يحكي صراع القيم والمصالح والأطماع والخيانات وتجاذب خيار الولاءات للقبيلة أم للدولة أم الأمة في ظل أخطار محدقة بالجميع… ومما زاد اهتمام الناس والنقاد بالمسلسل إسقاطاته السياسية وأثر الخيانات الداخلية على تقويض الدول ونهاياتها وضرورة التصدي لها.في لقائنا بادرت المؤلف والمخرج الشاب محمد بوزداج بسؤال اتهامي قلت فيه:

إن الدراما التركية متهمة بالابتذال والاستعراض الجسدي وإثارة الغرائز، فما هو تفسيرك لمشاهد التعري وتبادل القبلات وقضايا الخيانات الزوجية مع الأقارب؟ وهل تعتقد أن هذا القدر من الابتذال يمثل أخلاقيات الشريحة العظمى من المجتمع التركي؟!!

وبعد أن أجاب.. انتقلت لأسئلتي عن مسلسله (قيامة أرطغرل):

– كيف ولدت فكرة هذا العمل الفني الضخم؟ وهل وراءه دوافع غير العامل التجاري؟ وهل هو عمل مضاد كردة فعل للدراما التركية المنفلتة؟

– هل تتوقع أن تحقق المسلسلات الجادة ذات الطابع المحافظ منافسة مع الأعمال التقليدية ذات الطابع العاطفي (الرومانسي)؟، وما الدليل أو المؤشرات على ذلك؟

– أريدك أن تتخيل معي لو أن مسلسل «أرطغرل» عُرِض قبل 25 سنة في تركيا، هل كان سيحقق النجاح ذاته أم أن لمستجدات الحياة السياسية والدينية في تركيا دوراً في تعزيز هذا النجاح؟

– المسلسل مُشبَّع بالقيم الدينية والإسلامية، فهل هي فكرة كاتب النص أم اشتراطات المُمول؟

– هذا المسلسل يحكي قضية تركية تاريخية خاصة، هل يمكن لقنوات هندية أو برازيلية مثلاً أو غيرها أن تهتم بشرائه وعرضه على شاشاتها؟

– بعض النقاد عابوا على المسلسل المخالفات التاريخية وتغييب بعض الحقائق، وبذلك جاءت الحبكة الدرامية ومستلزمات التشويق والإثارة على حساب الحقيقة والدقة والواقعية التاريخية، فماذا تقول؟

– كشف المسلسل مبكراً عن توجهاته الدينية، فالحلقة الأولى كانت مؤدلجة بامتياز ظهر فيها السيف وذكر الله والفتوى الدينية والتكبير، كما امتلأت بمفردات مثل (الكفار/‏‏ الصليبيين) وبمشاهد جز الرقاب وكثافة القتال المصاحب بعبارات دينية… أما خشيتم من اتهامكم بتسويق الفكر المتطرف والإرهاب لا سيما في الظروف السياسية العالمية الحالية؟

– ما أعرفه أنه ولغاية إجراء هذا الحوار معك لم تقم أي قناة عربية بشراء المسلسل رغم الإقبال العربي الكبير على مشاهدته على موقع «يوتيوب»، وشعبية الدراما التركية عربياً بشكل عام… فهل تعتقد أن السبب كما فهمته من مصادري هو ارتفاع كلفة بيعه؟ أم تعزي ذلك لأسباب أخرى؟

حديث طويل شيق دار بيننا أجاب فيه المخرج عن كل أسئلتي، وقبيل لحظة الافتراق وددت أن أصارحه برأي منقول، استعرته من تغريدة لإحدى الشخصيات الدينية الكويتية ألا وهو الكاتب والشيخ (حمد السنان) الذي لمز بعدم عرض المسلسل في أي من القنوات العربية فكتب في منتصف أغسطس 2016:

«قيامة أرطغرل لم يشتهر كغيره من المسلسلات التركية لأمور منها:

– خلوه من العهر

– تركيزه على القيم

– بعثه «روح الجهاد»

وزدت من طرفي سببين إضافيين:

لأنه يؤكد قيم العدل والحق والانتصار للمظلوم، ويكشف خونة الداخل المتواطئين مع المتآمرين في الخارج!

الخلاصة:

ليس هدف المقال نشر إجابات كاتب نص المسلسل ومخرجه، وإنما الهدف إشراك القارئ العربي الذي أغرقته فضائياتنا بسيل الدراما المستوردة في الهم التربوي العام، ولفت نظره إلى ضرورة الانتباه إلى فاعلية الدراما في الجانب الهدمي للأخلاق بمعناه الواسع وصناعة ثقافة التمركز حول اللذة.

وأيضا الوعي بما وصلت إليه الدراما كأحد أسلحة الصراع الفتاكة بين الاتجاهات المتصارعة والمتنافسة سياسياً وقيمياً سواءً على الصعيد الداخلي للبلدان أو ما يراد تصديره من رسائل وصور ذهنية للمتلقي الخارجي …

ولعل الدراما التركية نموذج حي لذلك.

كما أنني لم أعرض للحكم الشرعي في مثل هذه المسلسلات لأنها تحتاج تفصيلاً لا تسعه مساحة المقال… و»الحلال بيّن والحرام بيّن».

لكنني أدعو دوماً إلى الابتعاد عن كل ما يفسد أخلاقيات مجتمعاتنا ويسعى إلى تغريبها.

mh-awadi@

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى