بيني وبينكم 2004

بينى وبينكم 2004 الحلقة التاسعة عشر عبدة الشيطان ج 3

 

 

عبدة الشيطان ج 3

أقول:

بعد هذه الرحلة المضنية، والأحداث البائسة التي سردها علينا هذا الأخ الكريم، لا بد أن يكون لنا حديث وتوجيه حول هذه المأساة، فقد تنامت هذه الظاهرة في العالم، حتى وصولت إلى الشرق، ودخلت جزيرة العرب!! وهي وإن لم تكن ظاهرة بمعنى الدراسات الاجتماعية، فإنها على الأقل مؤشرات، ومقدمات خطيرة جداً لنشوء الظاهرة.

وفي البداية لا بد من طرح هذا السؤال، ألا وهو:

هل حقيقة هناك ما يسمى بالشيطان، والشياطين، والجن، والغيب، وأن هناك عالماً آخر غير هذا العالم المحسوس؟

فأقول:

أما الماديون العلمانيون فيقولون: نحن الآن نعيش في القرن الحادي والعشرين، في عالم يتحرك، مرصود بجزء الجزء من الثانية، علمياً، وتقنياً، وحاسوبياً، وهو مشاهَد من خلال المجاهر العظيمة، أبعد كل هذا تأتي وتقول: جن، وغيب، وشياطين!!

من يقول ذلك فهو إنسان عقليته غيبية، وما سبب تخلف هذه الأمة الشرقية إلا لأنها ترتبط بالغيب، والفكر الغيبي، والغيبيات!!!

أقول:

هل يمكننا أن نناقش قضية الغيب نقاشاً علمياً، أم أن الغيب قضية تسليم، ومن ثم يكون الاستسلام لما لا يمكن إثباته لا عقلياً، ولا علمياً؟!

والجواب:

سأتكلم عن الغيب، وسأثبت أن أعظم الناس إلحاداً كان يؤمن بالغيب!!

ولكن كيف يثبت الغيب؟

ولماذا يؤمن الإنسان بالغيب؟

أقول:

لعل خير من بحث هذا الموضوع الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه: “من المسئول عن تخلف المسلمين”.

وهنا مشاهد توضح الصورة:

 

 

المشهد الأول:

تدخل على طبيب في بيته، أو في عيادته، فتجد على الطاولة كوب ماء صافي جميل، وأنت عطشان، فتمد يدك إلى الكوب لكي تشرب، فيقول لك الطبيب: لا تشرب من الكوب، لأن فيه من الجراثيم، والميكروبات الخطيرة جداً ما يتلف جسدك!! فتمتنع من الكوب.

المشهد الثاني:

يصلك خبر عن طريق الإذاعة، أو الجريدة الرسمية، أو التليفزيون يقول لك: إن تيار الكهرباء سيقطع عن المناطق التالية، في يوم كذا، لمدة كذا.

فأنت من الطبيعي ستحتاط لمجيء ذلك اليوم حتى لو كان بعد شهور، فتأخذ احتياطاتك، وترتب أمورك.

المشهد ثالث:

في نشرة الأرصاد الجوية يقول لك: في اليوم الفلاني سيحدث خسوف للقمر، أو كسوف للشمس، فبلا شك أنك سوف تستعد لمشاهدة هذا الحدث الكوني.

أقول:

هذه الأخبار التي قمت بالاستعداد لها كلها غيب!!! فلماذا تأخذ إجراءات لما هو قادم؟!

لماذا صدقت الطبيب عندما قال لك: لا تشرب من الكوب؛ لأنه مليء بالميكروبات؟ أنت لم تشاهد الميكروبات، وإنما شاهدت ماءً زلالاً صافياً!!

لماذا أخذت الاحتياط لقضية قطع تيار الكهرباء حسب إعلان الحكومة الرسمية، مع أنه لم يقع بعد؟!!

وكذلك يقال في خسوف القمر، أو كسوف الشمس.

الجواب على ذلك ببساطة:

لأنك آمنت بالغيب، واعتمدت على قضيتين:

الأولى: أن الخبر الذي جاءك مصدره موثوق، وصادق، ويقيني؛ فهذه حكومة رسمية صرحت، وهذا جهاز الأرصاد الجوية المتخصص، وهذا طبيب.

الثانية: لأن هناك تخصصاً يقيناً أن هذا طبيب، وليس إنساناً جاهلاً، وأن هؤلاء أصحاب أرصاد جوية، ودراسات فلكية، وليسوا عواماً، وأن التيار الكهربائي سيقطع من جهة متخصصة في الكهرباء ولها علم.

إذن إذا اجتمع تواتر الخبر من مصدر يقيني، مع التخصص، مع صدق الخبر،     فكل هذا يجعلنا نؤمن بما سيأتي من الغيب.

 

كذلك من الأمثلة:

من منا لا يؤمن بأن الأهرامات من صناعة الفراعنة؟!

هذا الكلام يؤمن به الغربي، والشرقي، ويؤمن به المسلم، والمسيحي، واليهودي، والبوذي، ويؤمن به الملحد، والموحد.

والسؤال:

هل هناك أحد من هؤلاء جميعاً رأى الفراعنة وهم يبنون الأهرامات؟!

لا، لم يشاهدهم أحد منا؛ ولكن هناك دراسة للحروف الهيروغليفية، والتاريخية، أثبتت هذا الأمر التاريخي الموغل في القدم، قبل عصر رسالة عيسى عليه السلام، ورسالة محمد عليه السلام! لماذا؟

لأن هناك مصدراً يقينياً ألا وهو دراسة خبرية.

كذلك نظرية دارون التي درّست لنا في المدارس، بأن أصل الإنسان قرد، مع أنها سقطت علمياً، إلا أن كثيراً من العلمانيين يؤمن بها، مع أنهم لم يطلعوا على نشأة هذا الإنسان.

وللأستاذ جلال أمين بحث بعنوان: “حول مفهوم التنوير نظرة نقدية لتيار أساسي من تيارات الثقافة العربية المعاصرة”، تكلم في هذا النقد عن الغيب العلماني، والإيمان بالاشتراكية، وتقدمها، والإيمان بالتحكم في الكون، والإيمان بأن العلم سوف يقفز بالإنسان قفزة ينهي فيها الفقر، وكلها غيبيات يؤمن بها هؤلاء!!

وهذا الأستاذ عباس العقاد في كتابه: “أيام في صالون العقاد” ناقش الماركسيين، والملاحدة، وقال لهم: أنتم مغرقون في الغيبيات!!

إذن فالكل يؤمن بالغيب بناءً على المنهج الذي ذكرناه، فمن أراد أن يسخر ممن يعتقد بالغيب، فليسخر من نفسه أولاً؛ لأنه ولا بد يؤمن بالغيب، ولو كان في قمة الإلحاد؛ ولكن المنهج، والحقيقة العلمية، هي التي تكشف ذلك.

والفرق مثلاً بين من يؤمن بأن الإنسان في أصله قرد، ويؤمن بنظرية دارون، ولكنه لا يؤمن بعالم الغيب في عقيدة الإيمان، والملائكة، والجن، والشياطين، أنه آمن بأن دارون صاحب فراسة، وعالم، وصادق، وقادر على أن يكتشف الحقيقة العلمية، فلما آمن به، آمن بالنتيجة التي جاءت منه!

لكنه لم يؤمن بأن القرآن كتاب أنزله الله سبحانه وتعالى، حتى يؤمن بما فيه من غيبيات!!

فالدخول مع هؤلاء في قضية الغيب، وهو لا يؤمن في الأصل بوجود الله سبحانه وتعالى يعدّ عبثاً.

فلا يمكن أن نناقش الجزئيات، ونحن لم نتفق على الأصول، فلا بد أن نفتح الجدل العقلي في إثبات هل هذا الكون وُجد صدفة؟ عبث؟ لم يأت من خالق، أم أنه يمتد في القدم إلى ما لا نهاية في التاريخ، وليس له بداية؟!!

هذه هي المشكلة التي بيننا، وبين هؤلاء الذين ينكرون الغيب، فالكل يؤمن بالغيب.

القضية الأخرى في موضوعنا:

أننا قلنا: إن عبدة الشيطان يدافعون عنه، ويرون أنه كان مصيباً في اعتراضه على الله سبحانه وتعالى، وأنه ظُلِم بطرده من رحمة الله عز وجل!!

مع أن هذا الكلام لا يصدر من عاقل، لكن يمكن تصوره من هؤلاء المراهقين الأغرار الذين يعبدون الشيطان، لكن العجب لا يكاد ينقضي حينما يأتي مثقف أو دكتور ويأصل لهذا الأمر، ولو أنهم لم يكونوا يؤمنون بالغيب، والشيطان، إلا أنهم يفعلون ذلك نكاية في الدين، واعتراضاً على النصوص الشرعية!!

وأشهر هؤلاء الذين أثاروا ضجة في كتاب يعتبر الآن جزء من الخرافة؛ لأن العلم الحديث نسف تلك الأفكار القديمة، الدكتور صادق جلال العظم الذي دافع دفاعاً مستميتاً عن سلمان رشدي، وروايته الشيطانية، إلى حد أنه أغضب كبار العلمانيين الليبراليين، فردوا عليه ردوداً طويلة، نشرتها مجلة الناقد اللبنانية المعروفة!

يقول جلال صادق العظم: إن الشيطان مظلوم!!! لماذا أيها الأستاذ المبجل؟

قال: لأن الشيطان عندما لم يسجد لآدم فإنما أراد أن يحقق التوحيد الخالص، وأنه لا يسجد إلا لله، فهو مخلص في توحيده، ولم يرد أن يقع في الشرك العظيم، ويرتب على ذلك أنه يجب علينا أن نعيد له اعتباره، وأن نكف عن الاستعاذة منه، أو وصفه بالأوصاف القبيحة!!

إلى هذا الحد يصل الدفاع عن الشيطان!!!

وأقول له: ومن قال لك: إن الشيطان عندما لم يسجد لآدم كان يقصد تحقيق التوحيد الخالص؟ فالله تعالى يقول عنه: {قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين}، إذن الذي منعه ليس التوحيد؛ وإنما: {إلا إبليس أبى واستكبر}، الاستكبار، والغرور، والتعالي.

الأمر الآخر: من قال لك: إن سجود إبليس كان المقصود به سجود عبادة؟

كلا، بل هو سجود تحية، كما قال ذلك علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين.

وهو من نفس نوع سجود أبوي وإخوة يوسف ليوسف، {فخروا له سجداً}، سجود احترام، وتقدير، وتحية.

إذن هذه شبهة ساقطة، تافهة.

كذلك من أعمال عبدة الشيطان أنهم يحضرون الأرواح في حفلاتهم، ومجالسهم!!!

فأقول: فأين: {قل الروح من أمر ربي

ثم: كيف تحضرون الأرواح؟

تحضير الأرواح أكذوبة، وخديعة، كبرى، وللدكتور محمد محمد حسين رحمه الله تعالى، كتاب بعنوان: “الروحية الحديثة وقضية تحضير الأرواح وصلتها بالفكر الصهيوني”، أبطل هذه الأكذوبة، وأتى عليها من جميع أركانها.

وها هنا سؤال قد يطرحه كثيرون:

الله لا يحب الشر، والشيطان مصدر الشرور جميعاً في الاعتقادات، والعبادات، والسلوكيات، فلماذا خلقه الله سبحانه وتعالى؟

والجواب:

نحن نعلم أن لله سبحانه وتعالى حكمة في خلقه، كما نعلم من جهة أخرى أن الله سبحانه وتعالى هو الوحيد الذي لا يسأل عما يفعل؛ ولكننا مع ذلك نحاول أن نتلمس الحكمة، وخير من أجاب على هذا السؤال هو الإمام ابن قيم الجوزية، في كتابين من كتبه: الأول: “شفاء العليل”، والثاني: “مدارج السالكين”، ثم جاء تلميذه الإمام ابن أبي العز الحنفي في كتابه: “شرح العقيدة الطحاوية”، وأجاب على السؤال.

وأصل الإجابة ينبني على أن لله سبحانه وتعالى مرادات لذاتها، ومرادات لغيرها.

فالمراد لذاته محبوب لذاته، كالعبادات، والصلاح، والخير إلى آخره.

والمراد لغيره قد لا يكون محبوباً لذاته؛ ولكنه مطلوب للنتيجة التي يترتب عليها، أي أنه وسيلة إلى الخير، حتى لو كان في ظاهره شراً، أو عدم رضا عنه، فالله يريده، ولا يحبه.

مثال ذلك: الدواء قد تكون رائحته كريهة، وطعمه مرًّا، فأنت لا تحبه، ولكنك في الوقت نفسه تريده وتشربه؛ لأنه يحقق لك نفعاً.

كذلك السفر الشاق من أجل مكاسب كبيرة، فالسفر تعب وعناء، فأنت لا تحب السفر الشاق المرهق الممل المتعب؛ ولكنك تحب النتيجة لهذا السفر.

إذن الشيطان عندما خلقه الله سبحانه وتعالى أراد من خلقه حكمة، وأول حكمة تتجلى في ذلك هي:

القدرة الإلهية التي تستطيع أن تخلق الشيء، ونقيضه، كالشيطان، وجبريل، فالشيطان قمة الشر، وجبريل قمه الخير.

وكالحر والبرد، والنار والثلج، والحق والباطل، إلى آخر المتناقضات، التي تتجلى فيها قدرة الله سبحانه وتعالى.

ثم إن  في خلق إبليس تجربة تنقل لهذا الإنسان المكلف أن يستفيد منها.

كذلك ثم في خلق إبليس تحقيق لعبودية الإنسان لله تعالى، كعبودية الاستغفار، وعبودية التوبة، وعبودية الاستعانة بالله سبحانه وتعالى من هذا الشرير، وعبودية الاستعاذة بالله سبحانه وتعالى من الشيطان الرجيم.

كذلك قضية الفتنة في هذه الحياة،        فأنت في الحياة إما راسب، وإما ناجح، وكذلك في الحياة الآخرة هل ستنجح أم لا؟

هذا مصدر الشر، وهناك مصادر للخير، وأنت تختار، فهي قضية امتحان في هذا الوجود.

إلى غير ذلك من حكم.

والله رب العالمين يقول لنا: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين}، فمع هذا التهديد والتحذير إلا أن عبادته قد وقعت مع أنه عدو مبين!!

ويقول الله تبارك وتعالى عن حقيقة دعوة الشيطان: {إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير}، فهل هناك من يمشي مع قائد جهنم، وقائد السعير؟!!

ويقول الله تبارك وتعالى عن النتيجة النهائية التي يكتشفها كل من يسير على خطى الشيطان، أو من يسجد للشيطان يوم القيامة: {كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك}، فهدف الشيطان أن تكفر؛ لأنه حاقد على بني آدم، وأخذ العهد على بني آدم أن يضلهم ويغويهم، ومع ذلك نقول: إن باب التوبة مفتوح، والتوبة هي إعادة بناء الذات، وتصحيح المسير، والتواصل من جديد مع مصدر الحق مع الله سبحانه وتعالى، ومع الدين الحق، ومع تحقيق إنسانيتك، وعبوديتك لله عز وجل، فعبادة الشيطان قمة الإسراف، والزندقة، والكفر.

والله سبحانه وتعالى ينادي علينا جميعاً فيقول: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم}.

فمن وقع فلا يظن أن تلك النهاية، بل الله تعالى يحب عبده التائب الذي يزل، فيعلم أن له ربًّا غفوراً رحيماً، فيرجع ويستغفر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى