بيني وبينكم 2004

بينى وبينكم 2004 الحلقة التاسعة والعشرون انتحار الجامعيين

 

انتحار الجامعيين

لماذا ينتحر الإنسان؟

وهل هنالك صلة وارتباط بين مستوى الثقافة، وبين الانتحار؟ بمعنى هل يمكن أن ينتحر الإنسان، ولديه حصيلة ثقافية من المعرفة الإنسانية، أو التخصص الأكاديمي النوعي البحت؟

وهل يمكن لإنسان يؤمن بالله سبحانه وتعالى إيماناً حقيقياً لا تقليداً، أياً كان هذا الإيمان، من أي دين كان، ويؤمن بأن هناك بعثًا، وحسابًا، ويرتبط ارتباطاً موضوعياً بهذا الإيمان، هل يمكن أن يُقبل على الانتحار؟

الجواب:

سيكون من خلال السرد للكثير من الحوادث الواقعية، سواء في الغرب المنحل، أو في الشرق المفتون، وليس من خلال السرد المعلوماتي الذي يعتمد على كتب الطب النفسي وغيرها، حيث أن معدلات الانتحار تزداد يوماً بعد يوم بشكل يدعو للقلق!

فإذا ما ذهبنا إلى الصرح الجامعي، والجامعة كما نعلم تعبر عن النخبة الفاعلة الحية المتحركة، التي لديها قابلية التطور، والعطاء، والنماء، فإننا نلحظ ذلك بوضوح! فإن لم يكن انتحارًا، فمقدمات الانتحار كالاكتئاب! كما يقول كل علماء النفس: إن الاكتئاب أول نُذُر الانتحار.

والجامعيون شباب، والشباب مراحل، ونحن عندما نتكلم الانتحار، فإن الذهن ينصرف إلى المعنى الحسي للانتحار: كأن يحتسي أحدهم سُمًّا، أو يلقي نفسه من شاهق، أو يُلقي نفسه في نهر أو بحر، أو غير ذلك من طرق قديمة وحديثة، إلا أن هناك انتحارًا من نوع آخر، ألا وهو يأس الإنسان من الإنسانية، والنظرة المتشائمة الحادة للحياة، والنظرة الظلامية للناس، والشك في البشر، وانقطاع الأمل، واليأس، فماذا تكون النتيجة عندها؟

لن ينتحر مادياً؛ لكنه سينسحب من الحياة، ويعيش في همومه، وينزوي في ذاته!

وهناك انتحار من نوع آخر، ألا وهو أنه البعض إذا رأى طوفان الفساد والانحراف، ومادية الإنسان، وإطلاق النفس لكل أنواع الشهوات، واللذائذ، وفقدان الإنسان لكرامته الإنسانية، فإنه ينتحر بالذوبان في تيار المادة، والغريزة، واللامسؤولية عن أي سلوك!

ومن الكلمات التي قرأتها في كتاب: (صالون العقاد): أنت شاب إذن أنت متطرف! والمقصود بالتطرف هنا هو: الاندفاع، فالشاب مندفع في أغلب أحيانه، وهذا من خصائص الشباب، كما أن من الخصائص الاعتداد بالذات والرأي، والمرحلة التمرد على السلطة، أيًّا كانت، مدرسة، أو والدين، أو قانونًا، أو غير ذلك، والعجلة في اتخاذ القرارات، والاعتداد بالمعرفة، والقدرة على إظهار خلاف الباطن، فهو شيء، وباطنه شيء آخر، وهو التمثيل، والتشكل، وغير ذلك من خصائص، وصفات.

في إحدى الليالي وأنا جالس أتصفح كتابًا من الكتب، جاءني هاتف، وإذا به أحد أستاذة الإعلام في جامعة الكويت، وبعد السلام والتحية، قال لي: يا أخ محمد أريدك في خدمة. قلت: تفضل. فقال: عندي طالبة حديثة عهد بالثانوية، مستجدة؛ لكنها غريبة في جُرأتها، وفي أفكارها، جريئة في إبداء آرائها التي تصطدم بمسلمات كثيرة في ديننا، وفيما ورثناه أيضاً! فقلت له: مثل ماذا؟ فقال: كثيراً ما تقول: إلى متى ونحن نعيش أسرى لما هو ماضٍ؟، لماذا لا نجتهد لحاضرنا؟ لماذا ننسخ الماضي مهما كان وضعه؟!

لماذا المرأة هي الوحيدة التي يُركز عليها في الإدانة، والتجريم، أكثر من الرجل؟!

لماذا تتردد على مسامعنا كثيرًا هذه الكلمات المقززة والمملة: حرام، عيب، غلط، لا يجوز، لماذا هذا المنع؟!!

فقلت: وأيضًا؟

قال: لقد تطور الموضوع بحيث أنني كلما كلفت الطلبة، والطالبات ببحث ميداني في الصحافة، فإنها تختم البحث بتساؤلات أجرأ من تلك التساؤلات!

فقلت له: وماذا كان موقفك يا دكتور؟

فقال: طلبتها في مكتبي، وقلت لها: يا ابنتي كلامك هذا أكبر من سنك، فهل تستمعين لأحد بهذا الخصوص؟ وهل تقرئين كتبًا معينة؟

فقالت لي: لماذا يا دكتور؟

فقلت لها: لأن كلامك يضرب مسلمات دينية؟

فقالت: نحن في الجامعة، وإذا لم نناقش المسلمات في هذا الصرح الأكاديمي، فأين نناقشها؟!

فقلت لها: لكن هناك مسلمات.

فقالت: حتى المسلمات قابلة للحوار!

فقلت لها: ولكن هناك دين نحن مؤمنون به.

فقالت: والدين أفكار، ونحن نناقش الأفكار!

فقلت لها: ولكن هناك حلال، وحرام، وأحكام لله تعالى.

فقالت: حتى الله يمكننا أن نناقشه!!

يقول الدكتور: فبهرتني بهذه الإجابة غير المتوقعة أبدًا.

فقلت لها: تساؤلاتك هذه أنا غير مختص فيها، فهل لديك استعداد أن تجلسي مع أحد المتخصصين ليحاورك؟

فقالت: لا إشكال عندي، فأنا أريد أن أرتاح نفسياً؛ لأن هذه الأسئلة عملت لي قلقًا!

فقلت للدكتور: يا دكتور، نحن المفترض أن نفتح صدورنا للطلبة، والطالبات، والناس جميعًا، فمن حق الإنسان أن يستفسر عما هو مشكل عليه، وأن يتساءل عما هو غامض عنده، وأن يطلب شرح ما هو لغز لديه، هذا من حقهم.

فقال: ولكن المشكلة أنها لم تكتفِ بذلك، وإنما بدأت تطرح تلك التساؤلات، والتشكيكات في القاعة، وفي المحاضرة، أمام الطلبة، وفي الحوار العام، حتى تحول الأمر إلى صراع في بعض الأحيان، وتكلم أحد الطلبة معها بكلام قاسٍ! فتوترت الأمور أكثر من ذي قبل، فطلبتها لمكتبي، وقلت لها: أفكارك هذه شأن خاص لك، لا تعرضيها في المحاضرة أمام الطلبة، فإن شئتِ أن تناقشي بها فاكتبيها في ورقة، وأرسليها إلي، أو تعالي إلى مكتبي وناقشيني فيها، لأنني لا أريد بلبلة في القاعة.

فقالت: يا دكتور أنا أريد أن أفهم.

فقلت لها: إذن سآتيكِ بمتخصص تجلسين معه؟

فقالت: موافقة.

ثم قال لي: وبما أنت يا أخ محمد متخصص في علوم العقائد، فأريدك أن تجلس معها.

فقلت له: على الرحب والسعة، ولكن أريد أن أقول لك شيئًا.

فقال لي: تفضل.

فقلت له: كثير من أصحاب التمرد الفكري، رجالًا، ونساء، وشبابًا، وفتيات، يكون أصل قضيتهم نفسية اجتماعية تربوية! فيبررون هذا التعب النفسي، والاجتماعي، والتربوي، بالتمرد الفكري، وعرض الأسئلة الجريئة كانتقام، وتغطية لذلك الضعف، وكتعبير لفظي عما يستكن في نفوسهم من آلام، ومصائب، بمعنى أنهم يحتاجون إلى إرشاد نفسي قبل الحوار العقلي.

ولكنني كنتُ مشغولاً في ذلك الوقت بسفر، فلم أستطع الجلوس مع تلك الفتاة، وبعد عودتي اتصلتُ على الدكتور وقلت له: أنا على أتم الاستعداد أن أجلس مع البنت، ودراسة مفاصل أفكارها.

فقال لي: لقد فات الأوان يا دكتور محمد!

فقلت له: ولماذا؟

فقال: لقد انتحرت البنت بالأمس!!

فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله!

ثم قلت له: ألم أقل لك: إن هذه الفتاة تعيش أزمة نفسية؟ إما اجتماعية، أو عائلية، أو غير ذلك.

والسؤال المهم في هذا المقام: لماذا انتحرت هذه الفتاة؟

ينتحر الإنسان عندما لا يجد لحياته هدفًا.

ينتحر الانسان عندما لا يكون عنده إيمان، بل يكون قد وصل إلى مرحلة الصفر.

ينتحر الإنسان عندما يصل إلى قمة الاكتئاب، ويرى أنه ليست له قيمة في هذه الحياة، وأن الموت أولى له من الحياة.

ينتحر الإنسان عندما يريد أن ينتقم من المجتمع، ومن الأسرة، ومن الواقع، ومن الدولة، بل ومن الجميع.

ينتحر الإنسان عندما يتخذ من نفسه القاضي، والجلاد في نفس الوقت.

ينتحر الإنسان عندما لا يرى أي أمل في هذه الحياة، ولا يرى أي سند إيماني يقول له: اصبر.

انتحرت تلك الفتاة، وذهبت إلى ربها، ولكنها لو كانت تؤمن بأن هناك حديثًا نبويًّا يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (من وجأ نفسه بحديدة فحديدته بيده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها، ومن احتسى سُمّاً فإنه يحتسي في نار جهنم سُمّاً خالداً مخلداً فيها، ومن تردى من جبل)، فهل من الممكن أن يقع منها ذلك؟

لا شك أن الانتحار هو قمة اليأس، وقمة القحط الإيماني عند أي انسان، ولذلك فقد ذكر الدكتور عبد المنعم الحفني في كتابه: الجامع في الاضطرابات النفسية، وطرق علاجها: أن المثقفين وأصحاب المهن الرفيعة أكثر انتحارًا من أصحاب المهن الوضيعة! وأن الانتحار عند غير المتدينين، أكثر من الانتحار عند المتدينين! وأن الانتحار في المدن، أكثر من الريف! وفي المجتمعات المتقدمة، أكثر من المجتمعات المتخلفة! فالقضية ليست متعلقة بالثقافة، بقدر تعلقها بالحالة التي يعيشها الإنسان.

وقصة أخرى على النقيض من ذلك، فعندما يصل بالإنسان إلى أن ينتحر بدنياً، أو أخلاقياً، أو سلبياً، بالانسحاب من المجتمع، فمن الممكن أن يُفيق هذا الإنسان من غفلته، وضلاله، إذا وجد بصيصاً من النور، وإذا اهتدى إلى الطريق، وإذا عرف أن هناك مصدرًا يستلهم منه الرحمة، والقوة، والعطاء، وهو الله سبحانه وتعالى.

إنها قصة استغاثة مواطن في لندن، فما قصته؟

عاش مأساته وحده في بريطانيا، لا قريب، ولا حبيب، ولا صديق، كان يتمنى أن يموت بين ذراعي والده، أو على صدر أمه، أو بين لفيف من أصحابه وأحبابه.

والقصة حدثني بها الدكتور نجيب الرفاعي صاحب البرنامج التليفزيوني: رسائل الإخاء، حيث يقول:

جاءني اتصال من لندن: السلام عليكم ورحمة الله.

فقلت: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، من معي؟

فقال: فلان، أحد أصدقائك أيام الثانوية، هل تذكرني؟

فقلت له: قد أعرفك إذا رأيتك، أما الاسم فلا. ولكن كيف عرفت رقمي؟

فقال: أخذته من الإعلام بناء على برنامجك عبر التلفاز.

فقلت له: خيرًا؟

فقال: عندي كلام خاص أريد أن أقوله لك.

فقلت له: تفضل.

فقال: لا، يجب أن أراك.

فقلت له: أنا موجود في الكويت، ومتى ما جئت فأنا أتشرف برؤيتك.

فقال: لا أستطيع، أليست لك سفرة إلى لندن؟

فقلت له: لي زيارة بعد أسبوعين لعلاج الوالدة.

فقال: إذن هذا رقمي، فلو تتكرم بالاتصال علي عند وصولك.

يقول الدكتور: وبعد أسبوعين سافرت إلى لندن، واتصلت على الشاب، وذهبت إليه، فلما طرقت الباب فتح لي، فعرفته مباشرة، وتذكرت ذلك الشاب الطويل الوسيم الظريف الغني، فأردت أن أضمه؛ ولكنني شعرت أنه امتنع! كأن هناك شيئًا.

جلسنا، وتحدثنا، وأحسست أنه لم يقل ما يريد، وإنما كانت الجلسة مجرد سلام، وتحيات، فقلت له: يا فلان هل عندك شيء تريد أن تقوله، لأنني كما تعرف ملتزم مع الوالدة؟

فقال لي: ألم تسأل نفسك لماذا عندما فتحت لك الباب ما ضممتك؟

فقلت له: لقد استغربت نوعاً ما.

فقال: ألم تسأل نفسك لماذا لم أقدم لك شيئًا: لا فنجال شاي، ولا كأس ماء، ولا علبة عصير؟

فقلت له: لعل جمال الحديث، ومتعته، أنسانا ذلك.

فقال: كلا، بل لأنني موبوء، وملوث، ومليء بالجراثيم!!

فقلت له: لم أفهم ما تعني؟

فقال: أنا مصاب بالإيدز!! وفي مراحل متقدمة!

فأنا شاب لا ينقصني شيء، لا صحة، ولا مالًا، ولا جاهًا، ولكنني استغللت هذا المال، وهذه الصحة، وهذه العافية، في معصية الله تعالى، وفي طريق الخطايا والآثام، فكنت أسافر هنا وهناك، وأنفق الأموال في الحرام، وأقع في الزنا، والكبائر، إلى أن ابتليت بهذا المرض.

فقلت له: وكيف لي أن أساعدك؟ وما هو وضعك الآن؟

فقال: أنا من البيت إلى المستشفى، والعكس، ليس لدي أصدقاء، وكما تعلم أن لندن فيها كل الملل والنحل، فأنا أدعوهم إلى معرفة الله سبحانه وتعالى، وترك الشرك، أتسلى بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وإرشاد الناس، سواء كانوا عربًا أو غير عرب، ولا أذهب إلا إلى مكان واحد! وهو حديقة المستشفى، أنزل إليها، وأتأمل تلك الفراشة البريئة الجميلة، تنتقل من وردة إلى وردة، فأتمنى لو كنتُ تلك الفراشة؛ لأنه لا إثم عندها، ولا إجرام، أتمنى لو كنت ذلك الجدول الرقراق، العذب الصافي الزلال، غير الملوث بخطايا بني آدم، أتمنى لو كنت ذاك الطير الحر، يقفز من غصن إلى غصن، ويغرد، ويملأ الفضاء بتنقلاته، وحريته، أتمنى لو كنت قطرة الندى على الزهرة الظمأى، أتمنى لو كنت أي شيء غير الإنسان، الذي يرتكب الخطايا والآثام بالصحة، والعافية، والمال، اللاتي أعطاه الله سبحانه وتعالى إياها، لكن عزائي الوحيد أن هذا الذنب، وهذه المعصية، أرشدتني إلى الله تعالى، وعرفتني طريق الصلاح، والصلاة، والصيام، والدعاء، واللجوء إلى الله، الذي ينزل علي كأنه برد وسلام على قلبي.

فقلت له: وماذا تريد مني أن أخدمك به؟ هل ينقصك مال؟ هل أساعدك بشيء؟ هل أكون وسيطًا بينك وبين أهلك، فأشرح لهم القضية؟

فقال: أريد منك شيئًا واحدًا، أن تذكر قصتي في برنامجك، وتوصل رسالة إلى الشباب وتقول لهم: إن الطاقة، والصحة، عافية من الله عز وجل، فاستغلوها في طاعته، فرسولكم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول: (سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله، منهم: وشاب نشأ في طاعة الله)، فالحرام لا يدوم، وإذا دام دمّر، وإذا لم يدمر الآن، فإنه يدمر بعد ذلك، فابحثوا عن الطريق، وابتعدوا عن الانتحار بالمعاصي، وبالآثام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى