بيني وبينكم 2004

بينى وبينكم 2004 الحلقة الثالثة والعشرون ال البيت ج 1

 

(أهل البيت/ ج1)

(اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل ابراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد).

هذه الصيغة التي يحفظها ملايين المسلمين، حتى ممن كان مفرطاً في صلاته، هذه الصيغة الخالدة الأبدية التي فرضها الله سبحانه وتعالى على المسلمين تخليداً لذكرى نبيهم، وارتباطاً بخاتم الأنبياء، واستمراراً مع النفحة النبوية إلى أن يلقى الإنسان ربه.

وقفة روحانية إيمانية مع آل البيت، أو أهل البيت، أو العترة الطاهرة، أو الأشراف، مسميات كثيرة نقرأها في الكتب، وكلها لمسمى واحد، ودلالة واحدة.

يقول أهل اللغة: إن الآل، والأهل، تدل على معنى واحد، فهي مترادفة، لكن العرف استقر على أنه: إذا أطلق الآل، فإن المعنى ينصرف إلى آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه خصوصية لهذا النبي عن بقية الأنبياء، وإن كان لهم آل أيضاً، إلا أن هذه اللفظة رتب عليها أحكام، وآداب.

ومما يعتمد عليه في أن هذا اللفظ ينصرف إلى آل النبي صلى الله عليه وسلم، قول الله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم طهيراً}، كما قال الراغب الأصفهاني في كتابه (غريب مفردات القرآن)، هذا من الناحية اللغوية.

أما من الناحية الاصطلاحية فمن هم آل البيت؟

هناك أربعة آراء وأقوال من خلال استقراء القرآن، والسنة، وحياة النبي صلى الله عليه وسلم، والآثار، وسيرة آل البيت:

القول الأول: الذين حرمت عليهم الصدقة.

القول الثاني: ذريته، وأزواجه.

القول الثالث: عموم أتباعه.

القول الرابع: الأتقياء من أتباعه.

ولكل فريق أدلته التي رجح بها قوله، وقد ذهب جمهور الفقهاء، وغالب العلماء إلى أن آل البيت هم: من حرمت عليهم الصدقة.

ومن أشهر الأدلة لهذا القول: حديث غدير خم، وغدير خم: هو ماء بين مكة، والمدينة، والحديث رواه الإمام مسلم، وغيره، عن يزيد بن حيان، قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة، وعمر بن مسلم، إلى زيد بن أرقم، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيتَ يا زيد خيراً كثيراً، رأيتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمعتَ حديثه، وغزوتَ معه، وصليتَ خلفه، لقد لقيتَ يا زيد خيراً كثيراً، حدِّثنا يا زيد ما سمعتَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: يا ابن أخي، والله لقد كبرت سِني، وقدم عهدي، ونسيتُ بعض الذي كنتُ أعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما حدثتكم فاقبلوا، وما لا، فلا تكلفونيه، ثم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فينا خطيباً، بماء يدعى خمًّا، بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: ” أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به، فحثَّ على كتاب الله، ورغب فيه، ثم قال: «وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي». فقال له حصين: ومَن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته مَن حُرم الصدقة بعده. قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس. قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم.

فهذا الحديث يرجح قول جمهور الفقهاء من أن لفظ آل النبي عليه الصلاة والسلام إذا أطلق، فإنه ينصرف إلى من حرمت عليهم الصدقة، لأنه يترتب عليه أحكام شرعية.

ولكن: هل نساء النبي صلى الله عليه وسلم من أهله؟ وإذا كنّ من أهله، فمن أي نوع؟

القضية هنا فيها عموم، وخصوص، وأخص.

أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، تروي لنا حديثاً رواه الإمام مسلم، وهو حديث الكساء، فتقول: خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط مرحل- أي كساء منقوش عليه صور رواحل الإبل-، من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}.

إذن أصحاب الكساء هم أخص آل البيت، لأنهم أخص الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأقربهم إليه، وألصقهم به، فلهم من الخصوصية ما ليس لغيرهم.

ثم تأتي المرتبة التي بعدها من أهل البيت وهم: من حرمت عليهم الصدقة، وهم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، ويدخل أصحاب الكساء في هذه المرتبة.

أما زوجات النبي صلى الله عليه وسلم فهنّ من أهله، ويدخلن في المرتبة العامة ممن لا تحرم عليهم الصدقة.

وهذا مأخوذ من الآية الكريمة، لأننا عند تفسيرنا لأي آية من كتاب الله تعالى، لا بد من النظر إلى سياقها، وسباقها، ولحاقها، أي الآيات التي جاءت قبلها، والآيات التي جاءت بعدها، والسياق العام الذي يسير فيه المعنى، فالآيات في سورة الأحزاب تبدأ بقوله تعالى: {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً)، ثم يخاطبهن بعدها بقوله: {وقرن في بيوتكن، ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً}، ثم يقول بعدها: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله، والحكمة إن الله كان لطيفاً خبيراً}، فسياق الآيات، وسباقها، ولحاقها، في نساء النبي صلى الله عليه وسلم، بمعنى أنهن داخلات في أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ما رجحه الجمهور.

إلا أنه يلاحظ أن الآية جاءت بلفظ التذكير في قوله: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ويطهركم تطهيراً}، فلم يقل: عنكنّ، ولا: يطهركنّ!

قال أهل  التفسير: أتى بها بصيغة التذكير لأن النبي صلى الله عليه وسلم منهم، فهو رأس أهل البيت، وإذا اجتمع الذكر والأنثى، فإنه يغلب لفظ المذكر لغة، وأمثلة ذلك كثيرة في كتاب الله تعالى، فمن ذلك:

قوله تعالى عن إبراهيم وزوجه: {أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد}، فقال: عليكم، ولم يقل: عليكما، أو عليكنّ، مع أنه لم يكن ثمة إلا إبراهيم عليه السلام، وزوجته، لأنه غلب جانب الذكورة على الأنوثة، وحتى يدخل تلك في الآية كل آل البيت من الذكور والإناث.

كذلك قوله تعالى عن سيدنا موسى عليه السلام: {فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور ناراً قال لأهله امكثوا}، ولم يقل: امكثن، أو امكثي، ثم قال: {لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون}، فلم يقل: آتيكن، أو آتيكِ، فغلب جانب المذكر.

هذا هو الوارد في تعريف الآل باختصار، أما حقوقهم، وما هو واجبنا تجاههم؟ فمسألة مهمة للغاية، وهي من الأمور التي ينبغي لكل مسلم معرفتها، والعمل بها، فمن ذلك:

حق المحبة، والمودة في القربى، والتقدير، والتعظيم، والإجلال.

فلو سألتُ كل مسلم: ما هو موقع محبة آل البيت في قلوبك؟

فالجواب الحاضر والبديهي: أن حبهم جزء من حب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس هذا كلام أهل الالتزام والتدين، بل حتى عصاة الموحدين، وفساقهم، يقولون ذلك.

قال الإمام البيهقي في كتابه شعب الإيمان: ومن تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم تعظيم أهل بيته.

والإمام ابن تيمية يرى أن حبهم، وتوليهم، وحفظ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم قاعدة في الاتباع، لأنه صلى الله عليه وسلم يقول: (أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي لأجلي)، ولذلك روى البخاري في صحيحه قول أبي بكر الصديق لعلي رضي الله عنهما: (والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي)، لأنك إذا وصلت قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكأنما وصلت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي حديث آخر في البخاري: (ارقبوا محمداً صلى الله عليه وسلم في أهل بيته)،  قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قوله: ارقبوا محمداً في أهل بيته، يخاطب بذلك الناس، ويوصيهم به، والمراقبة للشيء المحافظة عليه، يقول: احفظوه فيهم، فلا تؤذوهم، ولا تسيئوا إليهم.

ومجتمع الصحابة كغيره من المجتمعات البشرية، يحدث فيه الخلاف، والتنازع، والتخاصم، وغير ذلك، إلا أن ذلك لا يدوم، بل سرعان ما ينتهي، ويتبدد، فمن الخطأ أن نصوِّر للناس مجتمع الصحابة على أنه مجتمع ملائكي، لا يعتوره قصور، أو أخطاء، لأن ذلك لن يكون مستساغاً للاقتداء، وفي المقابل ليس من الأمانة العلمية، ولا الخلقية، تصوير هذا المجتمع الطاهر النقي على أنه مجتمع أحزاب، وولاءات، وانتماءات فكرية، أو حزبية، أو غيرها، كما يدعي ذلك المستشرقون!!

نعم هناك انتماءات، ولكن تبقى قاعدة: إن أكرمكم عند الله أتقاكم هي المهيمنة على الجميع، وتبقى خصوصية آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم لها مكانتها، ومنزلتها المحفوظة من قِبل الجميع.

ولذلك وجدنا في عقيدة كل مسلم سواء أكان ملتزماً، أو عاصياً، وجوب محبة النبي صلى الله عليه وسلم، ومحبة أهله، لأنها تبع لمحبته، هذا على مستوى المشاعر الوجدانية، إلا أن الإشكالية الحقيقية على مستوى التطبيق، والاقتداء!!

ومن هذا المنطلق لم يفتأ أعداء الإسلام عن التطاول على رموز هذه الأمة، وعظمائها، وقادتها، ومقدساتها، كل ذلك بحجة حرية الفكر والرأي، وبحجة النقد البناء!! وكذبوا في ذلك، فإننا لا نسمع لهم حساً ولا صوتاً في نقد غير الإسلام، من مذاهب، وعقائد، وأديان، فلو كانوا صادقين -كما يزعمون- لعاملوا الجميع بالمعاملة نفسها، أمَا أن يسلطوا سهامهم، وكيدهم لهذا الدين، وتكون بقية الأديان منهم في سلام، وأمان، فهذا هو النفاق العالمي البغيض.

هذا على مستوى الطعن، والسب، والاستهزاء، والحوادث في ذلك أكثر وأشهر من أن تذكر.

أما على مستوى الفكر، فتعالوا نقرأ للذين ﻻ يدققون في العلم، ويكتبون علماً بمنطق صحفي! فهذه فاطمة المرنيسي، علمانية مشهورة، وكاتبة تطرح في كتابها قضايا فكرية ونقدية، تصوبها نحو أحكام الإسلام، وقضاياه! فهي تتكلم مثلاً عن منطق التحقير الذي عرف به الحكام المعاصرين في الحكومات المعاصرة، وتتساءل: ما هو الامتداد التاريخي الذي فرض على الشعوب المسكينة البائسة؟

هل تعلمون ماذا كانت إجابتها؟!!

لقد قالت: إنه علي بن أبي طالب!!!

قالت: لأن علي بن أبي طالب يصف العامة فيقول: همج رعاع أتباع كل ناعق!

فهذا تحقير للجنس البشري، بأبشع صوره!

ولكننا لو أردنا مناقشة هذه الدكتورة، والكاتبة الفريدة في  هذه الرواية، لقلنا: رواية علي بن أبي طالب هذه ما حقيقتها؟ وهل ينطبق عليها قول الدكتورة؟

أقول:

الرواية مشهورة جدًّا، وهي عبارة عن نصيحة موجهة من علي بن أبي طالب رضي الله عنه لكميل بن زياد، حيث أخذه بيده، وانطلق به خارج المدينة، ناصحاً، ومرشداً، ومعلماً، فكان مما قال له: إن هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها للخير، والناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، لن يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق.

فعلي رضي الله عنه لم يصف الناس كلهم بأنهم همج رعاع، بل إنه قسم الناس أقساماً ثلاثة، وهي قسمة عادلة، مبنية على سعة أفق، ونضج فهم، وتبحر في أخوال الناس، فمنهم: علماء ربانيون، فليس العلم بمجرده كافياً، بل لا بد أن يكون هذا العلم داعياً للإنسان لمعالي الأمور، وفضائل الأعمال، وألا يقتصر بذلك على نفسه، وإنما يشرك في هذا العلم غيره، فهو يستضيء بنور الله عز وجل، وينضبط بالسلوك.

أما القسم الثاني: فهو المتعلم على سبيل نجاة، فهذا يسير على خطا الأول، ويقتفي أثره، ويحاول اللحاق به.

وأما القسم الثالث: فهمج رعاع، ليس في العير، ولا في النفير، لا يدري ما يراد منه، ولا له! يعيش في هذه الدنيا كحياة الدواب، يأكل، ويشرب، وينام، هذا ما يحسنه، فلا يزداد معرفة يرتقي بها، ولا يسعى إلى عتق نفسه من ربقة الجهل، وظلمات التقصير، ولا يكتفي بذلك، بل يُسْلِم قياده لغيره، ويطلق العنان للآخرين يحركونه كما يشاؤون، لا كما يشاء هو!!

ثم إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه يصف واقعاً، وليس مقرراً، أو داعياً إلى أن يكون الناس همج!!

هذا مقصود علي رضي الله عنه من هذه العبارة، وليس كما فهمتها الدكتورة! ولعلها بعد هذا التوضيح لا تخالف في ذلك، أنها تعلم كما يعلم غيرها  أن الناس ليسوا سواسية في العلم، والمعرفة، والفهم، والوعي، بل هم متفاضلون، ودرجات، والكثير منهم لا يعطي لهذه المنزلة أية قيمة في حياته، فهل أمثال هؤلاء يستون مع من كرّس حياته للعلم، والدراسة، والبحث، والتنقيب، اللهم لا، إلا في عقول أناس اضطربت مفاهيمهم، وانحرفت أفكارهم، وتناقضت أحكامهم، فأنزلوا النفيس والخسيس بنفس المنزلة، وهذا غاية الظلم، وصريح الاعتداء.

هذا هو الحق الأول من حقوق آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى