بيني وبينكم 2004

بينى وبينكم 2004 الحلقة الثلاثون اخوة الشعوب

 

أخوة الشعوب

نعيش في كل عام شهر البر والرحمة والطاعة والمغفرة والعتق من النيران، شهر رمضان المبارك، وهو سوق تقوم ثم تنفض، فيربح فيها من ربح، ويخسر فيها من خسر، ثم تغرب شمس هذا الشهر المبارك، فهي سنة الله تعالى في الخلق، والأزمان، وتشرق بعده تباعاً شمس عيد الفطر السعيد، والعيد فرحة للعباد الذين أانجزوا وعملوا، وبذلوا وقدموا، وهم يرجون من الله سبحانه وتعالى النجاة.

دخلت بنات عمر بن عبد العزيز على والدهن، وهن في كامل زينتهن، وتغمر الفرحة وجوهن، فرأين والدهن يلبس ثوباً صفيقاً بالياً، وبيده كسرة خبز، يبللها في قصعة بها زيت، ويأكل، ووجهه متهلل بالفرح، فقلن: يا أمير المؤمنين اليوم عيد أفلا اتخذت لك ثوباً جديداً، وأكلت شيئاً من الثريد؟ فنظر لهن، وقال: ليس العيد بلبس الجديد، إِنما العيد من خاف يوم الوعيد، اليوم لنا عيد، وغداً لنا عيد، وكل يومٍ لا نعصي الله فيه فهو لنا عيد.

هذا هو مفهوم السعادة الحقيقية لمن يفهم المعاني، ولذلك يحتار المرؤ عن أي شيء يتكلم عنه في العيد؟ وما هو الموضوع الذي يختاره؟ هل هو صلة الرحم؟ أم الصلح بين الناس؟ أم إدخال السعادة على الآخرين؟ أم غير ذلك؟

كلها معانٍ جميلة، وكلها ينبغي لنا أن نقوم بها إن استطعنا، أما الذي لا يستطيع فإنه ينوي الخير، فإذا نوى الخير فإنه لا يزال في خير، إلا أنني أحب أن أوسع الدائرة من الشخصي إلى الشعبي العريض، فأجعل حديثي عن أخوة الشعوب، تلك الأخوة المجروحة، التي كثيراً ما تضرب، وتستنزف، وتجهض من رحم الأمة، فيتحول الناس إلى حلبة صراع، وتصفية للحسابات، ونزاعات عرقية همجية، وتصدعات عبثية، فهذا يشمت في ذاك؛ لأنه من هذا البلد، وذاك من ذلك الإقليم!! فالسياسيون يلعبون دورهم بطريقة ماكرة، ونحن الشعوب الذين نتجرع نتائجها الفجة المرة.

تعالوا نقف مع أخوة الشعوب، ثم نبني عليها حقوقاً ومعانٍ أخرى:

نقف مع هذا الحديث الجميل الذي يرويه لنا الإمام أحمد وغيره عن الصحابي الجليل أبي مالك الأشعري حيث صلى بقومه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: احفظوا تكبيري، وتعلموا ركوعي وسجودي؛ فإنها صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كان يصلي لنا كذي الساعة من النهار، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قضى صلاته أقبل إلى الناس بوجهه فقال: يا أيها الناس اسمعوا واعقلوا، أقول: ليس سماعاً فقط، بل عَقْل للمعاني؛ لأن كثيرين من الذين يسمعون لا يعقلون، {لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها} كما قال تبارك وتعالى عنهم في القرآن الكريم.

ثم قال: واعلموا أن لله عباداً ليسوا بأنبياء، ولا شهداء، يغبطهم النبيون والشهداء على مجالسهم، وقربهم من الله. قلت: ولا شك أن هذا مشهد عجيب، فأنبياء الله تعالى، وعباده الشهداء يغبطون هؤلاء الناس على قربهم من الله!! فمن هم؟ وما هي صفاتهم؟

قال: فجثى رجل من الأعراب من قاصية الناس، وألوى بيده إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا نبي الله ناس من الناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم، وقربهم من الله!! انعتهم لنا، حلِّهم لنا، يعني صفهم لنا، شكلهم لنا. فسر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لسؤال الأعرابي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم ناس من أفناء الناس، أي: مجهولين، ونوازع القبائل، أي: الغرباء في القبائل، لم تصل بينهم أرحام متقاربة، أي: ليسوا من قبيلة واحدة، ولا نسب بينهم،  تحابوا في الله وتصافوا، أي أنهم: جمعوا بين صفتين: المحبة والصفاء، لأن هناك أناساً متحابين في الله لكن ليس بينهم صفاء، أما هؤلاء فقد بلغت محبتهم إلى درجة الصفاء، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور، فيجلسهم عليها، فيجعل وجوههم نوراً، وثيابهم نوراً، يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون، وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

من منا لا يتمنى أن يصل إلى هذه المرتبة الرفيعة، وأن يحظى بهذا المقام العلي؟

كلنا يتمنى ذلك، هذه الأخوة هي قمة الأخوة التي تسمّى في الدين: الأخوة الخاصة، فالمحبة فيها لله تعالى بعيدة عن مصلحة دنيوية، أو غرض مادي، أو فائدة وقتية، فأنا أحب فلاناً لأنه يُحَب، لأنه طيب، لأن فيه خيراً، لأنه رجل متأله، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل: من أولياء الله؟ فقال: الذين إذا رأيتهم ذكرت الله. فسلوك هذا الإنسان، وهيئته، وعبادته تذكرك بالله رب العالمين.

وفي المقابل هناك أناس إذا رأيتهم فكأنما رأيت الشيطان، والعياذ بالله، في كلماته، وفي أخلاقياته، وفي اهتماماته، وفي آثاره السيئة التي تتفجر من جوانبه، وتحيط به من كل زواياها.

فالأخوة الأولى هي التي نريد، والتي نحرص عليها، والتي أكدها الدين، ولذلك ورد عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: عليكم بالإخوان، فإنهم عدّة في الدنيا والآخرة.

قلت: هو عدة لك في الدنيا فهذا معروف، فهو أخوك، ورفيقك، وحميمك، يساعدك، وتستند عليه، ولكن كيف يكون عدة في الآخرة؟

انظر إلى فقه الإمام علي بن أبي طالب ماذا قال، قال: ألا تسمع إلى قول أهل النار: {فمالنا من شافعين ولا صديق حميم}؟!

ففي يوم القيامة لا شافع له، ولا صديق حميماً له! لماذا؟! لأن القرآن يعلمنا: {الإخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين}، فمصالح الدنيا تتبخر وتتبدد كسراب بقيعة، ليس لها قيمة.

ولذلك قال ابن السماك عند موته: اللهم إنك تعلم أني إذا كنت أعصيك، كنتُ أحب من يطيعك، فاجعل ذلك قربة لي إليك.

هناك بعض الناس لا يحب العباد الطائعين من فساد فطرته، وحبه ﻻنتشار الفاحشة بين الناس، والعياذ بالله، وعلى النقيض من ذلك فبعض الناس حتى لو كان مسرفاً على نفسه في المعاصي والذنوب، فإنه يحب أهل الخير والصلاح؛ لأنه يتمنى أن يأتي يوم من الأيام ويسلك طريق الخير.

أقول: نحن إذا لم نستطع أن نصل إلى قمة هذه الأخوة الخاصة، فلا أقل من أن نتمثل الأخوة العامة التي يقول فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).

ولعل قائلاً يقول: هناك أناس في مجتمعاتنا ليسوا على ديننا، بل حتى الدين الواحد توجد فيه انتماءات ومذاهب، فماذا نفعل؟

أقول:

أولاً: علينا أن نتذكر قول الله تبارك وتعالى: {ولقد كرمنا بني آدم}، فما دام أن هذا آدمي، فهو مكرم بالآدمية التي خصها الله عن بقية الكائنات المشاركة لنا في الحياة، ولكن ما هي طبيعة علاقتنا مع هؤلاء الناس؟

أقول:

هذا هو ثانياً: فعلاقتنا كما قال الله تبارك وتعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا}، وليس لتباغضوا، ولا لتقاتلوا، ولا للنصب والاحتيال الذي يحدث، وإنما التعارف.

وهل يكون ذلك التعارف مع الاختلاف في العقائد والأديان؟

أقول:

نعم وبكل تأكيد، فعقيدة الإنسان له، فهي شيء يخصه بينه وبين ربه، والله تعالى هو المتكفل بحسابه، ولذلك وجدنا العلماء فرقوا بين الولاء والبراء، وبين المعاملة بالحسنى، وحقوق الإنسان، والعدالة، فأنا قد أختلف معك فكراً، ومذهباً، وعقيدة، لكنني أحترم إنسانيتك، وأعطيك حقوقك، وأعاملك بأحسن ما يكون، كما قال الله تبارك وتعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين}، فليس إقساطاً فحسب وهو العدالة، وإنما ما بعد العدالة أيضاً وهو أن تبرّ هذا الإنسان الذي ليس على دينك، والبر لا يأتي إلا في بر الوالدين، فالمعنى: أن تعاملهم بالإحسان كما تعامل والديك، فليس هناك أجمل من الإنسانية العامة التي يربّي الله سبحانه وتعالى العباد جميعاً عليها، فلا بد أن نربّي أنفسنا على حب الخير للجميع، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وآل بيته القدوة الحسنة، والمثل الأعلى، فهذا عبد الله  بن عباس رضي الله عنه ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم شتمه رجل، فقال له: إنك تشتمني وفي ثلاث خصال: إني لآتي على آية من كتاب الله فلوددت أن جميع الناس يعلمون منها ما أعلم، وهذا يدل على مدى حبه الخير للناس، وعدم التكبر عليهم.

قال: وإني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأفرح به ولعلي لا أقاضي إليه أبداً، أي: ليست لدي مسألة ومقاضاة عنده، لكنني أفرح لأنه يقيم العدالة، فافرح لما ينزل بالناس من خير، وفضل، وعدل، وإنصاف.

قال: وإني لأسمع بالغيث قد أصاب البلد من بلاد المسلمين، فأفرح به، وما لي به من سائمة. أي: ليس لي فيها لا إبل، ولا بقر، ولا غنم، ولا غيرها.

إنها النفوس الكبيرة، والقلوب التي تستشرف الحب للجميع!

الباحث، والكاتب، والإعلامي، والخطيب، والواعظ، والمدرس، وكل فرد من أفراد المجتمع، يجب أن يكون له  دور في كسر العصبيات، وتخفيف حدة التوتر بين الشعوب، وتقريب المسافة بين النفوس.

ولذلك فالقاعدة عندي التي أتعامل بها مع الآخرين هي قول الله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}، ولذلك أقول على سبيل المثال: إن العراقي الصالح الخيّر، الناضج المسالم، المحب للخير، أقرب إلى قلبي، وأحب إلى نفسي، من ابن بلدي حتى لو كان من صلب أبي ورحم أمي، إذا كان هذا القريب أو المواطن مجرماً، عاقًّا لوالديه، سارقاً لأموال البلد، ناشراً للرذيلة.

فكل واحد منا يجب أن يعتقد هذا الاعتقاد، والواجب علينا أن نكرس هذا المعيار بيننا.

نعم، نحن ضد المجرم، وضد الطاغية، وضد المعتدي أيًّا كان، ومن أي جنسية هو، فأنا لا أبغض فلاناً، وأشتمه، وأتبرأ من أفعاله لأنه غزا بلدي، واغتصب أرضي، بل لأنه ظالم في ذاته، سواء ظلم الشعب الذي يحكمه، أو ظلم أهل بلد آخر، فهو في المحصلة النهائية ظالم، ومجرم.

ولذلك هذه رسالة لكل صاحب صوت مسموع، وصاحب رسالة يمكنه إيصالها، أقول له: لا تكن كوناً للظالم، سائراً في ركبه، ناطقاً بلسانه بما لا تعتقد، لا تكن منافقاً، يتمسح بالمجرمين لأغراض دنيوية، ومآرب شخصية، على حساب مشاعر وأحاسيس المستضعفين، والمنكوبين، والمظلومين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى