بيني وبينكم 2004

بينى وبينكم 2004 الحلقة الرابعة والعشرون ال البيت ج 2

 

(أهل البيت/ ج2)

أما الحق الثاني من الحقوق المعنوية لآل البيت فهو: حق الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله.

انظروا إلى المحبين من العشاق من أهل الشعر، والغناء، وغيرهم، كيف يتلوى الواحد منهم وهو يذكر معشوقه، وحبيبه، كيف لا ينام الليل، وكيف يقضيه بالسهاد، والأرق، والحديث عن البعاد، والهجر، وهذا كله في محبة بشر، وربما تكون هذه المحبة مصلحية، وقتية، من أجل قضاء وطر، أو افتتان بصورة، فكيف بمحبة خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا وحبيبنا وقرة عيوننا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، صاحب الشفاعة العظمى، الذي جاء لهداية الإنسانية جمعاء، وكيف بمحبة أهل بيته الأطهار؟!

تلك المحبة تقتضي منك إذا ذُكر المصطفى أن تقول صلى الله عليه وآله وسلم، اختصاراً من الصلاة الإبراهيمية، وذكر الصلاة والسلام عليه هي ارتباط به، وإعطاء الولاء له، ويكفيك أن تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً).

فإن قيل: ما معنى الصلاة هنا؟

قلنا: الصلاة دعاء، والصلاة من الله رحمة، والصلاة من العبد طلب، ودعاء، فقولنا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، هو طلب الوسيلة له، والدعاء، فتخيل أنك كلما صليت عليه، وطلبت له، فإن الله تعالى يصلي عليك مكانها عشر مرات، فما أشد تقصيرنا، وتفريطنا في كثير من الأجور.

أحيانا قد نجلس في مجلس، فيأتي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة، فهل نصلي عليه كل مرة؟

أقول: هذا هو الأصل، ولكن لو صلى الإنسان عليه مرة واحدة فإنها تكفيه، ويكون قد أدى الواجب، ولكننا نطمع في مزيد من الأجر، فلا ينبغي للمؤمن أن يقف عند حدود الواجبات، بل لا بد له أن يكثر من المستحبات، والمندوبات، التي تجبر كسر الواجبات.

هذا من ناحية فائدة الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأخروية، ولكن هل لهذه الصلاة فوائد دنيوية؟! بمعنى أنها تعود على صاحبها بالنفع الدنيوي، من كثر مال، أو سعة رزق، أو سلامة من مرض، أو غير ذلك؟

أقول: وما المانع من ذلك؟ بل قد ورد في الحديث الصحيح ما يشير إلى ذلك، وهو حديث أبي الطفيل: أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن جعلتُ صلاتي كلها صلاة عليك، قال: «إذا يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك».

وفي رواية: «إِذًا يُكْفَى هَمُّكَ، وَيُغْفَرُ ذَنْبُكَ»، وفي رواية أخرى: «إذاً يكفيك الله عز وجل دَينَك، ويكفيك همَّك».

وهناك قصص كثيرة واقعية تصدق ذلك، من تفريج كرب، وشفاء من مرض مستعصٍ، وقضاء دين.

فهذه بركة الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:

يا آل بيت رسول الله حبكم فرض    من الله في القرآن أنزله

يكفيكم من عظيم الفخر أنكم   من لم يصل عليكم ﻻ صلاة له

فنحن في كل صلاة نقول في التشهد: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وهي واجبة في الصلاة.

كذلك من حقوق آل البيت: الحقوق المالية:

  • تحريم الزكاة، والصدقة عليهم، وفي المسألة تفصيل فقهي بالمراد بالزكاة هنا.
  • حكم دفع الزكاة إليهم.
  • حكم دفع الزكاة إليهم في حال منع خمس الخمس عنهم.
  • استحقاقهم من الخمس، وكيفية تقسيم سهم ذوي القربى؟

أما شروط استحقاقهم الحقوق المالية فهما شرطان:

الأول: الإسلام، فمن بدّل دينه مثلاً، أو ألحد، فلا حق مالي له.

الثاني: صحة النسب، وهذه قضية في غاية الأهمية، وهناك أشخاص متخصصون في علم الأنساب، وتشجيرها، وصحتها من عدمها، ومن هذه الشخصيات الأستاذ عبد الله الحسيني، حيث قام بعمل مشجرة لآل البيت، بذل فيها جهداً كبيراً مع مجموعة من طلبة العلم من السادة، والأشراف، بحيث يبدؤون شجرة آل البيت من الحسن، والحسين رضي الله عنهما إلى يومنا هذا، وهي تعم العالم الإسلامي كله، كل السادة بعائلاتهم، وأسرهم، وتفريعاتهم، ومشجراتهم، على خريطة طولها 15 متراً، والثانية طولها 35 متراً.

وهذه الخريطة زارها عشرات الزوار من العالم الإسلامي، من إندونيسيا، إلى الهند، إلى إيران، إلى بلاد الشام، إلى مصر، إلى الجزيرة العربية، إلى أصقاع الدنيا كلها، فهو جهد مشكور مبارك.

هناك كلمة غريبة لجعفر الصادق تحتاج لتفسير، حيث يقول: (ولدني أبو بكر مرتين)، فما معنى ذلك؟

نحن نعلم أن أم جعفر الصادق هي أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، أي أن جده من طرف أمه هو أبو بكر الصديق.

أما والدة والدته فهي أسماء بنت عبد الرحمن بنت أبي بكر، فوالدته ووالدة والدته كلاهما من طرف أبي بكر الصديق، فكأن أبا بكر ولده مرتين.

ومن خلال هذه المقولة نعلم أن العائلات تداخلت، وبدأت تقترب من أل البيت،

فمثلاً: مصعب بن الزبير تزوج سكينة بنت الحسين، بل إن العوام بن خويلد والد الزبير تزوج صفية بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك من المصاهرات، لأنه نسب شريف، والاقتراب منه مطمح كثير من النفوس.

وبعد هذا الكلام الطويل، يأتي السؤال: ما الذي نريده من الناس؟

نريد منهم جميعاً أن يعرفوا أن هناك نبياً عليه الصلاة والسلام، وهناك أتباعاً له، وهؤلاء الأتباع أقسام: فأقربهم إليه أتقاهم، وأحبهم، وأعبدهم، فإذا كان من أهل البيت زاد خصوصية على هذا القرب، وصارت لهم حقوق، وواجبات، وأحكام شرعية تتعلق بهم.

ومن المواقف الجميلة المعبرة في هذا المقام:

موقف ضرار الكناني عندما على معاوية بن أبي سفيان، بعدما آل إليه الحكم، ومعاوية جالس على عرشه، ويحيط به الأتباع، والجند، فدخل ضرار، وقد كبرت سنه، وقد كان من أصحاب الإمام علي رضي الله عنه، فقال له معاوية: صف لنا علياً؟ فقال: أعفني يا أمير المؤمنين. فقال معاوية: لتصفنه. قال ضرار: أما إذ لا بد من وصفه: كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، وتتفجر ينابيع العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس إلى الليل ووحشته، كان غزير الدمعة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، كان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، وينبئنا إذا استنبأناه، ونحن والله مع تقريبه إيّانا، وقربه منا، لا نكاد نكلمه هيبة له، يعظّم أهل الدين، ويقرب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، وأشهد لقد رأيته في بعض مرافقه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، قابضاً على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا غُرِّي غيري، إلي تعرضتِ، أم إلي تشوقت؟! يا صفراء اصفري، ويا بيضاء بيضي، هيهات، قد طلقتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير، وخطرك حقير، آه آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق. قال: فبكى معاوية، وقال: رحم الله أبا حسن، كان والله كذلك، فكيف حزنكم عليه يا ضرار؟ قال: حزن من ذُبح واحدها في حجرها!!

هؤلاء هم آل البيت الكرام، وهذا هو تاريخهم، وجهادهم، وكما قال فيهم الشريف الرضي: أما كنت مع الحي صباحاً حين ولينا، وقد صاح بنا المجد إلى أين إلى أين؟ لنا كل غلام همه أن يرد الحين، لنا السبق بإقدام إلى الموت، تساعينا ترى زمجرة الآساد همساً بين غابينا، ملكنا مقطع الرزق فأفقرنا، وأغنينا، وحزنا طاعة الدهر فأغضبنا، وأرضينا، إذا ما ثوب الداعي إلى المجد تداعينا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى