بيني وبينكم 2004

بينى وبينكم 2004 الحلقة السادسة اللحية

 

 

اللحية

إذا أردنا أن نحكم على إنسان، فكيف نحكم عليه؟

وما هي الموازين والمعايير التي نعتمد عليها في إصدار رأي تجاه هذا الشخص، أو هذه الكتلة، أو هذه المجموعة؟

لا شك أن الحكم على أي إنسان يكون بما يغلب عليه؛ لأن في كل إنسان جوانب قصور، وفي المقابل هناك جوانب جودة وفضيلة، فهذا شخص طيب، ورحيم، وهو من أهل الفضل، فيُحكم عليه بالشمول العام، وليس بسلوك واحد، فإذا ما عُرف عنه سلوك سلبي معين وتضخم، حُكم عليه به؛ لأن من أكثر من شيء عُرف به، وهذا الحكم يحتاج أن يجمع الإنسان فيه بين ظاهر الشخص وباطنه في الحكم، ولا أقصد الباطن في قضية الأسرار، وإنما الأخلاق المعنوية التي تظهر من خلال السلوك العام، وأقصد بالظاهر ليس السلوك العام فقط، بل حتى الهيئة، والسمت الخارجي، فهل يجوز أن نحكم على الشخص مباشرة بالسلب، أو بالإيجاب، من خلال المشاعر؟ ومن أجل مزاج شخصي؟

هذا ما أريد الحديث عنه خلال هذه الأسطر القليلة، إلا أنني سأطرحه من خلال موضوع اللحية، فهل يجوز لنا أن نحكم على إنسان بالإيجاب وبالسلب كونه ذا لحية، أو ليس كذلك؟

مع الأسف أن هذا الأمر موجود في شارعنا العربي والإسلامي، وأنا في هذا المقام ليس حديثي عن الحكم الشرعي للحية، فكلنا يعلم أنها سنة نبوية، بل وجمهور الفقهاء على وجوب إطلاقها، إلا أن فوق هذا الوجوب هناك أبعاد أخرى ينبغي أن نقف معها، من أهمها: الجانب الجمالي، فالشكل والمظهر من الأمور التي تراعيها الشريعة، وتدعو إليها، فمن الأحاديث النبوية بخصوص اللحية: ما رواه الإمام مالك عن عطاء بن يسار قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فدخل رجل ثائر الرأس واللحية. فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده أن اخرج، كأنه يعني إصلاح شعر رأسه ولحيته، ففعل الرجل، ثم رجع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أليس هذا خيرًا من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان؟

وفي الحديث الآخر: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى رجلاً ثائر الرأس، فقال: أما يجد هذا ما يُسكن به شعره؟

اللحية رمز له دلالته بحسب طبيعة الملتحي، إلا أنها في الغالب الأعم تعتبر رمزاً للتدين، فلما اتسعت دائرة، واختلطت العادة بالدين، وضعف مظهر التدين، أصبحت المسألة فوضى، ومن ثم وجب إعادة الرموز إلى حقيقتها، فالحجاب رمز وله حكم شرعي، والصلاة رمز، ولباس الشرطة رمز، ولباس الأطباء رمز، والإساءة إلى هذا الرمز من خلال سلوك بعض أهله، لا يجعلنا نطعن بهذا الرمز، وإنما يجب تعديل السلوك، فإذا رأيت شرطيًّا قد أساء، فلا تقل: يجب تغيير لباس الشرطة، وتصب جام غضبك على اللباس، كلا وإنما اللوم على هذا الشرطي وتربيته، وكذلك الحال مع القاضي، والمحامي، والطبيب، وغيرهم، فاللباس ليس له علاقة، وهذا ما يقال في اللحية، فلا تلُم اللحية، وتذم السنة؛ لأن صاحبها إنسان ضعيف، قد أساء إليها، بل اللوم موجّه إلى الشخص المسيء، فلا بد أن نفك هذا التلازم.

ولذلك حينما ربط الناس التدين باللحية، وضخموا هذا الجانب على حساب أمور أخرى، أصدروا أحكام خاطئة، فقد يقول لك قائل: فلان متدين؛ لكنه مع الأسف سيء الخلق؟ لماذا؟ فيقول: معاملته المالية سيئة، يأكل حقوق الناس، وفي بيته سيء، فزوجته تشكو منه، وأبناؤه يشكون منه، وفي العمل سيء، متكبر، لا يسأل عن أحد! فأقول له: ومن قال لك إن هذا متدين؟! فيقول: بلى هو متدين لأنه ملتحي!! فأقول: ومن قال لك إن الملتحي متدين؟ هذا غير صحيح، يجب فك هذا التلازم النكد، وفصله، يجب أن نصحح هذا المفهوم، فالإنسان يُؤخذ جملة، فليس هناك شخص متدين مائة بالمائة مثلاً، أو شخص غير متدين مائة بالمائة، فكل إنسان فيه جانب تدين، وجانب ضعف، ومن ثم يكون التفاوت، فمثلاً: فلان متدين في جانب بر الوالدين، وفي التزاماته في القضايا المالية، وفي المواعيد، وفي الخلق العام، والتراحم، لكن ليس متدينًا في قضية التعصب، فهو متعصب لبني جنسه، وقومه، ويستهزىء بالآخرين، ويحتقر الخلق، فهو في هذه القضية ضعيف دينياً.

شخص آخر متدين ملتزم بالصلاة، والصيام، ومواظب على العبادات، والشعائر، لكنه في علاقته بأمه وأبيه منتكس، فهو في بر الوالدين غير متدين.

شخص ثالث متدين في كل شيء، لكنه لم يطبق التدين في اللحية والمظهر الخارجي، فهو متدين في جانب، ومقصر في جانب آخر.

بل الإنسان منا قد يكون متدينًا في الصباح مفرّطًا في الليل، فكل واحد منا فيه جانب ضعف، وقوة، وتجاذب، فقضية ربط اللحية بالتدين، والإلزام بها على أنها دليل وعلامة على الصلاح، يجب أن ينفك تمامًا، فلا يحكم على الإنسان بالتدين لأنه ملتحي، فمجتمع المدينة النبوية كلن الكل فيه ملتحيًا مثلاً، فالمنافقون ملتحون، والمسلمون ملتحون، واليهود ملتحون، والذي زنى من الصحابة كان ملتحيًا، والتي جُلدت كانت متحجبة، وهكذا المجتمع الإسلامي تاريخياً، فالحكم يجب أن يكون على السلوك، وعلى الانضباط، وعلى ما يغلب على الإنسان، وليس على هذه الشعرات التي تخرج في وجهه! ولذلك نقول: الشعور قبل الشَّعر، وبالتالي لا بد أن نربي الناس على شعور إيماني صحيح، ومن ثم سنرى سلوكًا صحيحًا، أما الشعر فسوف يأتي تباعًا، وكذلك بقية الأمور الأخرى، سواء كانت أصلية أو مكملة.

ولنأخذ هذه الأمثلة على فك التلازم تاريخياً، فنحن نعلم أن الخوارج هم الذين خرجوا على الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ لكن المؤرخين عندما يذكرون جذر الخوارج، وأصلهم، وسلفهم، يذكرون هذه الحادثة التي يرويها البخاري، ومسلم: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: بعث علي رضي الله عنه، إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهيبة – أي مال -، فقسمها بين الأربعة: الأقرع بن حابس الحنظلي، ثم المجاشعي، وعيينة بن بدر الفزاري، وزيد الطائي، ثم أحد بني نبهان، وعلقمة بن علاثة العامري، ثم أحد بني كلاب، فغضبت قريش، والأنصار، فقالوا: يعطي صناديد أهل نجد ويدعنا! فقال: «إنما أتألفهم». أي أعطيهم هذه الأموال لأتألف قلوبهم على الإسلام، قال: فأقبل رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناتئ الجبين، كث اللحية محلوق، فقال: اتق الله يا محمد! فقال: «من يطع الله إذا عصيتُ؟ أيأمنني الله على أهل الأرض فلا تأمنوني؟!» فسأله رجلٌ قتْله، – أحسبه خالد بن الوليد -، أي طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأذن له بقتل هذا القائل، فمنعه، وفي رواية: قال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ قال: «لا، لعله أن يكون يصلي». فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم». فالرسل والأنبياء يحكمون على الناس بالظاهر، وهذا تعليم جيد بأن نحكم على الإنسان بما يظهر لنا، أما خباياه ونواياه فلا دخل لنا بها، وحسابه على الله تعالى فيها، حتى لا نتهم الناس بما ليس فيهم.

قال: فلما ولى، قال: “إن من ضئضئ هذا، أو: في عقب هذا قومًا يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد).

فالشاهد من الحديث أن أصل الخوارج كان هذا الرجل الذي جاء في صفته الخَلقية أنه ذو لحية، وأن من صفات الخوارج الشدة في العبادة؛ ولكن دون وعي وفهم.

وهذا الإمام الذهبي يروي لنا عن السدي أنه قال: أتيتُ كربلاء تاجرًا، فعمل لنا شيخ من طي طعامًا، فتعشينا عنده، فذكرنا قتل الحسين، فقلت: ما شارك أحد في قتله إلا مات ميتة سوء. فقال: ما أكذبكم، أنا ممن شرك في ذلك. فلم نبرح حتى دنا من السراج وهو يتقد بنفط، فذهب يخرج الفتيلة بأصبعه، فأخذت النار فيها، فذهب يطفئها بريقه، فعلقت النار في لحيته، فعدا، فألقى نفسه في الماء، فرأيته كأنه حممة.

فهذا رجل ملتحي، ومع ذلك شارك في قتل الإمام الحسين رضي الله عنه.

ولما دخل جيش يزيد بن معاوية المدينة المنورة، منتهكين حرمات الله، مستبيحين مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان قائد الجيش مسلم بن عقبة الذي سمّاه المؤرخون: مسرف بن عقبة، وكان عمرو بن عثمان بن عفان ممن اعتزل القتال مع الطائفتين، فأمر به مسرف بن عقبة فنتفوا لحيته حتى لم يبقَ منها شيء!!

ومن أخطر القصص على الخداع بالمظهر، والمتاجرة بالدين، واللحية، والسبحة الجريمة الكبرى عام ٨٠٣ هجرية، التي ترويها كل كتب التاريخ، من أن تيمورلنك اكتسح ممالك الإسلام، فلما حاصر دمشق، قاومه أهلها، فقتل منهم مقتلة، ثم قال تيمورلنك: أريد الصُلح، وما أريد إلا زيارة قبر أم حبيبة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عندكم، فبعثوا له رسولاً هو الإمام ابن مفلح، وكان قاضي القضاة وقتها، فلما ذهب ابن مفلح وجد تيمورلنك جالس بلحيته الكبيرة، وفي يده سُبحة طويلة، يذكر الله تعالى، فقال تيمور لابن مفلح: إنا لم نأتكم غازين، ولا منتهكين، وإنما أتينا لأن هذه بلد الأنبياء، وفيها قبر أم المؤمنين، وكذا وكذا، فرجع ابن مفلح يبالغ في أخلاق تيمورلنك، فقد خدعه المنظر، مع أن تاريخ الرجل دموي، فكيف تُخدع به أيها الإمام، ويا قاضي القضاة؟! فاختلف الناس في الأمر، إلا أن رأي ابن مفلح قد غلب، ففتحوا القلعة، ودخل تيمورلنك، فاستعمرها، وذبح الناس في المساجد، وبقر بطون النساء، وهتك الأعراض، وفعل الأفاعيل! صحيح أنه كان يسبّح بالمسبحة؛ لكنه يذبح باليد الأخرى، فقال الشاعر وقتها:

قد بُلينا بأمير ظلم الناس وسبح فهو كالجزار فيهم يذكر الله ويذبح

هذا هو تيمورلنك، وهذه هي لحيته الكذوبة، وخداعه بالمظاهر.

كذلك من المفاهيم التي نحن بحاجة إلى تصحيحها: أنه ليس كل ملتحي عالمًا، فلا يوجد تلازم بين اللحية، وطولها، وقصرها، وبين العلم، فقد ذكر الذهبي محمد بن عبيد، قال: جاء رجل نبيل، كبير اللحية إلى الأعمش، فسأله عن مسألة خفيفة في الصلاة، فالتفت إلينا الأعمش، فقال: انظروا إليه، لحيته تحتمل حفظ أربعة آلاف حديث، ومسألته مسألة صبيان الكتاب!

وهذا الإمام ابن الجوزي يذكر في كتابه: “الألقاب”، من عُرف بلقبه من رواة الكتب الستة: الرشق، والرشق بالفارسية يعني كبير اللحية، يقول: ولقد ضاعت في لحيته عقرب ثلاثة أيام!!

ومن الروايات التي أعجبتني في هذا المقام أن الإمام أبا إسحاق الشيرازي إمام الشافعية في عصره، والذي كان السلطان يهابه، وكان لا يحب الاقتراب من السلاطين، ولا من أصحاب المناصب، فلما دعاه السلطان تحامل على نفسه، وذهب، يمشي أمامه خادمه، وبيده شمعة تضيء له الطريق، وفي منتصف الطريق تعثر، وسقط على الشمعة، فاحترقت لحيته، فتذكر قول الله تبارك وتعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار}.

ويروى عن الإمام إبراهيم بن أدهم الزاهد العابد أنه كان يمشي يومًا، فرآه يهودي معه كلب، فقال له: يا إبراهيم أيهما أطهر؟ ذنب كلب؟ أم لحيتك؟ فقال: إن كانت هذه اللحية من لحى أهل جهنم يوم القيامة فوالله ذنب كلب أطهر وأكرم، وإن كانت هذه اللحية وصاحبها في جنان الخلد فلا والله، فهي أطهر، فقال اليهودي: أشهد أن هذه من أخلاق الأنبياء، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمّداً رسول الله.

إذن لا بد من فك التلازم بين التدين، واللحية، وأن يكون الحكم على الإنسان حكماً تكاملياً في الشخصية الإسلامية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى