بيني وبينكم 2005

بينى وبينكم 2005 الحلقة الاولى التوجه الي الله

التوجه إلى الله

القرآن الكريم هو كتاب الله تعالى الخاتم، الذي يقر بالأديان الماضية، فالمسلم لا يكون مسلماً إذا أنكر نبوة موسى عليه السلام، ولا يكون مسلماً إذا أنكر نبوة عيسى عليه السلام، ولا يكون مسلماً إذا أنكر الكتب السماوية السابقة، فالإسلام جاء لكي يتوج تاريخ الأنبياء بخاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم،،،

ولكن…. هل أحسنّا حمل الرسالة؟

هذه قصة نشرها الدكتور نجيب الرفاعي في كتابه: عجائب قراءة القرآن على الأوروبيين والأمريكان، في الفصل السادس الذي هو بعنوان: (تجارب الآخرين)، حيث ذكر أن قائد فرقة غنائية مشهورة في الولايات المتحدة الأمريكية ومغنّيها، وكان شاعراً، وفي الوقت نفسه عازفاً ماهراً، هذا المغني أرسل رسالة خطية إلى أحد قراء القرآن الكريم وهو الشيخ خالد القحطاني من المملكة العربية السعودية!!

لماذا أرسلها؟

يقول هذا المغني الذي كان يعرف بـ: سلرز، ثم أصبح بعد إسلامه يعرف بهارون: كنت أسير يوماً في مدينة فرجينيا، ووقفت لعمل معين بجوار مسجد، وأنا ﻻ أعرف من اللغة العربية شيئاً، فسمعت صوتاً ندياً عذباً ينبعث من جوار المسجد، فقلت في نفسي: هذا مطرب مُجيد! فدخلت المسجد، فلم أجد أحداً، فمشيت في الردهات، فوجدت غرفة هناك بالقرب من المسجد فيها رجل يبيع أشرطة، فقلت له: هذا الذي يغني، من هو؟ فقال لي: هذا ليس غناء، قلت: ماذا إذن؟ فقال: هذا صوت إنسان عربي، ﻻ يغني، وإنما يترنّم. قلت: أعطني هذا الشريط، فاشتريت منه الشريط، وقلت له: أريد أن أتعرف على اسم هذا الإنسان.

فقال لي: اسمه الشيخ خالد القحطاني.

قلت: من هذا؟

فقال: هذا أحد قراء القرآن.

قلت: أريد أن أتعرف عليه.

فقال: هذا صعب!! لأن المسافات بينكما كبيرة جدًّا، فأنت في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو هناك في جزيرة العرب، فحزنت كثيراً لأنني لم ألتقِ بهذا الصوت الجميل، فالمطرب يحرص على الأصوات الجميلة، ويعرف المقامات، ودرجات الصوت.

يقول هارون: فأخذت الشريط، وركبت السيارة، وبدأت أستمع لهذا الصوت العذب، فأسرني الكلام الذي ينطق به، مع أنني ﻻ أفهم شيئاً منه، ولا أتدبر تلك الدلالات؛ إلا أن طريقة التركيب، والأداء الجميل، والنبرات، والعذوبة، أسرتني، وارتجف قلبي، وارتعشت أطرافي، فلم تستطع شفاهي حتى التلفظ بكلام، فخشيت على نفسي، وأنا في طريقي إلى منزلي، فوقفت على جانب الطريق، أستمع بخشوع إلى أن هدأت نفسي، فمضيت.

رجعت أطلب استفهاماً أكثر عن هذا القرآن، وعن هذه الكلمات، فعلمت أن عازف الجيتار في فرقتي قد أسلم، وسمى نفسه خليلاً بعد أن كان يسمى كريساً، وانكب على تعلم اللغة العربية، ومعرفة معاني القرآن الكريم، فقلت: هذا الإنسان هو الذي يستطيع أن يفهمني تلك المعاني، ويوقفني على دلالات هذه الكلمات، وما هذا السحر الجميل الذي أذهلني؟! وما هذا الأثر الذي هز كياني؟!

يقول: ذهبت إلى خليل، وجلست معه، وقلت له: حدث معي كذا وكذا، فماذا تشير عليّ؟

فأخذ الشريط ووضعه لي، وبدأ يترجم لي الكلام، فبدأت أطرب للقراءة الجميلة، وأطرب من جهة أخرى للمعاني الجميلة، وقلت: ما هذه اللغة العبقرية العظيمة التي تحوي بدقة واختصار هذه المعاني الفياضة التي تأسر العقل، وتؤثر في القلب، وتدفع إلى العمل؟

فقال خليل له: أتدري ما هي السورة القرآنية التي تأثرت بها، وهزتك هزاًّ عنيفاً، وتكاد عن قريب تقلب كيانك، وتصورك عن الإنسان، والكون، والحياة، والمستقبل، والماضي؟

قلت: ﻻ.

فقال: اسمها سورة الشعراء!!

يقول هارون: فزاد عجبي، لأنني شاعر، أكتب كلمات الأغاني بنفسي، بشعر موزون، مدروس، فكيف حدث هذا التوافق؟ يا سبحان الله!! أتكون هدايتي على سورة الشعراء، لأنني شاعر، فهزّني ذلك من الأعماق، وأحسست أن علي أثقالاً كبيرة لهذا الكلام الذي شعرت يقيناً أن فيه علاج أمراض القلوب، والسلوك، فأعلنت أن ﻻ إله إلا الله، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، وأعلنت إسلامي!

فهل هذا يكفي؟

ﻻ، ﻻ يكفي، فأنا أحسست بلذة الإسلام، وبعذوبة القرآن، وبأهمية هذا الكتاب لهداية البشرية، فكيف لي أن أنسى بني قومي؟

لا بد أن تكون لي رسالة، ولا بد أن تكون هناك مهمة، لا بد إذن أن أسير على خطى الأنبياء جميعاً، أبشّر بدين الله تعالى، وأبشّر بالهداية، وأبشّر بالعودة إلى الحق، وأبشّر بفتح القلب إلى الله سبحانه وتعالى.

يقول: ففكرت تفكيراً مؤسسياً، حيث أرسلت للشيخ خالد القحطاني رسالة شرحت له فيها مشروعي، وهو كالتالي: أنني أقرأ القرآن، ثم أقف على معانيه، ثم أترجم المعاني ترجمة صحيحة، مسجلة بلساني بعد أن أضع مقطعاً للآيات المفسرة بصوت الشيخ القحطاني، فهل تأذن لنا يا شيخ خالد أن نستثمر صوتك الجميل في القرآن الكريم في قضية ترويج معاني القرآن من خلال هذا النسق، وهذه الطريقة في هذه الشركة؟

فأجاب بالموافقة جزاه الله خيراً، لأن هذا هو الخير، وقلت له: إننا لم نتقصد غير المسلمين فقط، وإنما نتقصد كذلك المسلمين، الكادحين، المثقلين بالعمل، والحياة، والغفلة عن دينهم.

يقول هارون: فرحتُ كثيراً أن أكون أمريكياً وأدعو الأمريكيين، وغير الأمريكيين إلى الإسلام.

قلتُ معلقاً على هذه القصة الجميلة، المليئة بالعبر والعظات، والدروس:

إذا كان هذا هو حال الغربي الذي لا يؤمن بدين، أو كان على دين محرف، ثم هداه الله تعالى للإسلام، مع كتاب الله تعالى، ألا يستحق المؤمن أو المسلم من باب أولى أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى في تعامله مع القرآن الكريم؟!

نحن نقرأ في كتاب الله تعالى في سورة الفرقان قوله جل وعلا: {وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً}، وقد بيّن العلماء أن هجران القرآن له صور كثيرة، فهناك هجر قراءته، وهناك هجر التأمل، والتفكر فيه، بمعنى أننا نقرأ كلاماً، ولا نعرف معناه، وهناك هجران العمل به، وهناك هجران التحاكم إليه في حياتنا، ومنظومة علاقاتنا الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والأحوال الشخصية!!

هجرة وفجوة كبيرة بيننا وبين كتاب ربنا، ثم بعد ذلك نشكو من حالنا!

لا بد لنا من توبة نصوح، وعودة صادقة إلى الله تعالى لما هجرناه من عبادات وطاعات، وأول ذلك الهجر هو هجر هذا الكتاب العظيم، لا بد لنا أن نراجع أنفسنا؛ لكي نقف مع هذا الكتاب العظيم، الذي يغذي قلوبنا، وينير عقولنا، ويضبط سلوكنا على الصراط المستقيم.

أيليق بنا كمسلمين أن يهتدي الأمريكي، والإنجليزي، والألماني، والهندي، ومن هم من أقاصي الدنيا بهذا الكتاب، ونحن أهل اللغة العربية، والذين يلتصقون بالقرآن يومياً، ندير له ظهورنا، ونجعله آخر اهتماماتنا؟!

أليست هذه مصيبة تستحق منا مراجعة الذات، ومراجعة الواقع، ومراجعة السلوك، ومراجعة النفس؟!!

ليس الغربيون هم الذين يحتاجون إلى العودة إلى الله تعالى فحسب، وإنما كلنا يحتاج إلى ذلك، نحن جميعاً بحاجة ماسة أن نجدد إيماننا بالله سبحانه وتعالى، بل حتى مجتمع الصحابة لم يخلُ من الخطأ، والمعصية! لماذا؟ لأنهم بشر كغيرهم، إلا أنهم كانوا يسارعون في التوبة والأوبة والرجوع إلى الله تعالى، والاستغفار مما وقعوا فيه من زلل وخطأ.

فهذا صحابي جليل يدعي أبا اليسر كعب بن عمرو الأنصاري، يروي لنا قصته، لكي نستفيد منها.

قال أبو اليسر: أتتني امرأة تبتاع مني بدرهم تمرًا، فقلت: إن في البيت تمرًا أجود من هذا! فدخلت، فأهويت إليها فقبَّلتها. فأتيت أبا بكر فسألته، فقال: استر على نفسك وتُبْ واستغفر الله! فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخلَفْتَ رجلاً غازيًا في سبيل الله في أهله بمثل هذا!! حتى ظننت أنّي من أهل النار، حتى تمنيت أني أسلمت ساعتئذ! قال: فأطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعةً فنزل جبريل، فقال: أين أبو اليسر؟ فجئت، فقرأ عليّ: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين).

فقال له أصحابه: ألهذا خاصة، أم للناس عامة؟ فقال: بل للناس عامة.

هكذا ينبغي أن يكون حال المؤمن من التوبة، والاستغفار، والندم على التقصير والتفريط في جنب الله تعالى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى