بيني وبينكم 2005

بينى وبينكم 2005 الحلقة التاسعة العمل الخيري الكويتي

العمل الخيرى الكويتي

الحديث عن المظاهر السلبية التي تتصل بمجتمعنا في قضية سلب حقوق الآخرين، لاسيما العمالة المغتربة الوافدة، وإن كانت نادرة أو قليلة، إلا أن الخطأ إذا تكرس، وكان قوياً، وظهر على الساحة، فإنه يكون له حضور يشوه السمعة، ومعالجة الموضوع تكون بتصحيح التشويه، وإدانة الخطأ، وفي الوقت نفسه إرجاع الحقوق إلى أهلها.

فقضية تسليط الضوء على الخطأ، والجريمة التي تقع في حقوق الناس، من أولى العبادات لله سبحانه وتعالى، وكلنا يعلم أن الله سبحانه وتعالى يتجاوز عن التقصير في حقوقه، لكن حقوق الناس والعباد لا يتنازل الله سبحانه وتعالى عنها حتى تُرجع الحقوق، ويُتسامح من أصحابها.

والناس في المجتمعات والإعلام يركزون على السلبيات، ونحن بدورنا يجب أن نركز على الإيجابيات، ونسلط الضوء على الأمور المشرقة، من أجل الدفع إلى مزيد من العمل، وتعزيز الفاعلية الإيجابية في المجتمع.

فمن هذه الإيجابيات أننا ونحن في طريقنا إلى سجن الخيام في الجنوب اللبناني، رأينا مبنى كبيراً راقياً مخدوماً، فتسائلنا ما هذا؟ فأخبرونا أن هذا مبنى للأيتام، بني على نفقة بعض أهل الخير في الكويت، أطلق عليه مجمع اليوسفي التربوي، حيث تبرع الحاج إبراهيم أحمد عبد الله بالأرض، وقام الحاج عيسى اليوسفي رحمة الله عليه بإنجاز هذا المشروع، وبعد وفاته تمت متابعته من قِبل ولده الدكتور عادل اليوسفي، وهذا المبنى يستقبل جميع الطلاب من جميع الديانات والطوائف، وعددهم يقارب الخمسمائة حتى الصف السابع، وأما الأيتام ففيه ما يقارب ١٢٠ يتيمًا.

أقول: هل هناك عمل أرجى للقبول، وأكثر رحمة، وإنسانية، وعبادة، من قضية الأيتام؟ ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين، وأشار بأصبعيه: السبابة والتي تليها)، أي في قصر المسافة.

ثم إن هذا المشروع لم يميز بين المحتاجين، فبقطع النظر عن دينك، أو طائفتك، فما دمت إنسانًا محتاجًا، فهذا المشروع يخدمك، وهذا ما علمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما سأله بعض الصحابة: أولنا في البهائم من أجر؟ بمعنى: هل في رحمة البهائم أجر؟  فقال عليه الصلاة والسلام كلمته الخالدة: (في كل كبد رطبة أجر)، أي: ما دام أن فيها حياة، وفيها روحًا، وفيها نبضًا، فلك فيها أجر، حتى لو كانت دابة، أو بهيمة، فكيف بأيتام لا يجدون عائلاً، فيُرَبون، ويُعَلَّمون، ويُثَقَّفون، ثم لهم عن وظيفة وعمل.

هكذا هي الأعمال المشرقة، والأعمال الإيجابية الإنسانية، التي تصدر كثيراً من هذا البلد الكريم المعطاء، وأهله الشرفاء الأوفياء، لأمتهم ودينهم، ونحن نعزز هذه الأعمال، ونرى أن الكون كله ملك لله عز وجل، فأينما خدم الإنسان أخاه الإنسان، فإنما يقدم عبودية لله سبحانه وتعالى.

وفي الزيارة نفسها ذُكر لنا أن هناك مسجدًا على الحدود الإسرائيلية في بلدة عين عرب قامت فاضلة من الكويت ببنائه على نفقتها الخاصة، وهي المحسنة الكريمة السيدة أمل مضف المضف، بإشراف لجنة الرحمة العالمية في الكويت، وتنفيذ الهيئة الإسلامية للرعاية في صيدا.

صليتُ في هذا المسجد، واجتمعتُ مع الناس، فقالوا: كم كان هذا المسجد مركزًا لاجتماع الناس، وتعارفهم، في خطبة الجمعة، والصلوات، والحفلات، وغيرها؟!

وفي مكان آخر هناك مسجد شُيد على نفقة السيدة الفاضلة فوزية الرفاعي، بلغت تكلفة بنائه ما يقارب الثلاثة ملايين دولار، وهي تكلفة ليست بالقليلة؛ ولكنها في محلها الصحيح بلا شك.

والسؤال المهم في هذا المقام: ما الذي يدفع الإنسان أن يبني مبرة، أو مسجدًا على الحدود الإسرائيلية؟

فأقول: ما هو إلا أن هناك شعورًا بحب الخير، وحب إفادة الآخرين، وحب المشاركة الإيجابية في الحياة، فنحن نعزز هذا العمل، ونباركه، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبله من أهله، ونحن كما أننا نسلط الأضواء على السلبيات لكي نعالجها، فإننا نعزز وندفع بهذا العمل الخيري الذي يصدر من هذا البلد في كل مكان لكي نعززه ونشجعه.

ودعونا ننتقل إلى مشهد آخر، في نقلة نوعية في قضية العمل الخيري، والإرادة الإنسانية معاً، فهذا الإنسان ممن يطلق عليه وعلى من هو على شاكلته بأصحاب الاحتياجات الخاصة، أو أصحاب الإعاقات، هل دفن نفسه في همومه؟ وهل أصابه اليأس والإحباط؟ وهل انسحب من الحياة؟ وهل غرق في التفكير الذاتي؟!

في هذه الزيارة أيضاً التقينا بشخص من ذوي الاحتياجات الخاصة، اسمه محسن عبد الله، هذا الرجل مع إعاقته الحركية، إلا أنه كان سليمًا في قلبه، وفكره، وروحه، ومشاعره، مع الآخرين، فماذا كان يصنع؟

كان يحمل طعام الإفطار، ويذهب به إلى المسجد، ليفطر عليه الفقراء والمساكين!! فقط هذا ما كان يقوم به، وهو عمل وإن كان في نظر البعض صغيرًا، إلا أنه عظيم عند الله تعالى، وقد يعجز عنه أشداء الرجال! إلا أن الله تعالى وفق هذا الشاب لهذا العمل رغم إعاقته.

وقد لاحظتُ على هذا الشاب أمرًا لا يفارقه، ألا وهو ابتسامته الدائمة والبشوشة، لأن الابتسامة منبعها داخلي، فهو عندما استشعر رضا الله تعالى عليه بهذا العمل، كان الابتسامة لا تفارق محياه، فقد انطلق في استمطار رحمة الله ورضاه، من رضاه هو؛ فالرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس)، ففي هذا النص القصير، قليل المباني عظيم المعاني، يبين لنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

أولاً: قضية التكيف مع الذات، والرضا بالمكسب الشخصي، والانسجام.

ثانياً: مفهوم السعادة، فلربما استوطنت السعادة الكوخ، وليست فيه كسرة خبز، وقد تخلو منها القصور العاليات! قد تجد ابتسامة في كوخ، وتجد الهموم في القصور.

ثالثاً: عدم اليأس، فقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل).

رابعاً: المشاركة في الحياة، والتفاعل الإيجابي فيها.

إذن الإنسان وإن كان عنده بعض العجز قد يتحول إلى ثورة على الواقع، وعلى العجز على ذاته، وعلى المجتمع، فيوظف نفسه توظيفاً اجتماعياً مهمًّا ومفيدًا، ولذلك فهناك أناس كثيرون يحتاجون من يعزز الخير فيهم، ويفتح المجال أمامهم؛ لأن لهم همومًا، وضيقت عليهم الحياة، فافتحوا الحياة لهؤلاء، لكي يعطوا، ويتفاعلوا، ويتكيفوا، وننظر لهم على أنهم يعيشون حياة طبيعية، وليسوا غرباء فكل إنسان لا يكلفه الله إلا ما أعطاه من طاقة، فعززوا الخير في كل مكان، ومع كل أحد، مع الأغنياء الذين يبنون، ويعطون على قدر حاجتهم، ومع الفقراء الذين يعطون على حد استطاعتهم، وصدق عليه الصلاة والسلام: (سبق درهم مئة ألف درهم)، والقضية أولاً وأخيرًا بالنوايا، والصدق، والتوجه إلى الله.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى