بيني وبينكم 2005

بينى وبينكم 2005 الحلقة الثالثة الربيع ابن خثيم

الربيع بن خُثيم

يقول له شيخه، ومن تربى على يديه: (لو رآك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأحبك)!

فمن هذا الإنسان الذي لو رآه النبي صلى الله عليه وسلم لأحبه؟!

وهذا يعني أن هذا الرجل لم يكن موجوداً أيام النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الذي قال له: لو رآك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبك، كان موجوداً أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

فمن يكون يا ترى؟!

إنه الربيع بن خُثيم

أحد الزهاد الثمانية في عصره، الذي وصفه بتلك الصفة التي يتمناها كل واحد منا هو شيخه الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

وقد جاء في بعض الروايات أن ابن مسعود قال له: يا ربيع، ما رأيتك إلا ذكرت المخبتين.

والمخبت هو الخاشع، والمخبتون هم الذين يتقربون إلى الله عز وجل بالرقائق، والإيمانيات.

ونحن اليوم في عصر الثقافة المتعددة، والرموز الكثيرة؛ فأي إنسان إذا أراد أن يُصدّر مفاهيم ومعاني، فإنه يربطها برمز، وشخصية مشهورة، وهذا تماماً ما تفعله الدعاية والإعلان، فالبضاعة قد تكون ضعيفة، وهزيلة، وليست ذات جودة عالية، ولكن بربطها بأحد اللاعبين المعروفين، أو بمغنٍّ صاعد، فإن الناس سينسون قيمة البضاعة، ويتذكرون المشار إليه.

وبمثل هذه الطريقة سنقوم بعمل دعاية للخير، والعبادة، والأخلاق الكريمة الفاضلة، من خلال ربطها برمز من رموز أهل الإسلام.

فتعالوا بنا نقف مع الربيع بن خُثيم…

هل أبدأ من طفولته، وكيف نشأ، وترعرع؟

أم أبدأ من أيامه الأخيرة عندما أصيب بالفالج؟

إن حياة هذا الإمام من مبدئها إلى منتهاها عظة، وتذكرة، والوقوف على جميع جوانبها أمر عسير، وحسبي في هذا المقام أن أذكر إشارات تنبه الغافل، وتذكر الناسي، وتزيد المتبصر…

فقد جاء في سيرته أن ابن الكواء جاء إلى الربيع بن خثيم فقال له: دلني على من هو خير منك! فقال: «نعم، من كان منطقه ذكرًا، وصمته تفكرًا، ومسيره تدبرًا، فهو خير مني».

وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على عظيم تواضعه، وهضمه لنفسه، رحمه الله تعالى.

وقيل للربيع بن خثيم: ألا ندعو لك طبيبًا؟ فقال: أنظروني، فتفكّر، ثم قال: {وعادا، وثمود، وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا}، فذكر من حرصهم على الدنيا، ورغبتهم، وما كانوا فيها، ثم قال: «قد كانت فيهم أطباء، وكان فيهم مرضى، فلا أرى المداوي بقي، ولا أرى المداوى، وأهلك الناعت والمنعوت، لا حاجة لي فيه».

وقيل له يومًا: ألا تذكّر الناس؟ فقال: ما أنا عن نفسي براضٍ، فأتفرغ من ذمها إلى ذم الناس، إن الناس خافوا الله تعالى في ذنوب الناس، وأمنوا على ذنوبهم.

والمعنى: كيف أتفرغ لذم الناس، وأنا لست راضٍ عن نفسي، لكثرة ذنوبها، وتقصيرها في جنب الله تعالى، وهذا لا يقوله إلا من عرف حقيقة نفسه.

وقيل له يومًا: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحنا مذنبين، نأكل أرزاقنا، وننتظر آجالنا.

وعن منذر الثوري، قال: كان الربيع إذا أتاه الرجل يسأله قال له: اتق الله فيما علمتَ، وما استؤثر عليك فكِلْهُ إلى عالمه، لَأَنَا عليكم في العمد أخوف مني عليكم في الخطأ، ثم يقول: السرائر السرائر، اللاتي يخفين من الناس، وهن لله تعالى بَوادٍ، التمسوا دواءهن. ثم يقول: وما دواؤهن إلا أن تتوب ثم لا تعود.

فكان رحمه الله تعالى يحث دائمًا على النظر والاهتمام بأمور السرائر التي لا يطلع عليها إلا الله تعالى، فهو يذكّرنا بقول الله تعالى: {يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور}، فالله تعالى يعرف قلبك أكثر من معرفتك أنت بنفسك، ومع ذلك قد يزل المرء فيقع في بعضها، فيصف الدواء بالتوبة النصوح، وهي التوبة التي يقلع فيها الإنسان عن المعصية، بعد ندمه الشديد عليها، وعزمه على عدم العودة لها، هذه هي التوبة النافعة لصاحبها، أما الذي يتوب ظاهراً، وهو عازم في قرارة نفسه على المعاودة مرة أخرى فما هذا بتائب، بل هو أقرب إلى العابث من التائب.

وقال لأصحابه مرة: تدرون ما الداء، والدواء، والشفاء؟ قالوا: لا، فقال: الداء الذنوب، والدواء الاستغفار، والشفاء أن تتوب ثم لا تعود.

وكان الربيع بن خثيم يبكي حتى تبل لحيته دموعه، ثم يقول: أدركنا أقوامًا كنّا في جنبهم لصوصًا. يعني بذلك صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، من جهادهم، وجهدهم، وورعهم، وتقواهم، وأخلاقهم، وهذا الكلام يوضح لنا أنه يجب على الإنسان أن يقارن نفسه دائمًا بالأعلى، وبمن هو أفضل منه، في أمور العبادة، والصلاح، والأخلاق، حتى يتشجع لمنافسته، والسعي لتحصيله، ولا يقارن نفسه بالدون، وبمن هو أقل رتبة منه في العبادة والفضل، لأن ذلك يجعله يحمد الله تعالى على ما هو عليه، ولا يسعى للمزيد.

وكان يقول في دعائه: أشكو إليك حاجة لا يحسن بثها إلا إليك، وأستغفر منها وأتوب إليك.

وعن سفيان قال: صحبنا الربيع بن خثيم عشرين سنة، فما تكلم إلا بكلمة تصعد، أي كلمة خير تصعد إلى السماء، فتسجل في صحيفة حسناته.

وقال آخر: صحبته سنتين فما كلمني إلا كلمتين!

لم يكن منه ذلك إلا لعلمه بعظيم خطر هذا اللسان، الذي تساهل فيه كثير من الناس اليوم، حتى على مستوى أهل الصلاح، فتجد لسانه يفري في أعراض الناس، ويشرِّق ويغرِّب في كل ما هب ودب، ونفع وضر، ثم بعد ذلك يعدّ نفسه من أعظم أهل التقوى! بل إن الشيطان سول للبعض أن كلامه في الآخرين، والطعن فيهم، قربة يتقرب بها إلى الله تعالى! وأنه يدافع عن الدين بذلك، وينصره، ويحوطه، ويحمي حماه!! وما درى هذا المسكين أن جل كلامه، إن لم يكن كله، إنما هو لحظ نفسه، ونصرة شخصه، ولكنه ألبسه لباس الدين، وجمّله بالنقول عن العلماء، ليخرج من وهدة الغيبة، ومستنقع الإثم.

وعن بلال بن المنذر، قال: قال رجل: إن لم أستخرج اليوم سيئة من الربيع لأحد لم أستخرجها أبدًا. قال: قلت: يا أبا يزيد، قُتل ابن فاطمة عليهما السلام، أي الحسين رضي الله عنه، قال: فاسترجع الربيع، ثم تلا هذه الآية: {قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون}، فقال له الرجل: ما تقول؟ قال:  ما أقول إلا: إلى الله إيابهم، وعلى الله حسابهم!

ويروى عنه أنه قال لأهله يومًا: اصنعوا لنا خبيصًا، نوع من الحلوى، فصنعوا له، فدعا رجلًا به خبل، أي مجنون، فجعل يلقِّمه، ولعابه يسيل! فلما ذهب، قال له أهله: تكلفنا وصنعنا، ما يدري هذا ما أكل! فقال الربيع: ولكن الله يدري.

هكذا يكون الفهم للصدقة، وعمل الخير، فليس الشأن أن يعرفك الذي تصدقتَ عليه، أو يعرف الناس ذلك عنك، ولكن الشأن كل الشأن أن يعرف الله ذلك منك، وأنه خالص لوجهه سبحانه، لا لرضا مخلوق، أو سمعة، أو رياء.

يقول الله تعالى مصداقًا لذلك: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقون من شيء فإن الله به عليم}، فلا بد أن نرتبط بالمعاني السامية، وألا نقيس الناس بحظوظ النفس الآنية، فهذا سفيان بن عيينة، جاءه رجل مسكين، فطلب منه حاجة، فما وجد ما يعطيه، فبكى سفيان! فقال له أصحابه: ما يبكيك؟ فقال: إن من أعظم المصائب أن يؤمّل الإنسان فيك أملاً، ثم لا يصيبه منك.

الله أكبر ما أعظم هذه الهمم، وما أكبر هذه النفوس!

وهذا خلاف ما يقع هذه الأيام من كثيرين من الذين يبذلون أموالهم، لا ابتغاء مرضاة الله، وطلب ما عنده، ولكن ليسمع الناس عن فلان أنه تبرع بكذا، أو بنى كذا، أو كفل كذا!! نعوذ بالله من ذلك.

وعن عبد الرحمن بن عجلان، قال: بت عند الربيع بن خثيم ذات ليلة، فقام يصلي، فمر بهذه الآية: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات}، فمكث ليلته حتى أصبح ما جاوز هذه الآية إلى غيرها ببكاء شديد.

وكان الربيع بعدما سقط شقه، أي بسبب الفالج، وهو الشلل، يهادى بين رجلين إلى مسجد قومه، فكان يقال له: يا أبا يزيد، لقد رخص الله لك، فلو صليت في بيتك. فيقول: إنه كما تقولون، ولكني سمعته ينادي: حي على الفلاح، فمن سمعه منكم ينادي حي على الفلاح فليجبه، ولو زحفًا، ولو حبوًا.

وفي رواية: أصاب الربيع الفالج، فكان يحمل إلى الصلاة، فقيل له: إنه قد رخص لك. فقال: قد علمت، ولكني أسمع النداء بالفلاح.

وعن سفيان، قال: بلغنا أن أم الربيع بن خثيم، كانت تنادي ابنها الربيع فتقول: يا بني، يا ربيع، ألا تنام؟ فيقول: يا أمه، من جنّ عليه الليل وهو يخاف البيات، حُقَّ له أن لا ينام. قال: فلما بلغ ورأت ما يلقى من البكاء والسهر، نادته فقالت: يا بني، لعلك قتلتَ قتيلًا؟ فقال: نعم يا والدة، قد قتلت قتيلًا. قالت: ومن هذا القتيل يا بني، حتى يتحمل على أهله فيعفون؟ والله لو يعلمون ما تلقى من البكاء والسهر بعدُ، لقد رحموك. فيقول: يا والدة هي نفسي. أي قتلت نفسي!!

ومن جميل الكلام الذي يُروى عن الربيع: أنه كان يقول: لا يقل أحدكم: اللهم إني أتوب إليك، ثم لا يتوب، أي حتى لا تكون كذبة؛ ولكن ليقل: اللهم تب علي، إنك أنت التواب الرحيم، أي فيكون ذلك من باب الدعاء، وليس من باب الخبر.

هذا طرف يسير من سيرة هذا الإمام العظيم، ونموذج من حياته التي امتلأت بالتطبيق العملي لمبادئ الإسلام، فقد ربّى نفسه، وربّى غيره، ربّى نفسه بالالتزام بالإسلام، وربّى غيره بالقدوة، فلنستلهم هذه القيم من هؤلاء الأئمة، بدلاً مما يُعرض علينا من نماذج لا تنفع في الدنيا، ولا في الآخرة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى