بيني وبينكم 2005

بينى وبينكم 2005 الحلقة الثانية والعشرون الامام علي ج 1

(الإمام علي)

(ﻻ يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق)

هذه كلمة قالها سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في شأن إنسان استحق هذه المنزلة العلية، والمكانة السامية، وحظي بهذه المكرمة الفاضلة.

فمن هو هذا الإنسان الذي أصبح من خلال هذا النص الصحيح الصريح قطباً، ومعياراً، من معايير معرفة النفاق من عدمه؟!

إنه سيدنا علي بن أب طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

والحديث كما رواه الإمام مسلم عن علي رضي الله تعالى عنه قال: والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إلي: «أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق».

سأقف معك أيها القارئ الكريم مع مشاهد من سيرة الإمام علي بن أبي طالب، وهي خواطر سريعة، مختصرة، ومعتصرة، لن أقف من خلالها على تسلسل تاريخي لأحداث حياته، وسيرته التفصيلية، وإنما مشاهد اجتهادية، قد نعلق عليها، وقد لا نعلق، فالحدث ينطق بنفسه.

هو زوج بنت النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة الزهراء، وأبو أحفاده سيدي شباب أهل الجنة، الحسن، والحسين، وابن عمه رضي الله عنه.

مقامه كبير، ومكانته رفيعة، فهو رابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد أقطاب العلم، والتقوى، والمعرفة، والزهد، والشجاعة.

ضرب لنا المثل في السلوك الشخصي في أسرته، وأعطانا النموذج العملي في أحلك الظروف، ظروف الفتن، واضطراب الأمور، كيف تحكم بنفسه؟ وكيف لم تأخذه العاطفة؟ ولم تدفعه ردة الفعل؟ وإنما طبّق الأحكام الشرعية، كما أمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

هذا الإنسان لا بد أن نقف معه وقفات، لكي يكون رمزاً، ومثالاً يحتذى، وقدوة نسير على خطاها، ونقتفي أثرها، في الوقت الذي غرقت فيه العقول، والعيون، بنماذج وأمثلة للقدوات لا تمت للقدوة، والاقتداء بصلة، عبر تلك الثقافة التبادلية المفتوحة مع العالم.

أذكر لكم الزهد الذي عاشه هذا الإمام الجليل، لكي نعرف بعد هذا المعنى كيف أن هؤلاء الناس لم يستغلوا مواقعهم، ولا مسمّياتهم، ولا أنسابهم، بل ولا مكانتهم الدينية، من أجل أكل الدنيا، لكي نعرف فعلاً كيف تربي النبوة؟ وكيف تعلِّم؟

يحدثنا عن نفسه فيقول: جعت مرة بالمدينة جوعًا شديدًا، فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة.

يبحث عن أي عمل شريف، لكي يرجع منه إلى أهله برزق حلال من كد يده، وعرق جبينه.

قال: فإذا بامرأة قد جمعت مدراً.

والمدر: هو الطين اليابس.

قال: فظننتها تريد بَلَّهُ. أي رشه بالماء.

قال: فأتيتها، فقاطعتها كل ذنوب على تمرة.

قاطعتها: أي اتفقت معها على أجرة. والذنوب هو الدلو. أي أنه اتفق معها مقابل كل دلو من الماء يحضره، فله به تمرة!

قال: فمددت ستة عشر ذنوباً، حتى مجلت يداي.

أي تورمت يداي من العمل.

قال: ثم أتيت الماء فأصبت منه، ثم أتيتها فقلت بكفي هذا بين يديها.

أي طلبتُ أجرتي.

قال: فعدَّت لي ست عشرة تمرة.

بحسب الاتفاق بينهما.

قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فأكل معي منها.

لم يذهب إلى زوجته فاطمة رضي الله تعالى عنها، وإنما ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجلس معه، وأخبره بما حدث، فشاركه عليه الصلاة والسلام الطعام.

هذا الحدث يدل على أن الإنسان يجب أن يجتهد، ويعمل، ويبحث عن أي عمل شريف، فالعمل ليس عيباً، بل الجلوس بحد ذاته هو العيب، لأن من يفعل ذلك يعرّض نفسه لسؤال الناس، أعطوه أو منعوه!

كما أنه يدل على حب الآخرين، فكيف إذا كان الآخر صاحب مقام عالٍ، ومنزلة شريفة؟! وهل هناك أعلى مقاماً من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

فعلي ذهب بالطعام إلى أحب المحبين إليه، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كما أن علياً رضي الله عنه كان باستطاعته استثمار نسبه، وقربه، ومكانته الدينية العرقية من رسول الله صلى الله عليه وسلم، في سبيل دفع الفقر عن نفسه، أو حصول ما يمكن الحصول عليه من أجل سد الرمق، إلا أن هؤلاء الشرفاء العظماء كانت لديهم نفس أبية، وكانت عندهم روح تواقة، لأن يعيش الإنسان منهم من كد يمينه، وعرق جبينه، ولا يلجأ إلى الطلب إلا في الحالات الصعبة، والضنكة جداً.

ونستكمل هذا الزهد، وهذا العفاف من هذه الأسرة الكريمة.

قال علي لفاطمة ذات يوم: والله لقد سنوت، حتى لقد اشتكيت صدري.

وسنوت: أي استقيت لكثرة ما يسحب الماء من الآبار.

قال: وجاء الله أباك بسبي، فاذهبي فاستخدميه.

أي: اطلبي منه خادماً، يعيننا على أعمالنا.

فقالت فاطمة: أنا والله طحنت حتى مجلت يداي.

أي: تورمت يداي.

قالت: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم.

ذهبت السيدة المصونة إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم، فلما دخلت عليه رحّب بها، وكان من عادته يقوم إليها يقبلها.

فقال: ما جاء بك أي بنية. قالت: جئت لأسلم عليك. واستحْيَت أن تسأله، ورجعت.

منعها الحياء من الطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أنه أبوها، وطلبها حق، لكنهم كانوا أصحاب حياء، وأخلاق، وذوق، وعزة نفس.

فلنتعلم تلك الآداب العالية من بيت النبوة، فهؤلاء قدوتنا وأسوتنا، التي بها يجب أن نهتدي، وهي الأمثلة التي تطمس من التاريخ، وتغيب في ثقافة اللذة، وتسليع الجسد، والإنسان!!

فلما استفهمها علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: ما فعلتِ؟ قالت: استحييتُ أن أسأله.

قال علي: فأتينا جميعاً – أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم -، فقال على: يا رسول الله، والله لقد سنوتُ حتى اشتكيت صدري، وقالت فاطمة: قد طحنتُ حتى مجلت يداي, وقد جاءك الله بسبي وسعة فأَخْدِمنا. أي أعطنا خادماً.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لا أعطيكما، وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم، لا أجد ما أنفق عليهم، ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم!

وأهل الصفة: هم فقراء المهاجرين، يجلسون في مكان في المسجد، لا يجدون مأوى، ولا مأكلاً، ولا ملجأ، ولا عملاً.

فانظر إلى هذا الراعي للرعية، وهذا المسؤول، وهذا الحاكم النبي، الذي لم يقدم آل بيته، وأحب الناس إليه، علي، وفاطمة، وإنما قدّم فقراء مجتمعه!!

هذا مثل للحكام، وللوزراء، وللمدراء، بل مثل لي، ولك، ومثل للجميع، هل نحن نراعي قرابتنا على حساب الآخرين؟

أم أننا نقتدي بهدي سيد الأولين والآخرين عليه الصلاة والسلام؟

قال: فرجعا. أي إلى بيتهما.

فأتاهما النبي صلى الله عليه وسلم وقد دخلا في قطيفتهما، إذا غطت رؤوسهما تكشف أقدامهما، وإذا غطيا أقدامهما تكشفت رؤوسهما.

قال: فثارا، فقال: مكانكما.

أي أرادا القيام لاستقبال النبي صلى الله عليه وسلم، فمنعهما من ذلك.

ثم أراد أن يعطيهما درساً معنوياً، وغذاء روحياً، وتقوية للإرادة، وأمراً يسلّي النفس، ويقوي الإيمان، فقال لهما: ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟

قالا: بلى. فقال: كلمات علمنيهن جبريل، فقال: تسبِّحان في دبر كل صلاة عشراً، وتحمدان عشراً، وتكبران عشراً، وإذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبرا أربعاً وثلاثين.

كلام كله أذكار!! وقد يستغرب البعض من ذلك، فما علاقة التعب والإرهاق من العمل بقول هذه الأذكار؟!!

نحن عندما نقرأ في قضية تدريب النفس، والدورات التدريبية التي ملأت الدنيا، وأصبح لها مؤسسات، من أجل ضبط الإرادة، وتقويتها، والتأقلم مع الواقع، وطرد اليأس، ورفع مستوى الهمة، إلخ… نجد أن التكرار من المعاني الإيجابية، فكيف إذا ربط بالله رب العالمين؟ وبمصدر القوة، والإيمان، والطمأنينة؟!

لقد التزم علي بن أبي طالب بهذه الوصية، حتى قال: فو الله ما تركتهن منذ علمنيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فسئل: ولا ليلة صفين؟!

لأن صفين من أشرس المعارك التي خاضها.

فقال: ولا ليلة صفين!!

لماذا أركز على التعفف؟ لماذا أكز على الجمع بين النقيضين؟

حاجة، وفقر، وفي نفس الوقت تعفف، واستعلاء!

إنها قوة الشخصية، وقوة القيم، والأصالة في المبادئ.

لأن لهذا الإنسان مكانة، ومرتبة في قلوب الناس، بل وفي دين الناس، فلا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق.

ولذلك علق الإمام ابن جماعة فقال: فكيف بمن قاتله؟

وأقول: فكيف بمن قتله؟!

ونحن نستذكر زهد هذا الإمام الكبير، نستبشع صورة كثير من الناس الذين ما إن يمسك أحدهم بمنصب، أو يعطى مسؤولية، إلا ويطوعها لرغبات نفسه، ومصالحه الشخصية، فلا خوف من الله، ولا حياء من الناس، فيأكل الأول والآخر، ويهلك من أمامه!

روى الإمام أبو نعيم الأصفهاني في كتابه: (حلية الأولياء وطبقات الأصفياء)، عن علي بن الأرقم، عن أبيه، قال: رأيت علياً وهو يبيع سيفاً له في السوق، ويقول: من يشتري مني هذا السيف؟ فوالذي فلق الحبة لطالما كشفت به الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان عندي ثمن إزار ما بعته!!

ما هذه النفسية العظيمة؟!

سيف عزيز عليه جدًّا، بل هو أعز ما يملك من حطام هذه الدنيا، لأنه يتذكر به تلك المواقف التي كان يدفع فيها الباطل، ويحامي به عن الحق.

وهل هناك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وأجمل من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يتمثل فيه الحق أيّما تمثل؟

مع ذلك يبيع هذا السيف الغالي على قلبه؛ لأنه لا يجد ثمن إزار يشتريه!

هكذا نريد من جميع الناس، ﻻسيما إذا كانوا من أصحاب المسؤولية، خاصة إذا كانوا من أصحاب المقام الديني، فالإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه له مقام ديني رفيع، فقد جمع بين الصحبة والآل، ثم المصاهرة، ثم القرابة، ثم الخلافة، ففضائله أكثر من أن تحصى، فهذه المرتبة الدينية ما جعلته يستثمر الدين بطريقة خاطئة آثمة، ومن هنا نقول للعلماء، ونقول للواجهات الثقافية الدينية، ونقول لكل من يحمل في رأسه علماً، وفي قلبه فهماً: اتقوا الله، ولا تبغضوا الناس إلى دينهم، لا تكن أيها العالم، وأيها المفكر، وأيها المثقف، حجر عثرة في طريق الناس نحو دينهم.

ثم إياك أيها العالم والداعية أن يتخذ الناس منك قطباً يديرون عليه رحى ظلمهم، وطغيانهم، احذر أن يتخذوا منك جسراً يسيرون عليه إلى شهواتهم.

كما وصف الشيخ علي الطنطاوي رحمة الله عليه أمثال هؤلاء في كتابه: صور وخواطر، تحت عنوان: في الليل، حيث يقول: ومُتَمَشْيِخ قد لبس مُسوح الزهّاد، واتّزر بإزار الصالحين، قد عرّض لحيته، وكوّر عمامته، وأدلى عذبته، وطوّل سبحته، ودعا الناس إلى الزهد في الدنيا، ونبذ الأموال، ورمي النقود في الطرقات؛ لأنها وسخ الدنيا، فلما أطاعوه ورموها، خالفهم إليها فالتقطها!!

الإمام علي بن أبي طالب قدوة للرمز الإيماني، قدوة للمفتي، قدوة للشرعي، قدوة لمن تقلد منصباً دينياً يفتي للناس، ويعطي قراراً، ويتحكم في الحكم على هؤلاء أو أولئك، وتتخذ منه الحكومات، ومن فتواه، ومن قراراته، حجة، ودليلاً لما تمارسه من ظلم، وطغيان، وهضم للحقوق، وأكلها.

لا بد أن يستقل العالم، والرمز المؤثر الفاعل، وإذا كان ﻻ يستطيع رفض ما يطلب منه، والوقوف في وجهه، فلا يضع نفسه في المواجهة، بل عليه أن يآثر السلامة، وينجو بنفسه، وبالناس جميعاً من أن يتبعوه على الباطل.

دعوني أنطلق معكم إلى معلم آخر من معالم شخصية هذا الإمام العظيم، ومرتكز من مرتكزات التربية.

فهذه القصة لأبنائنا، الذكور والإناث، ذلكم الجيل الصاعد، الجيل الذي بدأ يتخلى عن كثير من مسؤولياته، الجيل الذي يريد أن يأخذ، ولا أقول ويعطي القليل، بل لا يعطي أصلاً، وأحياناً يعاند، وقد يخطئ في اللفظ، وربما يتطاول بأشياء محزنة!!

تعالوا بنا جميعاً نلقي الضوء على هذا الحدث في سيرة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، كما رواه الإمام ابن قدامة المقدسي الحنبلي في كتابه التوابين، حيث روى بسنده إلى الإمام الحسن بن علي رضي الله عنه، قال:

بينا أنا أطوف مع أبي حول البيت في ليلة ظلماء، وقد رقدت العيون، وهدأت الأصوات، إذ سمع أبي هاتفاً يهتف بصوت حزين شجي، وهو يقول:

يا من يجيب دعا المضطر في الظلم … يا كاشف الضر والبلوى مع السقم

قد نام وفدك حول البيت وانتبهوا … وأنت عينك يا قيوم لم تنم

هب لي بجودك فضل العفو عن جرمي … يا من إليه أشار الخلق في الحرم

إن كان عفوك لا يدركه ذو سرف … فمن يجود على العاصين بالكرم

 

قال: فقال أبي: يا بني! أما تسمع صوت النادب لذنبه، المستقيل لربه؟

الحقه فلعل أن تأتيني به.

قال: فخرجت أسعى حول البيت أطلبه، فلم أجده، حتى انتهيت إلى المقام، وإذا هو قائم يصلي. فقلت: أجب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأوجز في صلاته واتبعني.

فأتيت أبي فقلت: هذا الرجل يا أبت.

فقال له أبي: ممن الرجل؟ قال: من العرب. قال: وما اسمك؟ قال: منازل بن لاحق.

قال: وما شأنك، وما قصتك؟

قال: وما قصة من أسلمته ذنوبه، وأوبقته عيوبه، فهو مرتطم في بحر الخطايا.

فقال له أبي: علي ذلك فاشرح لي خبرك.

قال: كنت شاباً على اللهو والطرب، لا أفيق عنه، وكان لي والد يعظني كثيراً، ويقول: يا بني! احذر هفوات الشباب وعثراته، فإن لله سطوات ونقمات، ما هي من الظالمين ببعيد.

وكان إذا ألح علي بالموعظة، ألححت عليه بالضرب، فلما كان يوم من الأيام ألح علي بالموعظة، فأوجعته ضرباً! فحلف بالله مجتهداً ليأتين بيت الله الحرام، فيتعلق بأستار الكعبة، ويدعو علي.

فخرج حتى انتهى إلى البيت، فتعلق بأستار الكعبة، وأنشأ يقول:

يا من إليه أتى الحجاج قد قطعوا … عرض المهامة من قرب ومن بعد

إني أتيتك يا من لا يخيب من … يدعوه مبتهلاً بالواحد الصمد

هذا منازل لا يرتد عن عققي … فخذ بحقي يا رحمان من ولدي

وشل منه بحول منك جانبه … يا من تقدس لم يولد ولم يلد

قال: فوالله ما استتم كلامه حتى نزل بي ما ترى، ثم كشف عن شقه الأيمن، فإذا هو يابس.

قال: فأُبتُ ورجعتُ، ولم أزل أترضاه، وأخضع له، وأسأله العفو عني، إلى أن أجابني أن يدعو لي في المكان الذي دعا عليّ.

قال: فحملته على ناقة عشراء، وخرجت أقفو أثره، حتى إذا صرنا بوادي الأراك، طار طائر من شجرة، فنفرت الناقة، فرمت به بين أحجار، فرضخت رأسه فمات! فدفتنه هناك، وأقبلت آيساً، وأعظم ما بي ما ألقاه من التعيير أني لا أُعرف إلا بالمأخوذ بعقوق والديه.

أي أنه أصبح لا يعرف إلا بهذا الاسم، وهذا الوصف!!

فقال له أبي: أبشر فقد أتاك الغوث، فصلى ركعتين، ثم أمره فكشف عن شقه بيده، ودعا له مرات يرددهن، فعاد صحيحاً كما كان.

وقال له أبي: لولا أنه قد كان سبقت إليك من أبيك في الدعاء لك بحيث دعا عليك لما دعوت لك.

قال الحسن: وكان أبي يقول لنا: احذروا دعاء الوالدين! فإن في دعائهما النماء، والانجبار، والاستئصال، والبوار.

ما أجمل هذا التوجيه، والتعليم الذي ذكره سيدنا علي رضي الله عنه للآباء والأمهات، بالحذر من الدعاء على أبنائهم، لأن في ذلك الاستئصال، والبوار، والدمار، وهذا مأخوذ من الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ﻻ تدعوا على أنفسكم، وﻻ تدعوا على أوﻻدكم، وﻻ تدعوا على أموالكم.

لماذا؟

قال: لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء، فيستجيب لكم.

وفي حديث آخر يقول صلى الله عليه وسلم: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون.

والكثير منا يتساهل في هذه المسألة، وخاصة في قضية اللعن، عند الغضب وثوران النفس، فتجد اللسان ينفلت بأشياء كثيرة، قد يكون فيها الهلاك والدمار، لنفسه، أو لأولاده.

ولننظر جميعاً إلى هذا المعنى العظيم الذي جسده هذه القصة العظيمة، خاصة ونحن نعيش في هذه المجتمعات المادية المعاصرة، وفي أجيال تعيش لحظة إشباع الغريزة، وإشباع الحاجة، والتمتع بكل شيء على حساب صحة الوالدين، وميزانيتهما، وحاجتهما، وظروفهما، غير مبالين، ولا مكترثين، وفوق هذا لا نؤدي أي بديل تجاههما!!

إن قضية الوالدين قد بلغت أهميتها، ومكانتها في حياتنا، ما جسدها لنا الإمام علي بن أبي طالب، فيما رواه لنا الإمام ابن قتيبة في كتابه المعارف، بأن محمد السجاد، وهو محمد بن طلحة بن عبيد الله، وكان طلحة رضي الله تعالى عنه في المعسكر المقابل لعلي بن أبي طالب في معركة الجمل، ومحمد السجاد سمي بالسجاد: لكثرة عبادته، وسجوده، وكان زاهداً، وكان ﻻ يرى الخروج مع أبيه، وقد اعتزل الفتنة، وكان هواه مع علي بن أبي طالب، لكن والده ابتلاه، فأمره أن يحمل الراية، ويكون في المقدمة، فكان بين نزاعين: أن يحمل الراية، وينزل على رأي أبيه، أو أن ينسحب؛ لأن قلبه وهواه مع الإمام علي بن أبي طالب ، لكنه ما استطاع مخالفة والده، فدخل المعركة، وعلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بذلك، فقال: إياكم، وصاحب البرنس الأسود. أي لا يقترب منه أحد، ولا يؤذيه! لأنه ما أخرجه إلا برّ والده.!!

والبرنس الأسود: هو العباءة السوداء.

وبدأت المعركة، وحمل الراية، وكان يقرأ القرآن، فلم يقترب منه أحد، حتى جاء رجل من بني أسد، فضربه بالرمح، فقتله، وقال فيه:

وأشعث قوّام بآيات ربّه … قليل الأذى فيما ترى العين مسلم

شككت له بالرّمح حضني قميصه … فخرّ قتيلا لليدين وللفم

على غير شيء غير أن ليس تابعاً … عليًّا ومن لا يتبع الحقّ يندم

يناشدني «حم» والرّمح شاجر … فهلّا تلا «حم» قبل التقدّم

فلما رآه علي بن أبي طالب قتيلاً، أخذه، ومسح التراب عن رأسه، وقال: (ويلكم، ألم أقل لكم إياكم وصاحب البرنس الأسود، هذا الذي قتله بره بأبيه).

 

ومن بر الوالدين ننتقل إلى دور القضاء، وما يسمى في بعض البلدان بقصر العدل! إلى المكان الذي يوضع عليه ميزان العدالة، ويتحكم بإصدار الأحكام في أعراض الناس، وأملاكهم، وأرواحهم.

تعالوا بنا نأخذ درساً في العدالة، وفي قوة القانون، لا قانون القوة.

علي بن أبي طالب، وهو يومئذ خليفة، افتقد درعاً له، ثم وجدها عند يهودي، وفي رواية: عند نصراني، فعلم أنها مسروقة، فذهب وقاضاه عند قاضيه شريح.

الآن رئيس الدولة وزعيمها وحاكمها يقاضي مواطن من أفراد رعيته!!

وهذا المواطن لم يكن على دينه، وإنما على دين آخر، وهو من الصنف المعروف بالمكر، والدهاء، والتخطيط! لكن العدالة شيء، والموقف النفسي شيء آخر، فالإسلام لا يمنعك أن تكره شخصاً ما، لكنه يقول لك: إذا كرهتَ فلا تظلم! ولا يمنعك أن تحب، لكنه يقول لك: إذا أحببتَ فلا تفجر، ولا يقول لك: ﻻ تجُع. لكنه يقول لك: إذا جعت فلا تأكل حراماً.

فالمشاعر القسرية لا دخل لها في الحكم الشرعي.

هذا الرجل السارق قاضاه أمير المؤمنين عند قاضيه، فلم يستخدم موقعه السياسي كخليفة، ولم يستضعفه كونه مواطناً غريباً في عقيدته، بل وقف الاثنان أمام القاضي.

فقال القاضي شريح بكل استقلالية، وحرية:

قل يا أمير المؤمنين.

فقال: هذه الدرع التي في يد اليهودي درعي لم أبع ولم أهب.

فقال شريح: ماذا تقول يا يهودي؟

فقال اليهودي: درعي، وفي يدي. وفي رواية: ما الدرع إلا درعي، وما أمير المؤمنين عندي بكاذب!!! نفاق، وتلوّن.

فقال شريح: ألك بينة يا أمير المؤمنين؟

فضحك علي، وقال: أصاب شريح، ما لي بينة. أي ليس لي بينة.

وفي رواية قال علي: نعم، الحسن يشهد بذلك.

فردّ شريح شهادة الحسن!!

فقال له علي: ثكلتك أمّك، أما بلغك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة»؟

فقال: اللهمّ نعم، غير أني لا أجيز شهادة الولد لوالده!!

فقضى بها شريح لليهودي!!

قال: فأخذها اليهودي، ومشى خطى، ثم رجع، فقال: أما أنا فأشهد أن هذه أحكام الأنبياء، أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه، وقاضيه يقضي عليه! أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين، اتبعتُ الجيش وأنت منطلق إلى صفين، فخرجت من بعيرك الأورق.

فقال علي: أما إذ أسلمت فهي لك!! وحمله على فرس.

هل بعد هذه العدالة عدالة؟!

هل عرف التاريخ، أو قرأ مثل هذا الإنصاف؟!

وضع الناس على قدم المساواة بين أعلى رجل في الدولة، وبين مواطن؟

أرأيتم بالعدالة، وتطبيق الواقع، كيف نفتح الآفاق لفهم الإسلام فهماً صحيحاً؟!

هذا مثل للقضاة، ولكل من يريد أن يحكم، بل لكل من كان تحت يده بعض الأفراد، يتحكم في مصيرهم، وفي درجاتهم، وفي رواتبهم، وفي ترقياتهم، أن دعونا نتخلص من الأنانية الشخصية، والتحيز الذي سيطر علينا، وننظر إلى العدل الذي يعلمنا إياه الإسلام.

ومن العدالة والتواضع نطير إلى معادن الرجال، وطرق معرفتها، وخير ما يُعرف به معدن الرجل السفر معه، لأن السفر يسفر عن اخلاق الرجال، ومعاملته بالدينار والدرهم، فإن ذلك ينبيك عن خلقه الحقيقي.

أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، معروف منذ طفولته بالمروءات، إلا أن الأيام تثبت مزيداً من نماء شجرة المروءة في حياته، ومن اكتمال الشخصية، ومن الثبات على المبدأ، ومن تراكم التربية، والخبرة، مما جعله حقًّا من معادن الرجال الذين يزداد اكتشافك لشخصيتهم في المواقف، وفي الفتن، وفي المآسي الحاسمة.

كلنا يعرف ذاك الرجل التقي، النقي، الحيي، إنه عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، ثالث الخلفاء الراشدين، ونعرف ماذا حدث في تاريخه، ونحن عندما نتكلم عن الصحابة، فإننا نتكلم عن بشر غير معصومين، فكون عثمان ثالث الخلفاء الراشدين، إلا أنه مر في حياته بتطور منوع، وصل إلى مرحلة الفتنة، والقتل!!

وهنا أحب أن أقف وقفة قصيرة لفت الانتباه إليها عباس محمود العقاد كشأنه دائماً.

فالمعروف أن عثمان كان هادئ الطبع مسالماً، إلا أن العقاد يقول: إن الشخصية، وقوتها ﻻ تكمن في الطباع، وإنما تكمن في القرارات! بمعنى: أن عثمان اتخذ قرارات حاسمة، جفل عنها، واحتاط لها كثيراً الخلفاءُ من قبله، كغزو البحر، فعثمان هو الذي فتح هذا المجال، وتحمل ما يقال عنه عندما وحّد المسلمين على مصحف واحد، مما استدعى ذلك إلى حرق النسخ الأخرى، حتى ﻻ يتشتت الناس.

لكنه في قضية الطباع: كان هادئاً مسالماً، وكان يُغلِّب التدين على الحق الشخصي له، وهذا ما دفعه إلى منع الصحابة من حمل السيف في أيام محنته، وفتنته، عندما حوصر يوم الدار كما جاء في التاريخ.

علي بن أبي طالب رضي الله عنه، كان مخلصاً للخلافة الراشدة، وللخلفاء الراشدين قبله، بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

ألا يكفيه أنه زوّج ابنته أم كلثوم من الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه؟ وأنجب منها زيداً، ورقية، وزيد هذا ذهب ليصلح بين أفراد من قبيلة عدي بن كعب حدثت بينهم مشاجرة، فتدخل في الصلح، فشُج رأسه، فمات، فسمعت أمه أم كلثوم بذلك، فماتت من شدة الهم، والحزن، فدفنت مع ولدها.

هذا الإخلاص، وهذا التقارب، وهذا التداخل، ومثله كثير، جعل علي بن أبي طالب يقول لعثمان يوم أن حوصر: إن معي خمسمائة دارع، فأْذَن لي فأمنعك من القوم، فإنك لم تحدث شيئاً يستحل به دمك، كما روى ذلك ابن عساكر في تاريخ دمشق.

فقال عثمان: جزيت خيراً، ما أحب أن يهراق دم في سببي!!

ولما منعوا عنه الماء، بعث علي بن أبي طالب، وكاد أهل عثمان يموتون من شدة العطش، فبعث إليهم علي بن أبي طالب بثلاث قِرب، حتى وصلت بعُسر

وكان على باب عثمان بن عفان، الحسن، والحسين، وعبد الله بن الزبير، ومجموعة من أبناء الصحابة، الذين جاءوا لمنع الفتنة، إلى أن بلغ الأمر ما بلغ.

ويروى أنه لما كثر الطعن على عثمان، تنحى علي إلى ماله بينبع، فكتب إليه عثمان: أما بعد، فقد بلغ الحزام الطبيين، وخلف السيل الزبى، وبلغ الأمر فوق قدره، وطمع في الأمر من لا يدفع عن نفسه، ثم أنشأ يقول:

فإن كنت مأكولاً فكن خير آكل * وإلا فأدركني ولما أمزق

وقتل عثمان رضي الله عنه تلك القتلة البشعة، فلما بلغ الخبر علي بن أبي طالب اشتاط غضباً، وخرج، فزجر بالكلام كل من كان واقفاً على باب عثمان من الصحابة، وثبت أن الحسن بن علي رضي الله عنه جرح جرحاً خفيقاً.

وكان علي يقول: إني أبرأ إليك من دم عثمان. ويرفع بذلك صوته.

وفي رواية: اللهم إني لم أرضَ، ولم أمالئ. أي لم أعاون.

نلاحظ أن علياً رضي الله عنه التزم في هذا الفتنة بأوامر عثمان، وكان رضي الله عنه مستعداً في غاية الأهبة، للحصول على إشارة من أجل الدفاع عنه، ومنع ما سوف يقع، لكن ذلك لم يكن.

ولما سئل علي رضي الله عنه عما فعله عثمان من حرق المصاحف، وجمعها على مصحف واحد، قال: رحم الله عثمان، لقد صنع في المصاحف شيئاً لو وليت الذي ولي قبل أن يفعل في المصاحف ما فعل، لفعلتُ كما فعل.

هكذا هي المراجل، وهكذا هي الشيم، وهكذا هي معادن الرجال، تظهر أيام المحن، فإن لم تظهر عند علي، فعند من تظهر؟!!

ودعونا نتكلم عن حدث يندر في التاريخ أن يتشكل بتلك الصورة الثقافية المتراكبة، التي تفضي إلى نتيجة خطيرة، من حيث وصية القتيل بالقاتل.

فنحن نعلم أن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قتل غدراً على يد أحد الخوارج، ومن المهم معرفته في هذا الموضوع، أن نعلم أن علي بن أبي طالب مر في معالجته للخوارج بعدة خطوات:

الخطوة الأولى: تفكيك خطاب الخوارج من الداخل، بهدم شبهاتهم، ومحاورتهم بالعلم، عندما بعث إليهم عبد الله        بن عباس، فناقشهم، وأقام عليهم الحجة، فرجع معه بضعة آلاف.

الخطوة الثانية: قال للخوارج: إن لكم علينا ثلاثة: أن لا نمنعكم من المساجد، ولا من رزقكم من الفيء، ولا نبدؤكم بقتال، ما لم تحدثوا فساداً.

الخطوة الثالثة: من قبل منهم المجيء، والدخول مع الجماعة، فالباب مفتوح.

إذن فتح باب القبول للتائبين، وحاور المتطرفين، وسالَم الذين يقبلون التعايش،

ومع ذلك يأتي عبد الرحمن بن ملجم، المجرم الكبير، ويرى أن قتل علي بن أبي طالب من الدين!! نعوذ بالله من الخذلان.

ولكن من يصل إلى علي رضي الله عنه؟

ذهب ابن ملجم إلى الكوفة، والتقى قطام ابنة الشجنة، وكانت من تيم الرباب، وقد قتل أبوها وأخوها يوم النهروان في قتال علي بن أبي طالب مع الخوارج، وكانت امرأة جميلة، خلابة، ساحرة، وكانت عابدة!!

مشكلة الخوارج ليست في العبادة، وﻻ في الصدق، وإنما في الوعي، والسلوك! وكم من صادق دمر نفسه، ومجتمعه، وأمته؟!

لأنه لا وعي، ولا فهم، بل جهل، وعدم تقدير للمصالح، وإذا غاب الوعي، حلت الدواهي.

فلما رآها أخذت بلُبّه، وملكت عليه قلبه، ونسى حاجته التي جاء لها، ثم خطبها، فقالت: لا أتزوجك حتى تشفي لي، قال: وما يشفيكِ؟ قالت: ثلاثة آلاف، وعبد، وقينة، وقتل علي بن أبي طالب!! فقال: هو مهر لك، فوالله ما جاء بي إلى هذا المصر إلا قتل علي، فلك ما سألتِ.

وأتى ابنُ ملجم رجلاً من أشجع، يقال له: شبيب بن بجرة، فقال له: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال: وما ذاك؟ قال: قتل علي بن أبي طالب!!

فقال له: ثكلتك أمك، لقد جئت شيئاً إدًّا، كيف تقدر على علي؟

فقال: أكمن له في المسجد، فإذا خرج لصلاة الغداة، شددنا عليه فقتلناه، فإن نجونا شفينا أنفسنا، وأدركنا ثأرنا، وإن قُتلنا فما عند الله خير من الدنيا وما فيها.

فوافقه على ذلك، وبئست الموافقة، فأخذوا أسيافهم، وجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي – أي لصلاة الفجر -، فلما خرج ضربه شبيب بالسيف، فوقع سيفه بعضادة الباب، أو الطاق، وضربه ابن ملجم في قرنه بالسيف.

يقول محمد ابن الحنفية: كنت والله أصلي تلك الليلة التي ضرب فيها علي في المسجد الأعظم في رجال كثير من أهل المصر، يصلون قريبا من السدة، ما هم إلا قيام وركوع وسجود، إذ خرج علي لصلاة الغداة، فجعل ينادي: أيها الناس الصلاة الصلاة، فما أدري أخرج من السدة، فتكلم بهذه الكلمات أم لا، فنظرت إلى بريق، وسمعت: الحكم لله يا علي لا لك، ولا لأصحابك، فرأيت سيفاً، ثم رأيت ثانياً، ثم سمعت علياً يقول: لا يفوتنكم الرجل، وشد الناس عليه من كل جانب، قال: فلم أبرح حتى أُخذ ابن ملجم ،وأُدخل على علي.

فقال له: أي عدو الله، ألم أحسن إليك؟

قال: بلى!!

فقال: ما حملك على هذا؟!

فقال ابن ملجم: شحذته أربعين صباحاً، وسألتُ الله أن يقتل به شر خلقه!

وفي رواية: أن أم كلثوم بنت علي أخذت تبكي، وتقول: أي عدو الله، لا بأس على أبي، والله مخزيك.

فقال ابن ملجم: فعلى من تبكين؟ والله لقد اشتريتُه بألف، وسممتُه بألف، ولو كانت هذه الضربة على جميع أهل المصر ما بقي منهم أحد!!

فقال علي: النفس بالنفس، أنا إن متُّ فاقتلوه كما قتلني، وإن بقيتُ رأيتُ فيه رأيي، أحسنوا آثاره.

وفي رواية: فإن متُّ، فضربة بضربة، وﻻ تزيدوا، ثم قال: وإياكم، والمثلة، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إياكم والمثلة، ولو بالكلب العقور.

لو وقع ذلك لحاكم من حكام زماننا، وفي أي دولة، لكان أخذ القاتل، وقبيلته، ومن يحوم حوله الاسم، وأباد الجميع!!

ثم شيء آخر في نص الإمام علي، حيث قال: النفس بالنفس، أي القصاص، ومعنى ذلك، كما يقول شيخ الإسلام في كتابه شرح السنة النبوية، أن علياً رضي الله عنه لم يحكم عليه بالكفر، لأن قتل الكافر لا يسمى قصاصاً، وإنما ردة، فهو مسلم متطرف، مجرم، لكنن ليس بكافر، فلم ينطلق في حكمه عليه من ردة الفعل، لأن لديه معايير مستقلة عن الواقع، وضوابط شرعية يقيس بها الأمور، وهذا ما نريد أن نعلمه للناس، فالفوضى، والقتل، والدمار العالمي، لا يجعلني أنطلق من منطق اليأس، ثم أصدر أحكاماً جديدة، واجتهادات بوسائل جديدة، كما هو الحال عند الميكافيليين الأوروبيين الذين يقولون: الغاية تبرر الوسيلة، أما نحن الشرعيون فنقول: الغاية تقرر الوسيلة.

فقد تعلمنا من الإمام علي بن أبي طالب الحكم الشرعي في مثل هذه الواقعة، وكيف نتعامل مع القاتل؟ فلا نطبق ردة الفعل، ولا ننتقم لأشخاصنا، بل نرجع إلى معايير مستقلة، ونكون رحماء حتى في القتل، ضربة بضربة، بلا تمثيل  .

هل قرأتم في التاريخ الإنساني منذ فجره إلى اليوم مثل: أخلاق، وكرامة، وعلم الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأخلاق سائر الصحابة الكرام؟

مشكلة الثقافة العامة عند كثير من الناس أنها ثقافة سماعية، وأنها لا تنطلق من حقائق مؤكدة، وإنما تنطلق من انطباعات عامة، وفرق أن تعتمد على معلومات، وعلى انطباعات، فالمعلومات فيها منهجية معينة، ليس هذا محل تفصيلها، لا توجد في الانطباعات.

ولتوضيح هذه النقطة، أذكر هذا المثال الذي وقع لي، فقد سألني إحدى الفتيات، قائلة: لماذا ليس لا يوجد حضور للإمام علي بن أبي طالب، ومروياته، وحياته، في كتب السنة، وفي كتب الحديث، وفي كتب أهل الأثر؟

فقلت لها: ومن قال هذا الكلام؟

وهنا يظهر الفرق جليًّا بين الانطباعات، وبين المعلومات.

فقلت: لو أخذنا أحاديث الخلفاء الأربعة في كتب السنة المشهورة، كالبخاري، ومسلم، وأبي داوود، والترمذي، وابن ماجه، ومسند الإمام أحمد، وسنن الدارمي، وموطأ الإمام مالك، لوجدنا بالحسبة الرياضية، والقسمة النهائية، أن أحاديث علي بن أبي طالب وحده، ضعف أحاديث أبي بكر، وعمر، وعثمان، مجتمعة في كتب السنة!!

فمثلاً: في مسند الإمام  أحمد بن حنبل:

أبو بكر له 44 حديثاً.

عمر بن الخطاب له 164 حديثاً.

عثمان بن عفان له 72 حديثاً.

علي بن أبي طالب له 333 حديثاً!!

وإجمالي أحاديث الخلفاء الأربعة في هذه الكتب:

أبو بكر الصديق 109 حديثاً.

عمر بن الخطاب 518 حديثاً.

عثمان بن عفان 147 حديثاً.

علي بن أبي طالب 689 حديثاً.

فمجموع أحاديث علي بن أبي طالب وحده، ضعف الثلاثة مجتمعين!!

هذا مثال واحد فقط لكي ننطلق في ثقافتنا من المعلومات، وليس من الانطباعات، وقضية التاريخ فيها اضطراب كثير، وفيها معاني تحتاج إلى مراجعة.

ومن المثلة كذلك على أخذ الحكام من الانطباعات والدعايات، وليس من المعلومات الصحيحة، ما صرحت به الدكتورة فاطمة المرنيسي في كتابها: السلطانات، من أن علي بن أبي طالب يلغي العوام، ويحقر الناس، وإلخ   …

أقول: أين كلام علي بن أبي طالب الذي حقّر فيها الناس؟

تقول: هو يصف الناس بأنهم: همج، رعاع، أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن ركين.

أقول: هذا الكلام لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه قاله لكميل بن زياد، بعد أن أخذ بيده، فقال له: يا كميل بن زياد، القلوب أوعية، فخيرها أوعاها، احفظ ما أقول لك: الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج، رعاع، أتباع كل ناعق.

فهذا كلام الإمام علي، حيث قسم الناس ثلاثة أقسام: عالم، ومتعلم.

أما البقية من الناس فتخضع للدعاية، والإعلان، والغوغاء، وهذا الكلام لا يقوله علي بن أبي طالب فحسب، بل يقوله الإعلام الغربي، وينطلقون من خلاله!!

وأقول لها: اقرئي كتاب هيمنة الإعلام، والإنجازات المذهلة للدعاية، لنعومي تشومسكي، الأمريكي المعروف، وكيف أن الإعلام الأمريكي جعل الشعب اﻻمريكي يتحول في الحرب العالمية الأولى من مسالم، مطالب بالمهادنة، إلى شعب هستيري، مطالب بالحرب، والدمار، كل ذلك خلال ستة أشهر فقط!!

قلب للقناعات رأساً على عقب.

كذلك: ثلثا الأستراليين كانوا يرون أنهم خدعوا في شأن الحرب العراقية، والإنجليز يقولون ذلك أيضاً، وكذلك الأمريكان!!

كل ذلك سببه الدعاية والإعلام.

ولو كان العقل الواعي هو الذي يحرك الناس حقيقة، لما كان هناك دعاية، ولا إعلان، ولما كان أكثر الناس يلهثون وراء ثقافة الصورة العارية، أكثر من سعيهم وراء الكتاب الجيد.

قال تعالى:{وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله}[الانعام/116].

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى