بيني وبينكم 2005

بينى وبينكم 2005 الحلقة الثلاثون العلاقات الاسرية

العلاقات الأسرية

العلاقات الأسرية معنى من المعاني الاجتماعية التي تمسنا على مدار الساعة، لا سيما في مواسم الأفراح، ومواسم الأعياد، فكلنا بشر، وبما أننا بشر فنحن نعيش وسط آخرين، إذن لا بد من علاقات بدءً بالبيت، إلى الجيران، إلى الانتماء العائلي الواسع، سواء أكانت عائلة أو قبيلة، إلى علاقات المصالح التي تربطك بالآخرين، سواء أكانت عملًا، أو تجارة، أو حلًّا، أو ترحالًا، أو قضاء لحاجات، إذن أنت إنسان لا تنفك عن أخيك الإنسان.

وبما أننا بشر، فلنا حياتنا، ولنا خصائصنا الشخصية، لأن كل إنسان من بيئة، فالخطأ وارد إذن من الجميع، لعدم معصومية هذا الإنسان، وما ينبني على الخطأ وارد أيضاً؛ إلا أن المطلوب هو كيفية التعامل مع الخطأ بين الناس.

وكلامي ليس عن الأخطاء السياسية الضخمة، وإنما عن الأخطاء في العلاقات الاجتماعية في بيوتنا، ومع أهلنا، وأرحامنا، وجيراننا، وفي علاقاتنا العامة، ووظائفنا، ومدارسنا، وغيرها، حيث أنها أصبحت متقطعة، وشبه رسمية، بل هي بالمقابل وبالمثل! والذي يُحزن المرء أن تتقطع أواصل الرحم، والمحبة، والتعارف، والتآلف، والتكاتف، لأسباب تافهة، أو لأسباب لا تستدعي كل هذا الشرخ الاجتماعي، وإفساد ذات البين، فلا يعقل أبدًا، ولا يقبل شرعًا ولا عرفًا أن يقول الأب لأبنائه: إياكم أن يذهب أحدكم لبيت خالاتكم، وإلا فهو ليس ابني ولا أعرفه!! ما هذا المنطق الأعوج؟! فإذا كنتَ أيها الأب على خلاف مع زوج خالتهم، فما دخل الأبناء في ذلك؟ لماذا تضع الأبناء في موقف حرج نفسياً، وتناقض اجتماعي؟

لا شك أنه خطأ تربوي، وخطأ اجتماعي، وهو قبل ذلك خطأ ديني، فمثل هذا الأب يأمر بالقطيعة، ويؤسس للتوتر النفسي، والمعايير المنحرفة في نفوس هذا الجيل، بل إنه يعطي عن نفسه لأبنائه وللمحيط القريب منه صورة سلبية عن شخصيته بأنه غير ناضج، وبما أنه غير ناضج انفعالياً، فإن قراراته تصبح هوجاء! فلماذا كل ذلك؟ وما الحكمة منه؟!

ومن هنا فلا بد من التنازل قليلاً، والتغاضي عن بعض الأخطاء والتصرفات، حتى يبقى التواصل الإيجابي موجودًا، وهذا ينطلق من تصور مفهوم التدين والتعبد المنحصر في قضية العبادات الشخصية، إلى العبادات الاجتماعية.

ومن جميل ما يذكر في هذا المقام أن الشيخ حسن أيوب رحمه الله تعالى ألّف كتابًا بعنوان: “السلوك الاجتماعي في الإسلام”، وكان من ضمنه  فصل تحت عنوان: “المجتمع محراب التعبد”، فكما أن المسجد محراب العبادة، فلا بد أن يتحول المجتمع إلى محراب للتعبد، وأحد أعمدة هذه المحاريب هو الصلح بين الناس، وأولى الناس بالصلح هم الأرحام، وأولى الأرحام بذلك هم الدائرة الضيقة من الأب، والأم، والأخ، والأخت، والجد، والجدة، والعم، والعمة، والخال، والخالة، وما إلى ذلك.

تعالوا بنا نتعلم عبادة الإصلاح الاجتماعي، وترميم ما فسد بين الأرحام، وتحجيم أي شخصية تحاول ضرب إسفين الخلاف بينهم، وتدق وتد الافتراق أكثر فأكثر.

ولنبدأ بالقرآن الكريم:

حيث يقول ربنا تبارك وتعالى مخاطبًا الجميع: {لا خير في كثير من نجواهم}، أي أسرارهم، ومحادثاتهم الخفية، {إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس}، فالإصلاح بين الناس مستثنى من هذه النجوى المذمومة، ولذلك كن أيها الموفق مع العناصر الإيجابية في المجتمع التي تخفف من التوترات، وتقرب المسافات بين القلوب.

ومن الآيات كذلك: قول ربنا تبارك وتعالى: {والصلح خير}، وقوله عز من قائل: {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم}، وقوله: {إنما المؤمنون أخوة فأصلحوا بين أخويكم}، إلى غيرها من الآيات الكثيرة.

أما السنة النبوية:

فهي مليئة بالأحاديث الدالة على هذا الأمر، فمن ذلك:

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((كل سُلامي من الناس عليه صدقة))، والسُلامى هي المفاصل، فكل مفصل من مفاصلك عليه صدقة، ثم يفصل النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: ((كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة))، تصور كيف انتقل النبي صلى الله عليه وسلم بالصدقة من المفهوم المادي التقليدي المحسوس المتعارف عليه، إلى معنى اجتماعي غائب عن أذهان الكثيرين، فكل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين، أي تُصلح بين اثنين، لك بها صدقة، ثم قال عليه الصلاة والسلام: ((وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة))، فكل هذه الأمور تعتبر صدقة من الصدقات، وإن كان كثير من الناس لا يلتفت إليها.

كذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ليس الكاذب الذي يُصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيراً))، فالذي يخفف درجة الحدة في الصراع بين المتخاصمين، ويلطف الأجواء بينهم، ولو كان بالكذب، فإن هذا النوع من التلطيف في سبيل مصلحة أكبر، وفي سبيل ترميم العلاقة الأخوية بين الناس، لا يسميه النبي صلى الله عليه وسلم  كذبًا، لأن فاعل ذلك يقوم بعملية خير، فلا يكذب لأجل الكذب، ولكن لهذه المصلحة الشرعية الكبرى.

كذلك جاء في الحديث الصحيح أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم، ويقطعوني، وأحسن إليهم، ويسيئون إلي، وأحلم عنهم، ويجهلون علي))، أي أنهم قرابة سفيهة في الحقيقة، فماذا أفعل؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((لئن كنت كما قلت – أي إذا كان هذا كما تقول حقيقة في -، فكأنما تُسِفُّهم المَلّ، أي كأنك تضع الرماد الحار في أفواههم، إشارة إلى الإثم أو إلى التبكيت- ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك))، أي أنك منصور من الله ما دمت على خصائصك هذه، وتحملك في سبيل القرابة، هذا هو النموذج القوي؛ لذلك هناك شيء اسمه لذة الصبر على الإيذاء، فالكثير من الناس تعودوا على أن اللذة تكون في الأخذ فقط!! إلا أن اللذة تكون في الإعطاء كذلك، والبعض يتصور أن اللذة في الانتقام، وإنما اللذة الحقيقية في المسامحة، وفي الصبر والتصبر، لأنك تريد لهم الخير، وتريد لهم الصلاح، وإن كانوا هم لا يلتفتون إلى ذلك، فاحتسب أنت الأجر من الله عز وجل، فالمسامحة فضل، وعبادة، وانتصار على أنانية النفس، وتحقيق الذات، وإذا أردنا أن نأخذ مثالاً على التسامح، والعفو، والتنازل عن حق الذات، وحظ النفس، في مقابل الغير الذي جاء منه الأذى بكل أصنافه، فلن نجد أعظم من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي وقف في لحظة انتصار تاريخية، وأمامه الأعداء الذين حاربوه في مكة يوم الفتح، فقال كلمته الخالدة التي سُطرت على جبين الدهر بحروف من نور: ((اذهبوا، فأنتم الطلقاء))، هذه هي المسامحة الكبرى.

واسمحوا لي أن أضرب لكم مثلين تاريخيين: أحدهما من القرن الثامن الهجري، ذكره الإمام ابن القيم في كتابه: “مدارج السالكين”، عن شيخه ابن تيمية، عندما تحدث عن تنازل الإنسان عن حقه، وعدم إشعار الآخرين بالحرج، حيث يقول: وما رأيت أحداً قط أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيمية، وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه! أي ليتني أتعامل مع أصحابي كتعامل شيخ الإسلام مع خصومه؛ لأن الخصومة شيء، والمعاملة بالحسنى شيء آخر، فأنا قد أختلف معك، لكنني لا أسلبك حقوقك، بل أتعامل معك كإنسان.

ثم قال: وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم، وجئت يوماً مبشراً له بموت أكبر أعدائه، وأشدهم عداوة وأذى له، فنهرني وتنكر لي، واسترجع!! ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزّاهم، وقال: إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه، ونحو هذا من الكلام، فسروا به، ودعوا له، وعظموا هذا الحال منه. فرحمة الله عليه من إمام عظيم، هذه هو المثال الأول.

أما المثال الثاني: فيرويه الإمام أبو حامد الغزالي في كتاب: “الإحياء” فيقول: قال ابن قتيبة: مر بي بشر بن عبد الله بن أبي بكرة، فقال: ما يجلسك ههنا؟ قلت: خصومة بيني وبين ابن عم لي. فقال: إن لأبيك عندي يداً، وإني أريد أن أجزيك بها، وإني والله ما رأيت شيئاً أذهب للدين، ولا أنقص للمروءة، ولا أضيع للذة، ولا أشغل للقلب، من الخصومة. قال: فقمت لأنصرف، فقال لي خصمي: مالك؟ قلت: لا أخاصمك. قال: إنك عرفت أن الحق لي. قلت: لا، ولكن أكرم نفسي عن هذا. قال: فإني لا أطلب منك شيئاً هو لك.

هكذا يكون التنازل، وتكون القوة، فدعونا نحقق عبودية الصلح مع الله تعالى، وعبودية الصلح مع الأهل، والجيران، والمعارف، بل والناس أجمعين.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى