بيني وبينكم 2005

بينى وبينكم 2005 الحلقة السابعة العمالة الوافدة ج 1

العمالة الوافدة ج1

ظُلم الإنسان لأخيه الإنسان يعني اعتداء الظالم على المظلوم في نفسه، أو عرضه، أو ماله، فإذا قتله يكون قد ظلمه، وإذا هتك عرضه يكون قد ظلمه، وإذا سلب ماله يكون قد ظلمه.

وصور الظلم، وطرائق الظالمين، تتعدد، وتتنوع، والإنسان الظالم يصنع في حياته ما يحقق به مصالحه الشخصية على حساب إنسانية الناس، وحقوقهم، وكرامتهم، وأرواحهم، فالذي يُفسد امرأة على زوجها، ظالم، والذي يستغل حاجة إنسان لقوت عياله، ويجعله يتنازل عن حقه، ظالم، والذي يعين آخر بتأكيد تهمة على إنسان بريء، ظالم، والذي يحاول الضغط على الآخرين للتنازل عن حقوقهم، أو للسكوت عن ظلم وقع عليهم، من خلال موقعه السياسي، أو الاجتماعي، أو الاقتصادي، ظالم، فالظلم أنواع، وأشكال، وكلمة الظلم كلمة بغيضة إلى النفوس، مكروهة عند كل المجتمعات، تأباها الفطرة السليمة، وتجتمع الأمم على دفعها، لذلكم يجب علينا أن نتفق ونجتمع على هذا المعنى، وهذا ما علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين شهد في الجاهلية قبل الإسلام، حلفًا يسمّى حلف الفضول، أو حلف المطيبين، حيث تعاقدت وتعاهدت قبائل العرب على نصرة المظلوم وردع الظالم، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم تأكيدًا على العمل بمثل هذا الحلف، والمشاركة فيه: (لو دعيت لمثله في الإسلام لأجبت)، ونحن كذلك يجب أن ندعو إلى حلف فضول عالمي، يجمع الناس الذين يشتركون في قيم، وثوابت، وإنسانيات، ضد طوفان المادية، والقهر العالمي.

مع بداية إحدى الإجازات الصيفية خطبت خطبة الجمعة في منطقة الوفرة، وهي منطقة حدودية زراعية، وكونها منطقة زراعية فإنه يكثر فيها العمّال، والمزارعين، والحراس، والباعة، والفقراء، وفي المقابل هناك أصحاب المزارع، والملاك، والتجار، الذين يذهبون إلى تلك المنطقة للراحة، والاستجمام، وتغيير الجو، وكسر روتين الحياة، والعمل، فكان المسجد غاصًّا بالعمالة الوافدة الفقيرة، وبين تلك الكثرة الكاثرة هناك وزير، ورئيس دار استثمار كبير، ورئيس مؤسسة تعليمية ضخمة، إن وعضو مجلس بلدي، أو عضو مجلس أمة، ففي المسجد تختفي الطبقية، وتزول المكانة التي يُقدم الإنسان لأجلها، فالتقديم لمن سبق؛ والناس لا يلتفتون إلى الوراء، بل نظرهم إلى الأمام، إلى القبلة، إلى المحراب، إلى المنبر، الكل على الأرض، الغني قبل الفقير، بل الأغنياء محاصرون بالفقراء بملابسهم المتواضعة، ومكانتهم المتواضعة، فكانت الخطبة عن العمال، وحقوقهم، وبيّنت أن هناك جُرمًا يقع على هؤلاء باستغلال ضعفهم، أو بعدم إعطائهم حقوقهم، وأحياناً يكون ذلك عن عدم قصد، لعدم فهم هؤلاء لحالة هذا الإنسان الضعيف، فيُكلّف ما لا يطيق، ويُكلّف ما لا يكون داخلاً في العقد الذي أتى من أجله، ومن هنا نبتت المشاكل، وكبرت وترعرعت، فكيف إذا كان هذا الظلم والاعتداء مقنناً؟ وكان القصد السيء مبيتاً، مع سبق الإصرار والترصد؟ من قِبل بعض الناس الذين سيطر عليهم الجشع، وتوارت الإنسانية من نفوسهم، ولم يبقَ لهم شيء من  كرامة، بأن سمحوا لأنفسهم أن يعيشوا على دماء الفقراء، وعرقهم، وفقرهم، هؤلاء الذين تركوا بلادهم، وأولادهم، وباعوا كل ما يملكونه في هذه الحياة من أجل أن يأتوا هنا ليعيشوا حياة كريمة، يؤمنون فيها مستقبلهم ومستقبل عائلاتهم التي تركوها خلفهم، فيجدون ذئابًا بشرية تتستر في جلد آدمي، تتلاعب وتحتال من أجل قهر هؤلاء المساكين والمعدمين، فتتشوه صورة المجتمع، ويقع التخريب، وتحدث المآسي.

إلا أن العجيب في الأمر أن البعض اتهمنا بأننا نحن الذين نشوه صورة البلد! بل وجاء بعضهم ناصحًا ومحذرًا من ذلك! والسبب أنني عرضت في أحد برامجي مشاهد مقززة، ومؤلمة، ولا إنسانية، لحالات وقفت عليها شخصيًّا، يندى لها جبين الحر، والإنسان، مسلمًا كان أو غير مسلم، لنرى إلى أي مدى وصل الأمر بالبعض، في خلوه من الرحمة، والعاطفة، بل والإنسانية أصلاً، ثم بعد ذلك نعلم من الذي شوّه صورة البلد؟ وما هو المقصود من مفهوم التشويه؟ وكيف نعدل من موقفنا تجاه الخطأ أياً كان مصدره؟ وكيف نلقي عليه الضوء؟ ونقدم العدالة لأي شخص كان.

فمن تلك الحالات والمشاهد التي وقفت: مجموعة كبيرة من العمالة الوافدة تسكن في شقة صغيرة للغاية، مكدّسين فوق بعضهم بطريقة بشعة، مفتقرين إلى أدنى وسائل الصحة، والنظافة!! كل ذلك يحدث أين؟ في بلد قد أنعم الله عليها، وفي بلد قانون، فهل الذي يُسلط الضوء على الجريمة، وعلى الذين يتاجرون بضمائر الناس، وبحاجاتهم، والذين يستغلون ضعف المستضعفين، والمثقلين بالهموم، والديون، والذين باعوا ما وراءهم وما دونهم من أجل لقمة عيش، هو الذي يشوه البلد؟! أما ذاك المجرم الذي يتلاعب بضعف الناس، ويقتات على مصائبهم، فيترك، ولا يلحقه أدنى أذى، أو مساءلة؟!!

ومن المآسي التي وقفت عليها، واعتصر فؤادي لها ألمًا وغيظًا: ذاك المسكين التي أتى به كفيله ليعمل حارسًا لمخيمه، حتى إذا انتهت المهمة، وأزيل المخيم، ترك هذا الكفيل ذاك العامل المسكين بلا مأوى، ولا طعام، ولا شراب، يبيت في العراء، يفترش الأرض، ويلتحف السماء، أي قلوب تلك؟ أين الرحمة؟ أين العاطفة؟ بل أين الإنسانية؟!! إلى هذه الدرجة يتاجر هؤلاء بالبشر، وبالآدميين، وبالمخلوقين؟! بل بعد كل ذلك إن تكلم مخلص عن مثل هذه الفظاعات والشناعات، يأتيك متفلسف ليقول: إنكم تشوهون صورة البلد!! فأين هؤلاء جميعًا من قول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجراً ففجوره على نفسه)، بمعنى أن قضية المظلومية لا علاقة لها بصلاح، أو فساد، فلا يجوز أن تظلم الإنسان، فاسدًا كان أو غير فاسد، مؤمنًا كان أو كافرًا، أو ملحدًا، أو زنديقًا، لأن العدالة فوق كل انتماء، وفوق كل خطأ، بمعنى: أن خلافك مع إنسان ما، وموقفك النفسي منه، ورؤيتك التشاؤمية له، ونظريتك المعرفية تجاهه، وتجاه قومه، لا دخل لكل ذلك في إعطائه حقه، كما انتصر عمر بن الخطاب رضي الله عنه للغلام القبطي من ابن أمير مصر، وقال قولته الشهيرة: متى استعبدتم النساء، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟ فهذه دعوة للعدالة مع الجميع، فالإنسانية لا تتجزأ، والعدالة لا تتوزع، بل هي المظلة العامة التي يريدها الله سبحانه وتعالى لكل عباده، وإن كان كافراً، فكفره على نفسه، هذا مبدأ تعليمي إنساني نبوي، يجب أن يُخط بماء من ذهب، على صفحات من نور، ويُنقش على الصدور والجباه.

نحن نتكلم عن أخطاء موجودة، ومظالم، والظلم لا يُسكت عنه، بل يجب أن يُحجم، ويُوقف على أسبابه من أجل أن نرقى بإنسانيتنا، ونحقق عدالتنا، وهذا الذي نتحدث عنه، ونحذر منه، هو السبب فيما نقرأه في الصحف عن قضية احتجاج السفارات، ولجوء بعض هؤلاء المظلومين إلى سفارات دولهم، وما رأيناه من إضرابات عامة في مؤسسات، وشركات، وما رأيناه من أعمال شغب، وتكسير، وتخريب، وهذه الأمور وإن كنا نقرها، بل نعلن رفضنا لها جملة وتفصيلاً، لأنها لا تقدم ولا تأخر في حل المشكلة، إلا أنها دليل واضح وصريح على مدى الألم، والضيق، والمعاناة التي بلغت بهؤلاء، إلى الحد الذي لم يعودوا يحتملونه أبدًا.

إذن لا بد من تصحيح المسير، فالقرارات موجودة، والقوانين ثابتة، ولكن العبرة في تفعيل هذه القوانين، وتطبيقها على أرض الواقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى