بيني وبينكم 2005

بينى وبينكم 2005 الحلقة السادسة مصيدة الشباب ج 3

مصيدة الشباب

حينما أمسكتُ القلم، وقررتُ الحديث في هذا الموضوع، دارت في مخيلتي أفكار كثيرة، وتقافزت أمامي عناوين شتى، كي أنطلق من خلالها في معالجة هذه الظاهرة الخطيرة التي باتت تهدد المجتمع، والأسرة، بل والأفراد!!

إلا أنني ركنتُ في نهاية المطاف إلى تسميته بـ: (مصيدة الشباب)!

فحديثي عن الشباب، وما أدراك ما الشباب؟ ﻻ سيما الشباب هذه الأيام!!

ما الذي يحاك ضدهم؟! وما هي التفاعلات السلبية المؤثرة في حياتهم؟! ولماذا التركيز على هذه النوعية ما أفراد المجتمع دون غيرهم؟!

أتحدث عن الشباب، ونحن نعيش اليوم ذلك التفاعل الثقافي، الاجتماعي، الفضائي، اليومي، الآني، المستمر، والمؤثر جداًّ…

أتحدث عن الشباب، ولا يغيب عن بالي أن الدراسات العلمية، والتربوية، والثقافية أثبتت أن هذا الشباب له خصائص عامة كثيرة جداً، إلا أن من أهم تلك الخصائص، والتي يجب أن نكون على علم بها:

  1. سرعة إصدار الأحكام: فالمشاهد أن الشباب يتخذون مواقف بصورة سريعة، ويبنون عليها سلوكاً، وإجراءات!

فمثلاً: بمجرد أن يختلف الشاب مع والده، يقول: إن والدي لا يحبني!!!

من قال لك ذلك؟!! ولماذا هذا التسرع في اتخاذ القرار؟!

إن أباك ناصح لك، وهو عندما يمنعك من شيء ما، فلأنه يريد لك الخير، لا أكثر….

كذلك: نسمع كثيراً من الشباب من يقول: إن المدرس ضدّي!!

لماذا يكون المدرس ضدك؟!

إن المدرس لديه معايير، يقرر على أساسها، ويحكم منخلالها، فغيابك، وكلامك أثناء الشرح، وعدم حلّك للواجبات، والغش، وغير ذلك، كل هذا خطأ، لا ينبغي لك الإتيان به، أما أنت فإنه أصبح ضدّك لأنه ضد بعض شهواتك، ورغباتك!! فهو لا يتحداك، وإنما لديه قانون، لا بد أن يسير عليه، ويلتزم به مع سائر الطلبة، وإلا ضاعت هيبة المعلم، وفشلت العملية التربوية!

إن أمثال هذه النوعية من الشباب عندما يتخذ هذه القرارات، فإنه لا يستمع للآخرين، فيخدع، ويسيء الظن، إما في العائلة، أو في القانون، أو في العلاقات العامة.

  1. سرعة اﻻنفعال: فتجده يغضب بسرعة، ولأتفه الأسباب، وقد يترك البيت، وينام عند أحد أصدقائه!! لماذا كل ذلك؟!! لأنه انفعل، فاختلّ في اتخاذ القرار.
  2. اللامباﻻة: فهو إنسان غير مُبالٍ، لا بقانون دولة، ولا بنظام مدرسة، ولا بمنظومة القيم الأسرية، واحترام الوالدين!! فيصبح (خارجياً) بالمفهوم الاجتماعي.
  3. عدم تقدير النتائج: فهو غير قادر على فهم كثير من الأمور، أو تقدير المصالح النهائية، والمفاسد النهائية، فقد ينتج عن أفعاله نتائج مهلكة تحرجه، وتحرج والديه، وأسرته.

ولذلك أقول: أيها الشباب؛ نحن لكم ناصحون، وعليكم خائفون، ولصلاحكم محبون، فلا بد أن:

  • نتعاون …..
  • أن نجمع ذاتنا ….
  • أن نرى مستقبلنا …..
  • أن نبني أنفسنا ……

أنطلق من ذلك كله من قول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة)، والناصح هو المحب.

ومن قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: (لا خير في قوم ليسوا بناصحين، ولا خير في قوم لا يحبون الناصحين).

فالذي ينصحني، هو في الحقيقة يهديني للصواب، ويبصرني بالحقيقة، ويزيل عن عيني الغشاوة، لا سيما إن كان من المحبين، أو كان من الأرحام، وليس من أصحاب المصالح، الذين يريدون من وراء  نصيحتك ابتزازك!!!!

ولذلك يقول الحارث المحاسبي، الزاهد الناصح، في كتابه: (رسالة المسترشدين): “واعلم أن من نصحك فقد أحبك، ومن داهنك فقد غشّك، ومن لم يقبل نصيحتك فليس بأخٍ لك”.

وكثرة النصح التي تنطوي على شفقة عليك، سواءً أكانت من أبيك، أو من أمك، أو من أستاذك، أو من الواعظ، أو المربي، أو الجار، أقول: هذه النصائح تذكرني بكلمة قالها الإمام الحسن البصري، التابعي الكبير، عندما جاءه أحدهم، فقال له: يا أبا سعيد؛ كيف نصنع؟ نجالس أقواماً يخوفوننا، حتى تكاد قلوبنا تطير؟! فقال: والله لأن تصحب أقواماً يخوفونك حتى يدركك الأمن، خير لك من أن تصحب أقواماً يؤمنونك حتى يلحقك الخوف. فالذي يقول لك: صلِّ، وحافظ على عباداتك، وبرّ والديك، وغير ذلك من أعمال صالحة، حتى يدركك الأمان في الآخرة، خير من الذي يعدك، ويمنيك، ويهوّن عليك المعصية، ويصغّرها في عينك.

الحديث سوف يكون غاية في الصراحة، لأننا نحبكم، لأننا جميعاً نريد لكم الخير، لأن الشباب هو القوة الكامنة، والمخزون اﻻحتماعي الذي يعوّل عليه كل المجتمع.

ومجتمعاتنا العريية، وعموم المجتمعات الشرقية، هي مجتمعات شبابية؛ لأن نسبة التوالد فيها كبيرة، ومن ثم يكون التفاعل كبير بينهم، بخلاف المجتمعات الغربية الهرمة، التي فقدت معنى الترابط، ومات فيها المفهوم الاجتماعي، كقداسة الأسرة، ومكانتها، ومن ثم صارت حياة مادية بحتة.

نريد أن نبصر الشباب بمصلحته، وبما ينعكس عليه، وعلى أسرته، ومجتمعه، ووطنه، بالخير، والأمان.

في إحدى الإجازات الصيفية، ذهبتُ مع أسرتي لأداء مناسك العمرة، وبعدها جبنا بلاد الحرمين، من شرقها إلى غربها، فزرنا مدينة الرياض، وتجولنا في أسواقها، ومعالمها، وأثناء تواجدي في أحد المجمعات التجارية، إذا بشاب يأتي من بعيد، فشعرتُ أنه يقصدني، وسلّم عليّ، وقال: ألستَ فلاناً؟

قلتُ: بلى.

فقال: والله إنني أحبك…

فقلتُ: جزاك الله خيراً.

فقال لي: هل تعرف حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي جاءه فيه شاب، وطلب منه طلباً، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على صدره ودعا له؟
قلتُ له: نعم أعرفه.

فقال: هلاّ ذكرني به.

قلتُ: نعم.

كان الرسول صلى الله عليه وسلم يجلس يوماً بين أصحابه، يحيطون به إحاطة النجوم بالقمر، وإحاطة السوار بالمعصم، وإحاطة الجنود بالقائد، فدخل شاب، مكتمل الشباب، فقال: يا رسول الله؛ ائذن لي بالزنا !!!!

أعوذ بالله، ما هذا الطلب؟ وما هذه الجرأة؟! يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم الإذن بالزنا!!

تصور هذا التناقض!!! يطلب الإذن بفعل حرام، وإثم عظيم!

فهاج الصحابة، وأرادوا الإيقاع به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: خلوا بيني وبينه، لأنه هو الطبيب، وهو الرحيم، بأبي هو وأمي، فقال: «أتحبه لأمك؟» قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: «ولا الناس يحبونه لأمهاتهم». قال: «أفتحبه لابنتك؟» قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك. قال: «ولا الناس يحبونه لبناتهم». قال: «أفتحبه لأختك؟» قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: «ولا الناس يحبونه لأخواتهم». قال: «أفتحبه لعمتك؟» قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: «ولا الناس يحبونه لعماتهم». قال: «أفتحبه لخالتك؟» قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: «ولا الناس يحبونه لخالاتهم».

عالجه بقضية تعييشه في الواقع، فجنايتك هذه التي تطلبها، لتمارسها مع الغير، كيف يكون رأيك بها لو انعكس الأمر عليك والعياذ بالله؟!

قضية الأنانية، وقضية الغفلة عن الجريمة تجاه الآخر، مسألة خطيرة.

ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: فاكره لهم ما تكره لنفسك, وأحبّ لهم ما تحب لنفسك.

فقال الشاب: يا رسول الله؛ ادعُ الله أن يطهر قلبي. فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على صدره، فقال: «اللهم اغفر ذنبه, وطهر قلبه, وحصن فرجه». قال: فلم يكن بعد ذلك يلتفت إلى شيء.

وما أن انتهيتُ من سردي لهذا الحديث النبوي العظيم، حتى أمسك الشاب بيدي، ووضعها على صدره، وقال: أرجوك يا شيخ ادعُ الله تعالى أن يهدي قلبي، ويغفر ذنبي، ويحصن فرجي!!!

فدعوتُ له، ثم تركي، ومضى لحال شبيله.

لقد كان مشهداً مؤثراً جدًّا، أثّر في نفسي طويلاً.

لقد اكتشفتُ أننا نحن الدعاة، والمربين، وأهل الدين، أمام مسؤولية ضخمة، تجاه المجتمع، والأفراد، فالكثير من الناس عندما يشاهدون لاعباً معروفاً، أو فناناً مشهوراً، أو مقدماً ناجحاً، فإنهم يبادرونه بالسلام، وربما طلبوا منه توقيعاً، أو أخذوا معه صورة تذكارية.

ولكنهم عندما يشاهدون شخصاً من دائرة أهل التدين، أو التوجيه اﻻجتماعي، أو العلاج النفسي، أو الإرشاد التربوي، أو الجانب القيمي، فإنهم يستوقفونه، لا يريدون منه توقيعاً، ولا صورة!! وإنما يطلبون منه إرشاداً، أو حلاًّ لمشكلة، أو نصيحة، أو مشورة، أو اقتراحاً.

فهذه نقطة في غاية الأهمية، يجب الانتباه إليها، فكثير من الناس بحاجة إلى الإرشاد، والكثيرون يسألون، ويطلبون الإعانة، والنصح، والإرشاد.

ولذلك اقترحتُ أن يوضع في كل مجمع تجاري كبير معروف، أو مكان يتجمع فيه الناس، أكشاكاً، بطريقة جميلة، ملفتة للنظر، تابعة لوزارة الشئون، أو لوزارة الداخلية، أو لوزارة الأوقاف، ويكون فيها رجل أمن، وشخص تربوي، وآخر شرعي، يجلسون فقط للاستشارات، والنصائح، والتوجيه، وليس شرطاً أن يجيبوا على كل مشكلة، أو استفسار يرد إليهم، بل بإمكانهم توجيه السائل إلى أين يذهب؟ وكيف يعالج قضيته؟

ولأننا نعيش في عصر السرعة، والتقنية العالية، والانشغالات المتتالية، فإن هذا الشباب الغض الطري المسكين، بحاجة إلى توجيه على مدار الساعة، لأنه في المقابل يوجه في كل لحظة بثقافة الشهوة والغريزة، وكما قال شعار مجلة نيوزويك إبريل 1995، وفي تقرير عن قناة MTV  : أرقص على مدار الساعة!!!

أي أن الجامع المشترك هو الرقص على مدار الساعة، ونحن نرى ثقافة الجسد، وتتفيه الإنسان، وتفريغه من قيمه الروحية، وإغراقه في ثقافة اﻻستهلاك الآنية، فكيف يكون مصيره أمام هذا الضخ الدائم للشباب، من أجل إسقاطهم في سياسة ما يسمى بأيديولوجية السوق، وثقافة الصورة، وبلاغتها الالكترونية، في تسليع الشباب؟!

وهذا ما أكده هربتشلر تحت عنوان: المتلاعبون بالعقول، من أن الإقناع يكون من خلال الإبهار!

فالذي يحرك الناس اليوم هو الانبهار، والشباب هم الشريحة الأكثر استهدافاً، لذلك نرى كيف يقعون ضحايا للتقليد الأعمى!

والسؤال: هذا الضغط والتقليد، ماذا يحتاج منا؟

والجواب:

رأينا في حادثة ذاك الشاب الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم طالباً الإذن له بالزنا، وكيف تعامل معه الرسول صلى الله عليه وسلم من منطق الشفقة، والرحمة، وعدم التعنيف، والتبكيت، ولذلك نحن بحاجة ماسة إلى دعاة مربين، وآباء، وأمهات ناصحين، ومدرسين رحماء مشفقين.

نريد من هؤلاء جميعاً أن ينطلقوا في نصحهم للشباب ليس من منطلق التبكيت، والتعنيف فحسب، وهو إبراء الذمة! كلاّ، وإنما نريد إنجاز مهمة، ونريد جانب العطف والمحبة.

فرق أن تنتقد وأنت محبّ، وأن تنتقد وأنت مستعلٍ ومتكبر، وكأن التقوى تعمر قلبك، وليس لديك ذنوب، وخطايا!!

نريد منطق الأنبياء في تعاملهم مع أقوامهم المشركين، المعاندين، المزايدين على الحق، كما قال سيدنا نوح عليه السلام لقومه: {إني لكم نذير مبين}، وقال: {إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم}، وكما قال شعيب عليه السلام لقومه: {إني أخاف عليكم عذاب يوم محيط}، وكذلك هود عليه السلام: {إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم}.

وهذا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم يخبرنا القرآن الكريم عنه أنه قال: {وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير}، وكلنا يعرف ذلك الحديث النبوي الجليل، الذي وصف لنا حال النبي الكريم عليه أفضل الصلاة، وأتم التسليم، عندما قام من الليل يناجي ربه، ويدعوه، ويبتهل إليه، ويردد قوله تعالى على لسان سيدنا عيسى عليه السلام: {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم}، فجعل يردد، ويقول، وهو يبكي، بأبي هو وأمي: اللهم أمتي، اللهم أمتي، فيرسل الله سبحانه وتعالى جبريل عليه السلام، فيقول له: قل لمحمد: إنا سنرضيك في أمتك، وﻻ نسوؤك.

الله أكبر! ما هذا الحرص، وما هذا البكاء؟!

إنه بكاء، وحرص كل مؤمن يعلم الحق، والمصير، وعواقب الأمور.

فهو كبكاء، وحرص مؤمن آل فرعون، عندما ذهب إلى قومه بعد أن عرف الحقيقة، وتجلت عنده، وأحس بلذتها، وبخطأ قومه، فماذا قال لهم؟

ها هو يناديهم، ويقول لهم:{يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب}، ويقول: {ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد}، خوف وخشية عليهم من أن يلحقهم العذاب، إن هم أصروا على كفرهم، وعنادهم.

ونحن كذلك نخاف على هؤلاء الشباب، آباءً، وأمهات، ومربين، ودعاة، الكل خائف عليكم أيها الشباب؛ لأن الذي تقومون به حرام في الشرائع، والأعراف! وأنتم بهذه الأفعال السيئة تجلبون المشاكل لأنفسكم، ولأسركم.

ولذلك يجب عليكم أخذ الطريق الصحيح، والموقف الصحيح، ونبذ قضية التقليد، وقضية المحاكاة، لأن فيها شروراً، لا يعلم بها إلا الله تعالى.

فدائرة المحبة من جهة، والخشية من جهة أخرى، تجعلنا نصارحكم بأخطائكم، ونبيّن لكم حجم المشكلة، وضخامة المأساة التي يعاني منها كثير من الشباب، لكنه يأبى الاعتراف بذلك؛ خوفاً من اتهامه بالضعف، والخور، أو بتأثير أهل الدين عليه، وغير ذلك!

ولذلك أقول: إن أسباب ارتكاب هذه الأمور من قِبل الشباب ليست واحدة، بل هي متنوعة، وكثيرة، ولها صور عديدة، لا بد من الوقوف عليها، والحديث عنها بتفصيل، وصراحة، دون مواربة، أو خجل.

فكم هي المصائد، والفخاخ، التي توضع في طريق شبابنا، من أجل إيقاعهم، واستهلاكهم، مادياً وغير مادياً؟!!

ولعل من أعظم هذه المصائد، التي يقع في حبائلها كثير من الشباب، ولا يستطيعون الخلوص منها: (مصيدة المخدرات)!!

الإحصائيات تقول: إن الذين يموتون بسبب التدخين أكثر من الذين يموتون بسبب المخدرات. لماذا؟!

لأن نسبة المدخنين أكثر بملايين المرات، من نسبة متعاطي المخدرات. فالقضية نسبة وتناسب!!

ولكن ثمة ما يدعو إلى التوقف، والنظر، وهو ما يعتبر الخطوة الأولى في مصيدة المخدرات!!

فما هي هذه الخطوة؟!!

إنها التدخين!!

يقول الشيخ عبد الحميد البلالي، الأمين العام للجنة بشائر الخير، لمعالجة الإدمان: إن مروجي المخدرات يحرصون على المدخنين، ويستهدفونهم قبل غير المدخنين بالدرجة الأولى!!! لماذا؟

لأن المدخن أسهل استجابة وصيداً من غيره! ولو سألنا: لماذا؟

فالجواب: لأن هناك تشابهاً كبيراً بين المخدرات، وبين التدخين، وبين المتعاطي، والمدخن، من جهة:

  • طريقة الإمساك بها: فهذا يمسك سيجارة، وهذا يمسك مخدرات.
  • الدخان: ففيه توافق، واقتراب، وبنفس الجو.
  • السلطنة، أو ما يسمى بالكَيْف! فكلاهما-المدخن، والمتعاطي- يعيش أجواء النشوة، والسعادة، والفرح، أثناء قيامه بذلك.

ومن طريف ما يذكر في هذا المقام، ما قاله الشيخ محمد عبده رحمة الله عليه، عندما رجع من أوروبا، إلى القاهرة، فقال: وجدت هناك الإسلام، ولم أجد المسلمين، ووجدتُ هنا المسلمين، ولم أجد الإسلام!! يقصد وجد هناك انضباطات، وقيماً، لم يجدها في بلاد المسلمين.

فقالوا: وكيف ذلك يا إمام؟! فقال: وجدتُ لهم في كل شاطيء مائة أسطول، ووجدتُ عندنا في كل شارع مائة مسطول!!

فهذا هو المدخل الأول، والخطوة الأولى التي يدخلون من خلالها على هؤلاء الشباب، لجذبهم نحو هذه الآفة الخطيرة، والندمرة، وهي المخدرات.

أما الخطوة الثانية التي يصيدون بها الشباب للمخدرات: فهي أنها مقوية جنسياً!!

وهل هؤلاء الشباب بحاجة إلى تقوية؟!

نحن تعيش هذه الأيام هلوسة جنسية، على الساحة المفتوحة بجميع وسائلها. ومع ذلك أقول: إن هذا كلام نقيض العلم، والواقع، والإحصائيات!!

ففي إحصائية للجنة بشائر الخير، تقول: إن 93 % من مدمني المخدرات يعانون من العجز الجنسي، حتى بعد التوبة والإقلاع عنها!! وهو يحتاج بعد ذلك إلى محفزات، ومنشطات للعملية الجنسية! هذا بالنسبة للرجال.

أما النساء فإن الإحصائية تقول: إن 60 % من المتعاطيات يعانين من العجز الجنسي!!

فلماذا الخداع إذن؟

وهل الواحد من أجل هذه الشهوة العابرة يهلك نفسه، وتاريخه، ودينه؟! أيعقل ذلك؟!!

وأما الخدعة الثالثة التي يمارسونها على الشباب، ويدخلون بها عليهم، فقولهم:

إن هذا المخدر يعطيك قوة أعصاب، ويقوي ذهنك دراسياً!!

وهذا بلا شك خطأ كبير، وكلام لا أساس له من الصحة علمياً.

وقد وقفتُ على قصة لإحدى طالبات كلية الطب، في مراحلها الأخيرة، تعرفت على أحد هؤلاء الذئاب البشرية، خدعها بأن هذه الحبة تنشط ذهنك، وتقوي تركيزك، حتى تحصلي على درجات عالية، وإذا بها تتردى، وينهار مستقبلها، وتصبح إحدى ضحايا هذه الآفة الملعونة!

فإذا كانت طالبة الطب، والتي في الأصل أن تكون على درجة جيدة من الفهم، والوعي لمثل هذه القضايا، ومع ذلك خُدِعت، وضاع مستقبلها، فما بالك بمن هو أقل علماً، وفهماً، واطلاعاً على خصائص ومكونات الأشياء؟!!!

وممن يخدع بهذه الخدعة، والحيلة: أولئك الأشخاص الذين يسافرون بسياراتهم سفراً طويلاً، لطبيعة أعمالهم، فقد يخدعون بأن هذه الحبة تسليك، وتنشطك، وتزيد من تركيزك، وإذا به بعد فترة بسيطة يصبح أحد المدمنين!!

كذلك ممن تمارس عليهم هذه الخدعة: طلاب المدارس! للعلة ذاتها من تنشيط الذهن، والمساعدة في السهر من أجل الدراسة، وهذه يكون انتشارها بصورة كبيرة أيام الاختبارات!

وقد يستخدم مع ذلك الطالب أسلوب خبيث، وهو أسلوب اﻻستفزاز لدفعه إلى هذه الآفة، فيقال له: أنت لستَ رجلاً! وأنت إنسان جبان، تخاف من والديك!! إلى غير ذلك من كلمات تثير النخوة، والحمية فيه، ولكنها نخوة في غير محلها للأسف.

ولذلك يقول ابن عطاء الله السكندري: (الجاهل من ترك يقين ما عنده لظن ما عند الناس).

ومن الطرق التي يخدعون بها، ويصيدون فيها الشباب للمخدرات، قولهم:

إن هذه الحبة تنسيك همّك، وتريح بالك، وتأخذك إلى عالم آخر، لا مشاكل فيه، ولا هموم!!

وهذا كذب رخيص، لا يروج إلا على الإنسان المسكين، الجاهل، الذي يتعلق بالقشة كما يقال!

ومن الخدع كذلك: الجرعة المجانية!!

الدكتور حمود القشعان المختص في العلوم الاجتماعية، قام بدراسة على التائبين في لجنة بشائر الخير، والتائبين في الطب النفسي، وفي عنبر السجناء. ماذا قالت الدراسة؟!!

لقد تبيّن من خلال هذه الدراسة أن 92%  من العينات تم تعاطيها المخدرات أول مرة عن طريق جرعة مجانية!!! وبعد ذلك أصبح فريسة للترويج!!

فهو يعطيك في البداية مجاناً ليجذبك، وبعدها يسهل عليه استنـزاف جيبك، وجيب والدك، وتدمير صحتك، وأخلاقك، وقد تصل إلى درجة السرقة، بل ما هو أسوء من ذلك، كما وقفنا على بعض القصص المؤلمة للقلب، لماذا؟! لأنك أدمنتَ، وصرتَ أسيراً لهؤﻻء، وتكون قد وقعت في أقذر المصائد.

هذه هي المصيدة الأولى.

أما المصيدة الثانية التي يتم عن طريقها اقتناص الشباب، وإيقاعهم في براثن التقليد الأعمى، والمظاهر الجوفاء، فهي: الوشم!!

الدكتور محمد فهد الثويني، المختص في سلوك المراهقين، رصد بعض الظواهر السلبية، التي بدأت تنتشر بين شبابنا، وتفرض نفسها عليهم، فوجد أن من أكثرها انتشاراً ظاهرة الوشم على الجسم، والتي تعرف فيما بينهم بـ(تاتو)!!

ومن المآسي المفجعة أن دولة عربية خليجية تقيم مسابقات في بعض المجمعات التجارية الكبيرة لأجمل وشم، والذي يصل في كثير من الأحيان إلى أسفل الظهر!!

بالله عليكم ألهذه الدرجة يصل بالإنسان أن يتنازل عن قيمته الذاتية، ويتحول إلى سلعة رخيصة يُتاجَر بها أمام الناس، بلا أدنى حياء، أو خلق؟!! والأدهى والأمر أن يكون المشارك بمثل هذه المسابقات المخزية بنات!!!

هذا انحطاط، وسقوط في دركات الهاوية الأخلاقية.

ومما يحزن القلب أن البعض من هؤلاء فيه خير، وصلاح، لكنه التقليد الأعمى الذي عصف بأخلاقنا، وقيمنا، فانخرط في هذه التفاهات، وانساق وراء هذه السخافات.

أحدهم جاءني سائلاً: يا شيخ؛ جزاك الله خيراً، أنا أضع على يدي وشماً، لكن الوشم عبارة عن امرأة عارية، وأنا أريد الذهاب إلى العمرة!! فما حكم ذلك؟

فقلتُ له وأنا في غاية الاندهاش: ألبسها نقاباً، وعباءة!! واذهب إلى العمرة. يا أخي الوشم من أساسه حرام، وليس لأنه امرأة، أو غير امرأة.

الدكتور الثويني عندما رصد هذه الظاهرة، وجد أن لها خمسة أسباب، بمعنى أن السلوك واحد، ولكن الدوافع له متعددة، هذه الأسباب هي:

أولاً: الجهل: ناس تعبث تحس وشم مشوه يؤذي نفسه، ويحط بعض الأمور من أجل أن يطلع فيه وشم وهذا جهل وهذا علاجه أن توعيه.

فيا ولدي، ويا أخي، ويا تلميذي، هذا حرام، ولا يجوز شرعاً، ومدان دينياً، هذا جسدك ملك لله سبحانه وتعالى، لا يحق لك أن تتصرف فيه إﻻ وفق ما أراد لك الله سبحانه وتعالى.

نبيّك الكريم صلى الله عليه وسلم، يقول: (لعن الله الواشمة والمستوشمة)، فهذا في حق المرأة التي في أصلها تهوى الزينة، وتطلبها فطرياً، ومع ذلك جاء اللعن على هذا الفعل، فكيف بالرجل الذي يفترض فيه الرجولة، والأنفة، يتأنث بهذه الطريقة، ويعبث بجسده؟!!

ثانياً: وشم موضة، وهذا هو الوشم العرفي، فيرى ﻻعباً معروفاً، أو فناناً مشهوراً، يضع وشماً، فيقلده في ذلك! هذا الوشم يتغير بناءً على تغير الشخص الذي تلقى عنه هذا الوشم، وارتبط به عرفياً، ولذلك فالبيئة التي يعيش فيها هذا الإنسان لها دور في ذلك، فالموضة تنتشر بسرعة، كما أنها تتغير بسرعة.

ثالثاً: وشم الزينة: فواضعه يتصور أنه يزيد من جماله، ويجذب الناظرين إليه.

رابعاً: وشم فكري: يكون بحسب أفكار الشخص، وانتماءاته، فهذا وشم للشواذ، وهذا وشم لعبدة الشيطان، وهذا وشم للجماعة الفلانية.

خامساً: وشم قيمي، كأن يضع حرف اسم حبيبته، أو الوردة التي تحب لونها، أو غير ذلك.

هذه في الغالب الأسباب التي تدعو فلان، أو فلانة، لوضع وشم على جسمه.

هذا الوشم خطأ، وﻻ يجوز شرعاً، كما قلتُ، والمناظر التي نراها على شبابنا لاتمتّ لعاداتنا، وأخلاقنا، فضلاً عن ديننا، بِصلة أبداً، فنحن أناس عندنا حلال وحرام، وصواب وخطأ، يجب أن ننزل عليها، ولذلك فالواجب على كل شاب، وشابة، ممن ابتلي بهذا الأمر، أن يسارع إلى التخلص منه، طبياً، أو بأي طريقة مناسبة، إذا لم يكن في ذلك إيذاء له.

علينا أن نكون جريئين، وأن نصرخ بأعلى أصواتنا: لا لهذا العبث بالجسد، ولا لهذا اﻻستسلام لأي شيء ﻻ يرضي الله سبحانه وتعالى، ولأي شيء لا يشرفني، وﻻ يسر أسرتي.

كذلك من الأشياء التي انتشرت كثيراً، واكتسحت أفكار الجنسين بسرعة مذهلة، بطريقة لا واعية، وتقليد أعمى: السوار البلاستيكي، الذي يلبس في اليد، أو المعصم.

وهذا السوار في أصله له قصة، تدل على الكفاح، والتحدي، هذه القصة تقول إن أحد اللاعبين الرياضيين أصيب بمرض السرطان، فظل يكافح، ويكافح، إلى أن انتصر على ذلك المرض، وهذا في الحقيقة هو محض فضل الله تعالى عليه، ولكن أكثر الناس لا يشكرون، ولا يردون الفضل إلى أهله.

الشاهد: أن هذا اللاعب وضع هذا السوار، من أجل مساندة مرضى السرطان، ومؤسسات علاج السرطان، فكان يباع بسعر رمزي، فالقصة بدأت بداية توظيفية، اجتماعية، طبية، خدمية.

ثم انتقلت بعد ذلك، وتلقفتها الشركات، ووظفتها تجارياً، وتحولت إلى سلعة معتمدة، بألوان، وأشكال مختلفة، ومغرية.

ثم تطورت المسألة وتحولت إلى ارتباطات فكرية، حيث أن اللاعب الفلاني، أو الفنان يلبسها، فأنا ألبسها تقليداً، واتباعاً له!

ثم تطورت وتحولت إلى عقدية! فالبعض يقول: إذا لبستها سوف أنجح، وإذا لم ألبستها لن أنجح!!

وقد أعجبني الدكتور محمد الثويني عندما ناقش أحد هؤلاء الشباب نقاشاً عملياً، حيث قال له: لماذا لبستَ هذا السوار؟

فقال الشاب: مساندة للسرطان، وصدقة!!!

فقال له: الصدقة تكون سرًّا أقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وأصدق مع النفس.

ثم قال له: هل ترضى أن تتلف مالك بهذه الطريقة؟

فقال: كلاّ. لكن أصحابي كلهم يلبسونها!!!

فقال له: (كل، وجميع، وأكثر)، هذه ليست معياراً للصواب، والخطأ، والحق، والباطل، بل الجماعة أن تكون على الحق، ولو كنتَ وحدك، كما قال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه لتلميذه، فلا تغتر بالكثرة، وهذا هو التقليد الخاطئ، التقليد المذموم.

البيئة مؤثرة، والمرء على دين خليله، فلا تقلد أحداً إلا في الخير، ولا تكون إمّعة.

في إحدى المرات التقيتُ بشابين اثنين، أحدهما كويتي، والآخر وافد من جنسية عربية، كلاهما قد وضع وشماً على جسده، ولبس هذه الأساور، والخواتم، وقص شعره بطريقة غريبة، ولوّنه بلون غريب!! بل قد تسمّى كل واحد منهما باسم غير اسمه الحقيقي، فأحدهما: جيمي، والآخر جو!!!

كانت أعمارهما لا تتجاوز العشرين عاماً، جلستُ معهما وتحاورنا، وطلبتُ منهما مشاركتي في برنامج تلفزيوني، في حلقة خاصة عن هذه المظاهر الغريبة التي بدأت تنتشر بين الشباب، والفتيات.

كنتُ للوهلة الأولى جازماً برفضهما للفكرة، إلا أن ظني خاب عندما رحبّا بالموضوع، بل وأشد من ذلك، حيث أنهما من يمانعا من ظهر وجهيهما، واسميهما صراحة على الشاشة، وأمام الناس جميعاً!!

وفعلاً تم الأمر كما هو مخطط له، وكانت صدمتي كبيرة جدًّا بتلك الحقائق التي ذكراها عن طبيعة حياتهما، والجلسات التي يحرصون عليها، فهي جلسات غير بريئة، تشتمل على صنوف من المخالفات الشرعية، من اختلاط الشباب بالفتيات، واللباس الفاحش، والتباهي بالصرعات الغربية، والوشم، والموسيقا الصاخبة، المصحوبة بشرب الدخان، والشيشة!! إلى غير ذلك.

وهذا الأمر بالنسبة لهما، بل للمجموعة كلها أمراً عادياً، لا يدعو إلى القلق، أو الحذر، فهي حياة لهو، وعبث، سرعان ما تمضي، وتنتهي!

إلا أن أغرب ما ذكراه، وهو والله يدمي القلب، ويدمع العين، وفي الوقت ذاته قد تضحك منه، أمران اثنان:

الأول: أنني عندما سألتهما عن نظرة الأسرة لهذه الأفعال التي يقومان بها، وموقفها من الوشم الذي يضعانه، كان الإجابة الصاعقة لي بأن الأمر أقل من عادي، ولا يحتاج الوقوف عنده كثيراً، والحديث عن تفاصيله، وأبعاده!! والأدمى من ذلك أن والديهما كليهما قد وضعا الوشم على أجسادهما!! أحدهما قال: والدي يضع أربعة، والآخر قال: اثنان!!

قلتُ: سبحان الله. من شابه أباه فما ظلم، وتذكرتُ قول الشاعر الذي يقول:

إذا رب البيت بالدف ضارباً            فشيمة أهله كلهم الرقص

الثاني: لمّا سألتهما عن إمكانية الزواج من أحد الفتيات اللاتي يجلسن معهما، ويشاركنهما في السهرات، والحفلات، والوشم، وغيره، كان الجواب الذي لا نقاش فيه من كليهما: خسأت أن أفكر في الارتباط بأمثال هؤلاء!!

قلتُ والدهشة تتملكني: لماذا؟! وهي تشاركك في كل شيء، وحالها كحالك، وهي منفتحة كانفتاحك؟!

فقالا: لأننا لا ندري ما وضعها!! فالتي أباحت لنفسها أن تجلس معي، ليس غريباً، ولا بعيداً عليها أن تجالس غيري، وأن تخرج معه!! فهذه النوعية هي للترفيه، والمتعة ليس أكثر!!

قلتُ: فلتسمع كل فتاة مخدوعة، ومغفلة لهذا الكلام الصريح، والصادق في الوقت ذاته، فلا يخدعكِ شيطان الجن والإنس بأن فلاناً سوف يتزوجك في المستقبل، وتكونين شريكة حياته، وأم أولاده! لا والله لن تكوني كذلك، فمنزلتكِ الحقيقية عنده هي العبث، والمتعة، والفرفشة، ولن يفكر بك أبداً زوجة له، ولو كان هو من أفسق، وأفجر الناس.

هذه حقيقة يجب على كل فتاة أن تضعها نصب عينيها، وتقرر على أساسها علاقاتها، وأهدافها، فهل أمثال هؤلاء العابثين يستحقون أن تكوني سلعة رخيصة في أيديهم، يتمتعون بها كما يشاؤون، فإذا انتهوا منها قذفوها بلا أدنى شفقة أو رحمة.

ولما سألتهما: هل أحد منكما يصلي؟! كان الجواب بالنفي، بل أحدهما قال: كيف لي أن أصلي، وأقف بين يدي الله تعالى بهذا الشكل، وهذا الوشم، وقد كنت قبل قليل جالساً في جلسة لهو، وعبث، وضياع؟!!

قلتُ: كل ذلك لا يمنعك من الصلاة، وأن تقطع صلتك بربك جل وعلا، لأن هذا الأمر أشد ما يحرص عليه الشيطان، فإذا قطع العلاقة بينك وبين ربك، سهُل عليه بعد ذلك كل شيء.

نستطيع أن نتفهم من خلال كلام هذين الشابين الحائرين الرؤية غير الواضحة لديهما، ولغيرهما من الشباب ممن هم على شاكلتهما، فليست لديهم رؤية مستقبلية، وإنما يعيشون اللحظة الآنية، لماذا؟

لأنهم مغرقون بثقافة اللذة، تلك الثقافة التي تعبر عنها اليوم دائرة العلمانية التي اتسعت جداً على العالم، هذه الدائرة التي وصلت إلى ما بعد الحداثة، تعتبر الناس حسب المفهوم الغربي المعاصر ﻻ يجمعهم مشتركات كبرى، كالأسرة، والأخلاق، والاحترام المتبادل، وإنما الناس عبارة عن ذرات متناثرة تجمعها الحاجات الغريزية، والدوافع اﻻستهلاكية، والمصالح المتبادلة، وعيش اللحظة الآنية، وعدم الالتفات إلى الوراء، ومن ثم ضاع ما يسمى بالهدف، والرؤية المستقبلية.

والنقطة البارزة في الحوار مع الشباب أن القدوة، والمشاكل اﻻجتماعية، لها أثر عظيم في قضية التأثر، والانجذاب، سلباً، أو إيجاباً! فأحدهما قال: طالما المشاكل اﻻجتماعية موجودة، فلن أعيش سعيداً، ولن تتغير حياتي!!

كذلك مسألة الصحبة السيئة، وآثارها الوخيمة على الفرد، مسألة في غاية الخطورة، فهي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل)، هذه القضية كثير من الشباب لا يعيرها بالاً، ويظن أن الأمر سهل، وأن بإمكانه التخلص من تلك المجموعة بيسر، وهذا ظن خاطئ، بل الأمر أشد من ذلك بكثير.

بل إن الدراسات الاجتماعية، والنفسية، والطبيعية، أثبتت أن الإنسان إن اعتاد على عادة معينة لمدة 20 يوماً، فإنها تلزمه، ويستسهلها، وتصبح نمطاً من حياته!

ولذلك جاء الوصف الرباني للمؤمنين: {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}، بخلاف هؤﻻء، فإنهم يتواصون مع الأسف بالمعاصي، وباللذة، وبعدم الالتفات إلى أي عواقب خطيرة في الدنيا، وفي الآخرة! ألم يقل الله تبارك وتعالى: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إﻻ المتقين}؟! ففي يوم القيامة يكون العداء بين جميع الأخلاء، والأصدقاء، والأصحاب، الذين تربطهم مصلحة وقتية، وقضايا شخصية، وشهوات عابرة، ولا ينجو من ذلك العداء، وتدافع التهم، والتبرؤ من بعضهم البعض، سوى عباد الله المتقين، الذين كانت تجمعهم الطاعة، وتوحدهم المشاعر الصادقة، وتؤلف بين قلوبهم المحبة الخالصة.

فما هذا الذي يفعله الشباب المسكين بنفسه؟!! إنه بحق انتحار اجتماعي، ونحن عندما نتكلم عن هذه المظاهر، فإننا نتكلم بلغة المشفق، المحب، الناصح، الخائف على مستقبل هؤلاء الشباب، الحريص على نفعهم، ودفع كل شيء يضرهم، ويؤذي كرامتهم.

ولذلك عندما نجالس هؤﻻء الشباب، الذي يعيش اللحظة الآنية، والنشوة العابرة، واللذة الكاذبة، ونكلمهم بتلك اللغة الحانية، العطوفة، فإن الواحد منهم يستيقظ ضميره، وينتعش إيمانه، فيقول: كم أتمنى أن أكون مثل هؤلاء الشباب الصالحين، أصلي، وأفعل الخير، وأحرص على الأخلاق الحميدة!!

نعم؛ إنه يشعر في قرارة نفسه أن وضعه خطأ، وأن هناك منادياً بداخله يهتف بالإيمان، ويدعوه للتوبة، والإنابة، والبعد عن هؤلاء الأشرار، وهذا كله يدل على أن لدى هؤلاء القابلية للاستصلاح، والتغير، ويدل على أن الإنسان في فطرته في قاع النفس حيوية إيمانية، أخلاقية، قيمية، لكنها تحتاج إلى أن تحيا، ويزال عنها الغبار.

نعم؛ لديهم تأنيب ضمير داخلي، لكن هذا التأنيب يغوص ويضيع، ويذوب في غمرة ثقافة اللذة، والملهيات المتعددة المنوعة، التي يغفلون فيها عن واجباتهم، وعن حقيقة مستقبلهم، ولذلك نحن نذكر أنفسنا، ونذكر هؤلاء بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الذي يقول فيه: (من سرته حسنته، وساءته سيئته، فهو مؤمن)، فهؤﻻء الشباب كثير منهم غافل، ولاهٍ في متاهات هذه الدنيا الفانية، فهم بحاجة إلى تذكير، ونصيحة، وإرشاد، مستمر.

ثم إن الكل متفق على أن الأجواء الملوثة، والبكتيريا المنتشرة، والميكروبات التي تغطي الجو، لن تستطيع منعها، والتخلص منها نهائياً، ومن أجل ذلك، فأنت مطالب بالابتعاد عن تلك الأجواء، أو تنظيفها قدر الإمكان.

إن دين الإسلام ليس ديناً علاجياً فحسب، وإنما هو دين وقائي بالدرجة الأولى، أما الغرب فلديهم علاج، وليس لديهم وقاية.

لذلك نجد النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن اﻻيمان ليخَلَقُ في جوف أحدكم، كما يخلق الثوب)، أي أنه يصبح بالياً، قديماً، يحتاج إلى تجديد، ومتابعة، فأسأل الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبنا.

إن سؤال الله تجديد الإيمان في القلب يحتاج إلى تغيير أشياء كثيرة في الحياة، أما أن يعيش الإنسان كما وصفه الله تبارك وتعالى في قوله: {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون}، فهذا لا يجوز، فحياة هذا الإنسان تكون كحياة البهائم، كما قال الله تعالى: {أولئك كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون}.

ثم إنني أقول: أيها الشاب؛ إذا أردت أن تقوم بأي سلوك، فلا بد أن يمر هذا السلوك بأربع مراحل، أو فلاتر، تصفّي فيها سلوكك، وتحكم عليه بمعايير:

الأول: المعلومات، فهل هذا الفعل  صواب، أو خطأ؟ خير، أو شر؟

الثاني: القيم، فهل هو حرام أم حلال؟ فالقيم يجب أن تحكم.

الثالث: النتائج المستقبلية، فما الذي يترتب على هذا الفعل مستقبلاً؟

الرابع: الذات، فهل أنت عرفت ذاتك، واكتشفتها حقيقة، كي تغيّر هذا الخطأ الذي تعيشه؟

نحن بحاجة إلى إرادة قوية، وهمة عالية، وعزيمة ثابتة، لاتخاذ القرار الصحيح، وتصحيح المسيرة، وهذه الإرادة لها مقومات لا تتحقق بدونها، هذه المقومات هي:

أولاً: تقوية الإيمان، بالابتعاد عن أماكن السيئات، والفحش، والفجور، والضياع، وهذا يحتاج منك أن يكون لديك غذاء، وزاد إيماني، بالعبادات، والبعد عن المحرمات.

ثانياً: تغيير البيئة، والجروب، والمجموعة، فلا تجعل وقتك يذهب هدراً بتلك الجلسات الضائعة، المضيعة، وإنما ابنِ مستقبلك، ومن ثَمّ متع نفسك بما هو مباح ومفيد.

ثالثاً: إزالة كل عائق يقف أمامك، يقول علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: (إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى، وطول الأمل، فأما اتباع الهوى فيصدّ عن الحق، وأما طول الأمل فينسى الآخرة، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل وﻻ حساب، وغداً حساب وﻻ عمل).

والحمد لله رب العالمين

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى