بيني وبينكم 2005

بينى وبينكم 2005 الحلقة العشرون التعايش ج 4

التعايش ج4

لقد بيّن لنا راهب الضنية أكذوبة الإعلام، وبيّن لنا حقيقة وجود تعايش حقيقي بين الناس هناك، هذا التعايش هو الذي ندعو إليه، لا التداخل، ولا إسقاط الخصوصيات.

إن الدراسات النفسية أشارت إلى تفسيرات كثيرة لهذا التعصب الواقع من الأشخاص، أو الجماعات، فمن ذلك:

أولاً: أنه تنفيس عما يثور في الصدر والنفس، لأننا علمنا أن في التعصب شحناً انفعالياً، وبالتالي فإنه بمجرد رؤيته للمشحون ضده، فإنه سرعان ما يفرغ فيه جام غصبه، وينفث فيه سمّ نعصبه.

ثانياً: أنه من باب إعطاء الولاء للجماعة الانتمائية، بمعنى أنني حتى أثبت أني مع الجماعة الفلانية، أو المذهب العلاني وأنني منتمي إليكم، وأن عقيدتي قوية، وديني صلب، وانتمائي مائة بالمائة، أقوم لأجل ذلك بزيادة العيار في الطعن في الآخرين، والتشويه، والتكفير، والتضليل، والتفسيق، والإلغاء، والانتهاك، والاحتقار، والازدراء، وسلب الحقوق، والامتهان، وعدم التأثر لما يقع من مصائب للآخرين!!

وهذا الكلام ينسحب على جميع الأديان، والفرق، والمذاهب، لا يخلو أي منها من ذلك.

ثالثاً: أنه من باب ردة الفعل، فمثلاً عندما تسمع أن هذه المجموعة إرهابية، وهذه المجموعة مجرمة، تصبح عندك ردة فعل لهذا الأمر.

وأضرب مثلاً على ردة الفعل: أب متدين، وحريص على الدين؛ لكنه يتعامل مع ابنه بطريقة خاطئة، فعند صلاة الفجر يقوم بإيقاظه للصلاة، ولكن النوم سلطان، وفيه لذة، فلا يستجيب الولد، فيأتي هذا الأب ويسكب على ابنه كوب ماء، وهنا تحدث ردة فعل سيئة من هذا الولد ليس تجاه الأب، بل تجاه الصلاة، والدين بشكل عام، وهذا ما لا يحمد فعله، ولا يجمل صنعه.

نموذج آخر على دور العقلاء والحكماء في الانتماءات المتعددة؛ لتكريس الوضع الآمن؛ لأنه إذا انفرط الأمن، وضاعت البلد، فإن الذي سيعيش ويسترزق في مثل هذه الظروف هم الخونة، والذين ليست لهم مبادئ، وأصحاب الذمم الدنية، أما الإنسان النظيف، والمرء الصالح، وأصحاب المروءات، فإنهم سيتعبون؛ لأنهم لم يعتادوا على الحرام، ولا يريد أن يسترزق من وراء الفوضى الأمنية التي تحل.

هذا النموذج هو للمطران إلياس كفوري، وهو مطران الروم الأرثوذوكس في المشرق عموماً، وهو في الجنوب اللبناني الشيعي، حيث التعايش السلمي حتى في أيام الفتن، وفي أيام الحرب اللبنانية.

نتسمع لشهادة هذا المطران، وانطباعه عن مفهوم التعايش ونبذ التعصب، رغم التنوع والاختلاف، حيث يقول:

الثقافة في نظرنا نحن تنبع من الدين، ومن الإيمان، والدين والإيمان انفتاح على الآخر، فالذي ينقص بعض الأوساط اليوم هو هذا الانفتاح على الآخر، فعليك أن تقبل الآخر كما هو، لا كما تريده أنت أن يكون.

 

قلتُ له:

ألا ترى أن التعايش الذي نراه اليوم مثلاً في الجنوب اللبناني بين المسلمين بمذاهبهم، وبين المسيحيين بمذاهبهم، صورة إيجابيه ونمط عملي للتعايش؟

فقال:

لا أغالي إذا قلت: إن لبنان نموذج للعالم في هذا الموضوع، وليس فقط للشرق الأوسط، نحن هنا نعيش مسلمين ومسيحيين منذ زمن طويل، منذ البداية نحن المسيحيين قبل الإسلام في لبنان في المنطقة منذ 2004 سنوات ونيف، ثم أتى الإسلام، وعشنا معاً كل هذه الفترة بسلام، فالحياة طبيعية في لبنان، ففي المدرسة مثلاً لا يعرف الإنسان أن رفيقه مسلم إلا بعد كذا سنة من التعامل، أو أن ذاك مسيحي، ولكننا كنا نختلف دائماً عندما يدخل العنصر الأجنبي!!

أقول:

لاحظنا في كلام المطران أن التعايش أمر قائم، وواقع معاش، وهذا لا يعني من قريب أو بعيد الدعوة إلى وحدة الأديان، فإن ذلك غلط كله، والمؤتمرات التي تدعو لوحدة الأديان مشبوهة، والعقول التي تروج لهذا الفكر مشبوه أيضاً، فالدين دين له خصوصيته، وله عقائده، بل إنني أحياناً في الحوارات الفكرية لا أقول لمن أحاوره: أنا أختلف معاك، وأحترم رأيك! كلا، لأنني داخلياً لا أحترم رأيك، فرأيه يناقض رأيي، فكيف لي أن أحترم النقيضين؟ فالنقيضان لا يجتمعان، وإنما أقول: أنا أختلف معك في الرأي، لكنني أحترم إنسانيتك، وأعطيك حقوقك. وشتان بين الأمرين.

فالمطران تكلم عن تعايش الناس، وأن كل واحد في حياته، إلا أنه ختم كلامه بأمر مهم جدًّا، وهو الذي يحدث الشقاق، والفرقة، والضغينة، والقطيعة، حيثما حل ونزل، إنه العنصر الأجنبي! وهذا العنصر الأجنبي له صور متعددة:

فالشريط (الكاسيت) قد يكون عنصراً أجنبياً، والمجلة قد تكون عنصراً أجنبياً، والسفر إلى ديار الغرب، والآخذ بأفكاره قد يكون عنصراً أجنبياً، وثقافة الإنترنت قد تكون عنصراً أجنبياً؛ لكن كلامه في العنصر الأجنبي يتركز عند التدقيق على البعد السياسي، بمعنى: توظيف الانتماءات المتنوعة توظيفاً سياسياً، وتسييرها في حدث معين مرتبك، من أجل أن تقع الفأس في الرأس، وتشتعل الفتنة.

نحن نريد من العقلاء الواعين أن ينتزعوا أنفسهم من أن يكونوا أدوات تفجير، وتخريب، وتضليل، وفك لهذا التعايش السلمي الذي يركز على إنسانية الإنسان، ويترك الإنسان الآخر على عقيدته، كما قال ربنا تعالى: {لكم دينكم ولي دين}، وقال: {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين}، إلى آخر الآيات التي يذكرها الله سبحانه وتعالى في ترك الناس في خصوصياتهم.

إذن نستفيد من التجربة اللبنانية في المناطق التي لم تشتعل فيها الفتنة، رغم وجود التنوع الحاد المتناقض، مع وجود مناطق مشتعلة في الوسط، ومع ذلك لم ينعكس منها شيء على الجنوب، أن السبب الرئيسي لمثل هذا التعايش هو تفهم الناس لطبيعة العلاقة بينهم، ووجود العقلاء والناضجين فكرياً وواقعياً.

ولعل هذه التجربة أن تكون مصدر إلهام يستوحي منها المختلفون والمتنازعون، وبؤر الصراع المحتقنة، كالعراق بالدرجة الأولى، وغيرها، ما يكون فيه تنفيساً، وتحكيماً للعقول، بأن قواسم الاجتماع أكثر بكثير من المفرِّقات.

ومما قاله المطران إلياس كفوري في شأن العراق خاصة، وهي نصيحة غالية، قوله:

ما يحصل في العراق مؤسف جداً، بل محزن للغاية، فهناك محاولات تحريضية بشعة تمارس على الناس، لا أعرف مَن يقف وراءها؛ يحرض بعضهم على بعض طائفياً، وفئوياً بشتى الطرق، وهذا القتل الذي يحصل ليس من شيم العراقيين على الإطلاق.

قلتُ له:

أحياناً قد يستسلم الإنسان لأمر ما، لا لقناعة به، ولكنه ردة فعل، فبما أن الفئة الفلانية، أو الطائفة الفلانية، أو الانتماء الفلاني، وقعت منه خطيئة تجاه مجموعتي، فأنا سأنتقم من أي أحد منهم! فما رأيك؟

فقال:

أقول لإخوتنا العرب: الإنسان أخو الإنسان، أحب أم كره، وإن كان من شيء يذكر في هذا المقام، فهي ملاحظة لبعض الفضائيات العربية التي دائماً ما تردد كلمة اليهود والنصارى، أو اليهود والصليبيين الخ…

فأقول: علينا أن نميز موضوعياً، ولا أقول: أخلاقياً، بين مسيحيي الشرق، وبعض مسيحيي الغرب، وخاصة أولئك الذين يسمّونهم المسيحيين الصهيونيين، أو الصهيونية المسيحية، في الولايات المتحدة، وبعض الدول الغربية الأخرى، فهؤلاء لا يعرفون تاريخ المنطقة، ولا يعرفون الإسلام، لذلك أنا أناشد العالم العربي أن يدرك تمام الإدراك أن مسيحيي الشرق، أو الكنيسة الشرقية، هم إخوة لهم يشاركونهم في الفكر، وفي الحياة، وفي التاريخ، وفي كل شيء، فليس هناك من حواجز، وأنتم تعرفون ماذا يتكلم القرآن الكريم عن أهل الكتاب، وعن المسيحيين، بل وحتى عن اليهود، وكيف يعاملهم بالسماحة، ولا يعمم الأحكام.

قلتُ:

هذا كلام واضح، وسهل، وبسيط، يوجهه إنسان إلى الشعب العراقي وإلينا عموماً، بأن ما يحدث في هذه البلاد ما هو إلا من زرّاع الفتن، وموقدي النيران، المقتاتين على الخراب والدمار، وهو في نهاية المطاف لا يخدم أحداً من طرفي الصراع والنزاع.

فبقطع النظر عن اختلافك عن عقيدة الآخر، وعن تصوره، فهو حر فيما يعتقد، (لا إكراه في الدين)، ولكن حقوقه كإنسان، وحقوقه كعابد في دينه، لا يجوز التعدي عليه بسببها، وهذا إجرام، لكن هناك من يريد أن يوجد بلبلة كبيرة جداً في هذه البيئة لكي تنعكس علينا، وأكثر من يستفيد من ذلك، ويقف خلفه هم الغرب؛ لأن الغرب هو الذي تفنن في صنع الإرهاب، كما يقول المفكر الاجتماعي خلدون النقيب في كتابه: العولمة وآراء في فكر التخلف، فالغرب صنع الإرهاب في حربين عالميتين، ثم في تأسيس الاستعمار، الذي يقوم على الطحن والإلغاء، استعمار إحلالي، واستعمار استيطاني، ثم إلى اليوم ما زال ينظر إلى العالم كله على أنه مادة استعمالية خام يجب أن تستهلك، بما فيها الإنسان؛ لأنه جزء من الطبيعة.

نحن نعلم أن هذه هي عقلية الغرب، وتلك إستراتيجيته، لكن المصيبة بنا نحن لأننا ضعفاء، فنحن عندنا قابلية التفتت، فهل نترك هؤلاء يعبثون فينا كما يشاؤون؟ هل نكون ضحايا لهم؟ هل نستسلم؟ هل يندمج المثقف، والمفكر، والأديب، ورجل الفكر، والمتخصص في الدين، في هذا الحدث لسخونته وحدته، فيقعون في الفخ، ويكونون أدوات لمزيد من الاشتعال، ولمزيد من القتل، ولمزيد من الفتن الدينية، والطائفية، والعرقية؟!

لا شك أن هذا سؤال كبير، وﻻ شك أن الإعلام له دور خطير، كما ذكر المطران، وكما يقول الواقع، وكما تشهد الحقيقة، في قضية إثارة هذه الفتن، ويجب أن نكون على علم يقيني أن ما يعرض في الإعلام ليس دقيقاً، فلا يوجد شيء اسمه حياد في الإعلام، فهؤلاء يكذبون علينا، ويخدعوننا، فلنلتفت إلى مصالحنا، ولبلداننا كلها، وﻻشتراكاتنا نحن كشعوب، فليس لنا دخل في الصراعات السياسية، من تلاعب المتلاعبين، ومن الأطماع الخارجية، بل والأطماع الداخلية ممن هم من بني جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، ويعيشون معنا، فلنتبه لهذا الأمر، وليكن الوعي، والضمير، والإيمان، هو المرجع في قضية نبذ التعصب، وخلق التعايش، والانتباه لعدم الوقوع في فخ الفتنة الطائفية، والمذهبية، والدينية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى