بيني وبينكم 2006

بينى وبينكم 2006 الحلقة الاولي الرجاء

الرجاء

للرجاء معناه الجميل في حياتنا الدنيا، وعلاقاتنا العامة، فكيف إذا تكلمنا عن معنى الرجاء مع الله رب العالمين؟

من الرسائل التي جاءتني، والتي حفزتني لأن أتكلم عن هذا المعنى، وأنا أخاطب الجميع، ولا أستهدف شريحة الشباب فقط، وإنما شرائح المجتمع أجمع، فكلنا بنو آدم، وكل بني آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون، ففي عصر إلهاء الشباب، وهدر طاقاته بالشهوات، واللذات، والتسليع، والتجارة العابرة للقارات، جاءتني رسائل كثيرة من شباب فيهم خير، وكل شباب هذه الأمة فيه خير؛ إلا أنه يقع في مشاكل نفسية، واضطرابات شعورية، فيضرب كوابح من التقدم إلى الخير، فيقول أحدهم: أنا أتمنى أن أغير من نفسي، وأن أقبل على طريق الاستقامة، وأتخلص من كثير من الأخطاء، والرذائل، ولكن ماذا أصنع مع أصحابي؟ وماذا يقولون عني؟

آخر يقول: أنا لا أزال في مقتبل العمر، وريعان الشباب، فهل من المعقول أن أحبس نفسي، وأرغمها على التعبد والتهجد؟! أين الفرفشة، والحيوية، واللهو، والمرح؟!

ثالث يقول: أشعر أنني مقتنع بالتوبة؛ لكن البيئة لا تساعدني على ذلك، وأخاف أن أُقبل على الحق ثم أنتكس مرة أخرى!

كل هذه شيء تساؤلات، وتحديات تواجه من يفكر في طريق الهداية، إلا أن السؤال أو الاعتراض الأصعب من ذلك كله هو الذي يقول لك: أنا يائس من الهداية! فأنا ارتكبت المعاصي، وأتيت من الأخطاء، وتلبست بالآثام ما يشيب له الولدان، أنا ليس لدي أي حسنة، وكل لحظاتي، وساعاتي، وذهابي، ومجيئي، إنما هو في الحرام، فماذا أصنع بالتوبة؟ إنها لن تغني عني شيئاً!!

هذا اليأس الذي يصاب به بعض الشباب ممن أسرف على نفسه في المعاصي هو أخطر من كل المعاصي التي فعلها، هذا القنوط أصعب على حياته، وفي مستقبله، وعلى دينه من الكبائر التي اقترفها.

يجب علينا أن نعلم أن الإنسان مهما ابتعد عن ربه جل وعلا فإن باب الرحمة مفتوح أمامه، وطريق الرجاء معبد، لكنه يحتاج منك إلى عزيمة، وجلسة مع الذات، ثم فتح المجال للجانب العملي، فستجد الله سبحانه وتعالى غفوراً رحيماً.

ومن أجل ذلك فإنني لن أتكلم عن التوبة، أو عن الاستغفار الذي كثيراً من نتحدث عنه، وإنما حديثي عن كسر باب اليأس، ومن ثم أعطيك المفتاح، وأقول لك: إذا الإنسان يغفر ويتجاوز ويعفو عن من يسيء إليه، ويخطئ في حقه، إذا جاءه معتذراً، معترفاً بخطئه، نادماً على فعله، راجياً العفو والصفح، فما هو الظن برب العالمين، الرحمن الرحيم، الذي يقبل التوبة، ويعفو عن الزلة، ويجزي بالحسنة إحساناً، وبالسيئة عفواً وغفراناً؟!

حديثي عن الرجاء، لا رجاء المخلوق الفاني، وإنما رجاء العظيم الباقي، فما هو الرجاء؟

الرجاء: هو النظر إلى سعة رحمة الله.

الرجاء: هو الثقة بجود الله سبحانه وتعالى في العطاء، وإذا أعطى فإنه عطاء الرحمن الرحيم.

الرجاء: هو نقيض اليأس في اللغة، ويدخل فيه معنى الأمل، وإن كان الأمل أوسع معنى منه.

نحن نريد من جميع العباد أن يسلكوا طريق الراجين رحمة ربهم، فكيف ﻻ نرجوه؟ وكيف نيأس من رحمته، وقد وسعت رحمته كل شيء سبحانه؟!

اليأس مرض، واليأس جحود، واليأس من رحمة الله أعظم من ارتكاب المعاصي والكبائر، كيف لا وهو سبحانه يقول: {كتب على نفسه الرحمة}، فهو سبحانه قد ألزم نفسه وكتب على نفسه الرحمة، وهو سبحانه يقول: {ورحمتي وسعت كل شيء}، ألم تسبق رحمته عذابه كما كتب فوق العرش سبحانه وتعالى؟

كل هذه النصوص والمعاني مع قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ﻻ يموتن أحدكم إﻻ وهو يحسن الظن بربه)، تلزم المؤمن وتطالبه بأن يقدِّم جانب حسن الظن بالله، وجانب الرجاء على ما سواه، ولكن مع ذلك نقول: انتبه! هنالك فرق بين الرجاء، وبين التمني!

التمني: مبني على الكسل، أما الرجاء فهو نقيض ذلك، فأنت تخطيء، وتقصر، ولكنك تجدد العمل، فالرجاء فيه بذل جهد لأمور من الممكن أن تحصل، أما التمني فهو متعلق بأمور شبه مستحيلة، أو صعبة المنال، وليس هنالك أفضل من إمكانية حصول التوبة، وغسل الذنوب، والطهارة في الإقبال على الله سبحانه وتعالى من الأرذال الدنيوية، والمعاصي، والذنوب، والخلل الذي يقع في سلوك بني آدم.

تعالوا بنا نستمع إلى كلام الصالحين، في قضية الرجاء التي نغفل عنها، فقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: ما في القرآن آية أوسع من هذه الآية: ” قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله“.

فقد ذكر المغفرة مرتين، والرحمة مرتين، ونادى عليك يا ابن آدم، بقوله: {يا عبادي الذين أسرفوا}، فأنت مهما فعلت، ومهما ذهبت وابتعدت، فأنت عبد من عباده سبحانه، وهو سبحانه يتحنن إليك ألا تقنط من رحمته، ولا تيأس من مغفرته؛ لأنه جل جلاله يغفر الذنوب جميعاً كبائر، وصغائر، ما دمت تحت مظلة توحيد الله سبحانه وتعالى.

ومن أعظم الأحاديث التي تفتح باب الرجاء في وجه كل عاصٍ ومقصر، وتغلق عليه أبواب اليأس والقنوط:

حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تبارك وتعالى: (يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة).

فالله الغني عنك يناديك: يا ابن آدم، ليبدل سيئاتك حسنات، ويغفر كل ذنوبك، ولكن قل: يا رب، قِف وقفة محاسبة بينك وبين نفسك في صلاتك، في سجودك، قبل الغروب، عند الشروق، ابحث عن أي ساعة تكون نفسك فيها صافية، وتعزم، وتقول: يا رب أنا من بني آدم، ورحمتك وسعت كل شيء، وأنا شيء فاقبلني يا رب العالمين.

ويقول عليه الصلاة والسلام: «إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخر الله تسعاً وتسعين رحمة، يرحم بها عباده يوم القيامة»، وفي رواية: «إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعاً وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة، فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار».

فهل بعد هذا العطاء عطاء؟! وبعد هذا الفتح فتح؟!

ومن المواقف العجيبة التي تدل على سعة رحمة الله تعالى بعباده مهما فعلوا، ومهما فرّطوا وقصروا:

ما رواه مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبي، فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها تسقي، إذا وجدت صبياً في السبي أخذته، فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: «أترون هذه طارحة ولدها في النار» قلنا: لا، وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال: «لله أرحم بعباده من هذه بولدها».

فهذه امرأة تضع يدها على صدرها الممتليء بالحليب، وتبحث عن طفل لها فقدته بعد المعركة، فلما رأت ولدها أخذته فألصقته بصدرها، وأرضعته، وانظر إلى رهبة المشهد ومدى الألم والحزن الذي فيه: أم مرتبكة، تعيش حالة ذهول، تبحث عن طفلها بعد المعركة، وقعت في الأسر، ثم تجد الطفل، ما التفتت إلى الواقع، غابت عن كل شيء، التقطت هذا الطفل، وألصقته بصدرها، وأرضعته بحنان، وأمومة، هنا يأتي النبي صلى الله عليه وسلم والناس يشاهدون هذا الموقف العاطفي الإنساني الأمومي العظيم، المفعم بكل المعاني التي يعجز اللسان عن التعبير عنها، فيقول عليه الصلاة والسلام: أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ قالوا: ﻻ يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: (لله أرحم بعباده من هذه بولدها).

ولذلك فأنا أقول لكل إنسان هاجمه اليأس، وعشش في رأسه القنوط: إياك أن تقنط من رحمة الله، أو تيأس من روح الله، فهذا مدخل إبليس، وهذا جرم أكبر وأعظم من الجريمة التي ارتكبتها.

تعالوا بنا نأخذ دروس التربية من رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقد دخل يوماً على شاب وهو في الموت، وساعات الموت عظيمة رهيبة، فالموقف جلل، والمصاب عسير، فهي ساعات تحسب فيها الكلمات، وتدرس فيها الأنفاس، انفصال الإنسان من كون إلى كون، فكيف إذا كان الميت شاباً؟ فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم عليه، قال له: «كيف تجدك؟» قال: أرجو الله يا رسول الله وأخاف ذنوبي.

شعوران: رجاء، وخوف، وفي مثل هذه المواقف يجب علينا فتح باب الأمل لذلك الإنسان المقبل على الدار الآخرة، يجب في هذه اللحظات أن نذكر الإنسان بأحسن وأفضل أعماله، وبأطيب صفاته، فيقال له: إنك إنسان طيب الخلق، والناس تثني عليك خيراً، وأنت من أهل الصلاة، وعمل الخير، وبر الوالدين، وغير ذلك.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن، إلا أعطاه الله ما يرجو، وآمنه مما يخاف».

أبشر بما أنك ترجوه، وبما أن عندك أمل فيه، وبما أنك تحسن الظن فيه، فسيأتيك الظن الحسن، وستجد ثمرة هذا الرجاء.

فأبشروا يا شباب إذا أقبلتم على الله حق الإقبال، فإن السيئات تمحى، بل تبدل حسنات.

يروى أن أيوب السختياني التابعي الجليل رأى جنازة عاصٍ، فدخل دهليزاً أي ممراً لئلا يحتاج إِلى الصلاة عليها! فرأى بعضهم الميت في المنام، فقال له: ما فعل اللَّه بك؟ فقال: غفر لي، وقال لي: قل لأيوب السختياني: {قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ}!!

فالحمد لله أن الرحمة ليست بيد أحد من الخلق، بل هي بيد الله سبحانه وتعالى.

فمثل هذه الآيات، وهذه الأحاديث ترفع من إرادة الإنسان؛ لكي يتجه إلى الله سبحانه وتعالى، وتطرد التردد ووساوس الشيطان عن مخيلته، نحن كلنا بشر، ولا أحد أفضل من أحد في قضية الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى إلا بالصدق، والإخلاص، ومزيد العمل، أما قضية أن يضمن الإنسان أن يموت مرضياً عنه، فهذه غير موجودة عند أحد، فالمؤمن لا يزال يسير في طريق الرجاء، وفي سبيل استمطار الرحمة؛ لكي يثبت على هذه الأرض المليئة بالفتن، والمغريات، فنحن في امتحان واختبار كبير، قال الله تعالى: {الم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا وهم ﻻ يفتنون. ولقد فتنّا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين}.

كذلك من الأحاديث الجميلة المرغبة في قضية الرجاء:

ما يرويه لنا الصحابي الجليل معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن شئتم أنبأتكم ما أول ما يقول الله للمؤمنين يوم القيامة، وما أول ما يقولون له؟

هذه أول مواجهة، ومشافهة، ومكاشفة، فماذا تتوقعون؟ وهذا خاص بالمؤمنين؟ دعك من الملاحدة، والزنادقة، وأهل الكفر.

قلنا: نعم يا رسول الله. قال: ” إن الله يقول للمؤمنين: هل أحببتم لقائي؟ فيقولون: نعم يا ربنا. فيقول: لم؟ فيقولون: رجونا عفوك، ومغفرتك.

هذا شعور المؤمن، فهو دائماً في دائرة الرجاء، فلا ييأس، قد يخطئ، وقد يقصر في واجبات، كل ذلك وارد، لكنه بين خوف، ورجاء، لا التمني الخادع الذي فيه كسل، فهذا ليس رجاء، وإنما الرجاء مبني على أنك تخطيء ثم تقبل، تقصر ولكن لا تيأس، أما التمني بلا صلاة، ولا صيام، ولا عبادة، فهذا غرور، وهلاك.

فيقول الله تعالى: قد وجبت لكم مغفرتي.

فبما أنكم تحسنون الظن بالله تعالى، وبما أنكم محبّون له جل وعلا، وبما أنكم ترجون لقاءه، وبما أن يقينكم بأن عطاءه ورحمته سبقت عذابه، فإن هذا اليقين يحقَّق لكم، وهذا العطاء يهدى إليكم.

ويروي لنا الإمام ابن أبي الدنيا في كتابه حسن الظن بالله: أبطأ عن علي بن الحسين أخ له كان يأنس به، فسأله عن إبطائه، فأخبره أنه مشغول بموت ابن له، وأن ابنه كان من المسرفين على نفسه، فقال له علي بن الحسين: إن من وراء ابنك ثلاث خلال، أي خصال أو صفات، أما أولها فشهادة ألا إله إلا الله، وأما الثانية فشفاعة رسول الله، وأما الثالثة فرحمة الله التي وسعت كل شيء.

نحن يعز علينا أن يموت مسلم على معصية لله تعالى، وأن يقبض على ذنب من الذنوب، ولكن مع ذلك يبقى باب الرجاء مفتوحاً، فنحن نرجو له، وندعو له، ونرفع أيدينا بالدعاء في المنشط، والمكره، في كل مكان لهؤلاء الذين انتقلوا إلى العالم الآخر، وماتوا على المعاصي والذنوب، لا نتبرأ منهم؛ لأن رحمة الله واسعة، ولكن على الحي أن يبذل جهداً حتى لا يموت على المعصية.

ويروي لنا كذلك ابن أبي الدنيا: عن سعيد بن ثعلبة الوراق، قال: بتنا ليلة مع رجل من العابدين على الساحل بسيراف -اسم منطقة-، فأخذ في البكاء، فلم يزل يبكي حتى خفنا طلوع الفجر، ولم يتكلم بشيء، ثم قال: جرمي عظيم، وعفوك كبير، فاجمع بين جرمي وعفوك يا كريم. قال: فتصارخ الناس من كل ناحية.

صدق رحمه الله تعالى، فجرمنا كلنا عظيم، كلنا مقصرون كثيراً، ونتفاوت بعد ذلك في الإقبال على الله، والتوبة، والضعف، والصمود، ولكن عفو الله تعالى كبير، فيا رب اجمع بين جرمنا وعفوك يا كريم.

وضع ألف خط تحت كلمة يا كريم، فمعنى الرجاء قائم على كرمه سبحانه في العفو، والرحمة، والتجاوز، ولذلك ورد أن بعض العباد سأل وهو يعلم الجواب، فقال: يا قوم أليس الذي يلي حسابي هو الله؟ فقالوا له: نعم. فقال: فأنا مطمئن!! لماذا؟ قال: لأن الذي يحاسبني كريم، والكريم إذا حاسب تفضل.

نعم الكريم إذا حاسب يسامح، وهو الكريم سبحانه وتعالى، ولذلك يقول العباد: اللهم عاملنا يوم القيامة بفضلك ﻻ بعدلك؛ لأنه لو عاملنا بالعدل، فمقابل المعصية عقوبة، لكنه سبحانه يعاملنا بالفضل، فيعفو ويصفح ويسامح، وفوق ذلك يبدل السيئات إلى حسنات، ويرفع الدرجات، فنحن أمام كريم، وأمام فضل عظيم، {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم}.

عبد الله بن المبارك الإمام الزاهد الكبير، كان يجاهد سنة، ويحج سنة، عندما دخل بغداد كان الناس يمشون خلفه تعظيماً وتبجيلاً له، ولما نظرت أم هارون الرشيد من القصر إلى هذا المنظر الغريب، سألت: من هذا الذي يسير وراءه الناس؟ فقالوا لها: هذا الإمام المجاهد عبد الله بن المبارك. فقالت: هذا والله هو الملك.

لأنهم يتبعونه محبة، ويتبعونه لعلمه، ليس خوفاً، ولا رهبة، ولا لماله، ولا لما يرجون ما عنده من الدنيا، فهذا هو الحب الحقيقي.

يقول عبد الله بن المبارك: أتيت سفيان الثوري عشية عرفة، ونحن نعرف يوم عرفة، فهو يوم التوبة الأكبر، قال: عشية عرفة، وهو جاث على ركبتيه، وعيناه تهملان يعني: بالدموع، فلما نظرت إليه خنقتني العبرة، فبكيت لبكائه؛ لأن الأجواء مؤثرة وروحانية، وللمفارقة فهناك أناس يأكلون الحرام، ويهتكون الأعراض، ويعملون الإجرام، ومع ذلك يضحكون ولا يبالون، أما هؤلاء الصالحون فيتعبدون، ويتهجدون، ويبكون بكاء الحب، والشوق، والخوف، فهي مشاعر ممزوجة عظيمة. قال: رأيته يبكي، وعيناه تهملان، فبكيت. فالتفتَ إلي فقال: ما شأنك؟ فقلت: من أسوأ أهل الجمع اليوم؟ أي: في عرفات، من هو أسوأ الناس؟ فقال: الذي يظن أن الله لا يغفر له!!

نعم، هذا هو أسوأ الناس، الذي يظن أن الله لا يغفر له، خاصة إذا كان في موقف من مواقف المغفرة والتجاوز والعفو؛ لأن ذلك من أعظم سوء الظن بالله تعالى والعياذ بالله.

فالرجاء هو الأصل، والإنسان يجب أن يحسن الظن بالله سبحانه وتعالى، ويعلم أن رحمة الله سبحانه وتعالى سوف تعم الجميع، ليس فقط العابد الذي ذهب لحج بيت الله الحرام، بل حتى الغارق في معاصيه، فأنت ليس بينك وبين الله أحد، فأنت في مكانك في المسجد، في بيتك، في غرفتك، ترفع يديك إلى الله سبحانه وتعالى، وتقول: تبت إليك يا رب، فيقول لك: وأنا قبلتك يا عبد.

تعالوا بنا نتعرف على سعة رحمة الله أكثر وأكثر؛ لكي نطلق النفوس كي ترجوه:

هل يوجد أحد ﻻ يعرف فرعون؟!!

نحن إذا أردنا أن نضرب مثلاً بطاغوت، أو حاكم ديكتاتور، فإننا نقول عنه: فرعون، ففرعون لم يترك جريمة شنعاء إلا اقترفها، ذبح الأطفال، استحيى النساء، صلب الرجال على جذوع النخل، ولم يكتفِ بذلك حتى ادعى الربوبية!! فقال لقومه: أنا ربكم الأعلى،  وقال لهم: ما علمت لكم من إله غيري!!

ومع كل ذلك ماذا يقول الله تبارك وتعالى لموسى وهارون عليهما السلام؟ يقول: {اذهبا إلى فرعون إنه طغى}، انتبه: إنه طغى طغياناً عظيماً، فما المطلوب إذن؟ {فقولا له قولاً ليناً}!! لماذا يا رب؟!! قال: {لعله يتذكر أو يخشى}!

فقد يأتي منه خير، فلعله يتذكر، ولعله يخشى ويخاف!

نبيان كريمان يؤمران بالذهاب إلى أعتى طاغية على وجه الأرض، وفي المقابل يؤمران أن يقولا له قولاً ليناً هيناً، لا فضاضة فيه ولا غلظة! فأي رحمة هذه، وأي لطف هذا!!

ولذلك كان السابقون الأولون، والسلف الصالحون عندما يقرأون يتأملون، وعندما يتأملون يعتبرون، وعندما يعتبرون تنطلق الحكمة من ألسنتهم، فهذا قتادة المفسر عندما قرأ هذه الآية وقف، ولم يستطع أن يتجاوزها، وقال: يا رب إذا كان هذا حلمك بمن قال: أنا ربكم الأعلى! فكيف يكون حلمك بمن قال: سبحان ربي الأعلى؟! وصدق رحمه الله، كيف يكون حلمه سبحانه بالذي سجد؟ بالذي صام؟ بالذي تصدق؟ بالذي رفع يده بالدعاء؟ بالذي عطف على المسكين، والأرملة، واليتيم؟ بالذي يسبّح، ويحمد، ويهلل؟ بالذي يبر والديه؟ بالذي يحفظ حقوق الناس؟!!

وروى ابن أبي حاتم في تفسيره: عن الفضل بن عيس الرقاشي أنه تلا هذه الآية: {فقولا له قولاً ليناً}، فقال: يا من يتحبب إلى من يعاديه، فكيف بمن يتولى ويناديه؟!

ولذلك يجب علينا معرفة مع من نتعامل؛ لأنك لو لم تعرفه لما رجوته، ولا رق قلبك، ولا أملت أن يغفر لك، ولي، ولسائر الناس.

ومن احاديث الرجاء العظيمة، التي تهز الأركان، وتقشعر منها الأبدان:

حديث النجوى المشهور الذي يقول فيه ابن عمر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته، وأما الكافر والمنافقون، فيقول الأشهاد: {هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين}.

لأن المؤمن لم يكن مجاهراً بالمعصية، بل كان ساتراً على نفسه، ولأنه كان يرجو الله سبحانه وتعالى، فستره الله تعالى في يوم يحب فيه الستر.

هذا الإمام الشافعي لما كان على فراش الموت، دخل عليه المزني صاحبه، فقال له: كيف تجدك يا إمام؟ فقال الشافعي: أصبحت عن الدنيا راحلاً، وللإخوان مفارقاً، ولكأس المنية شارباً، وعلى الله وارداً، فلا أدري أتذهب روحي إلى الجنة فأهنيها، أم إلى النار فأعزيها، ثم قال أنشأ راجياً:

ولما قسى قلبي وضاقت مذاهبي                  جعلت الرجا مني بعفوك سلما

تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعظيم                 عفوك ربي كان عفوك أعظما

فيا أيها المذنب، ويا أيها العاصي، أقبل على الله سبحانه وتعالى برجاء، ولا تيأس من رحمة الله، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى