بيني وبينكم 2006

بينى وبينكم 2006 الحلقة الثالثة مرض الحسد

مرض الحسد

في سنة 1997 كنت في طائرة متجهة إلى العاصمة الأردنية، فجاءني أحد الأفاضل وقال لي: لو تكرمت يا شيخ إن زوجتي تريد أن تقترح عليك اقتراحاً سريعاً، فهل تسمح؟ فقلت له: على الرحب والسعة. فقالت الزوجة: لقد تكلمت يا شيخ في برامجك الرمضانية في موضوعات عديدة، وكثيرة، ولكن هناك موضوع لعلك نسيتَ الحديث فيه، وهو موضوع يأكل قلوب الناس، ويخرب علاقاتهم بعضهم ببعض، ويملأ القلوب غلاًّ وحقداً، فقلت لها: وما هو الموضوع؟ فقالت: الحسد!!

وصدقت…

فالحسد موضوع حري أن نتكلم عنه؛ لأنها آفة نفسية، ومرض قلبي، فقلت: لا بد أن نتكلم عن هذه الآفة التي تتسع دائرتها حتى وصلت إلى حسد الأقرباء بعضهم بعضاً.

فما هو الحسد؟

الحسد باختصار: هو تمني زوال النعمة عن من يستحقها.

فالحاسد يتمنى لمن أنعم الله عليه أن تزول النعمة عنه س، ولا يرتاح له بال، ولا يهنأ له قرار حتى يرى هذا الإنسان قد سلبت منه تلك النعمة!!

ويضيف الجاحظ قيداً دقيقاً في تعريف الحسد، فيقول عن الحاسد إنه: يتألم لما عند الآخرين من فضل!! وهو كما قال الإمام الماوردي في كتابه: (أدب الدين والدنيا): وحقيقة الحسد شدة الأسى على الخيرات تكون للناس الأفاضل.

فالحاسد يشعر بالأسى؛ لما عند هؤلاء الناس من خير، ولما جاء لهم من فضل، كما قال رب العزة جل جلاله: {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله}؟!

والحسد المحرم: هو محبة وتمني زوال النعمة عمن يستحقها، ولكن لو أن هذه النعمة، وهذا الخير، في يد مفسد، وظالم، وفاجر، ومؤذي، ينشر الرذيلة، ويظلم الناس، ويهلك الحرث والنسل، فهل من حقي أن أتمنى زوال تلك النعمة عنه؟

قالوا: نعم، من حقك أن تحسد حاكماً طاغوتاً ظالماً، يستغل نعمة الحكم، والملك، في إذﻻل الشعب، وسلب خيرات الناس، والتجبر عليهم، والحط من كرامتهم، والاستئثار بالثروة، وتعطيل حياة العدالة.

ومن حقك أن تحسد تاجراً وغنياً يستخدم تلك الثروة والأموال في إذلال الناس، فيطبق الاحتكار عليهم، ويحاربهم في أرزاقهم، ويضيق عليهم لقمة العيش، بل وكل أمواله حرام في حرام، وربوي من الدرجة الأولى.

إلا أن كلامنا في الحسد المحرم، الذي وردت فيه نصوص الوعيد، ما كان في حق هؤلاء الأبرياء الذين تفضل الله سبحانه وتعالى على أحدهم بنعمة معينة، لملكات خاصة، أو مواهب من رب العباد، فهذا هو المرض الذي نتكلم عنه.

وهل هناك علاقة بين الحسد والعين؟!

أقول:

ليس كل عائن حاسداً، فالإنسان أحياناً قد يصيب أقرب المقربين له بالعين، بل قد يصيب نفسه بالعين، ليس حسداً، ولكنه لأنه لم يذكر الله تعالى، ولم يرقَ نفسه، أو لم يقل: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله.

والحوادث في هذا الموضوع كثيرة جداً، فمن آخر ما سمعت من قصص العين من بعض الأقارب: أن أحداهن جاءت تزور قريبة لها رزقت بتوأم ذكور، فلما دخلت هذه المرأة، ونظرت إلى الطفلين قالت: كيف تستطيعون التمييز والتفريق بينهما؟! والله لا أعرف أحمد، من محمد!! فما انتهت من كلمتها تلك، حتى سقط كوب الشاي الحار على أحد الطفلين، فاحترق الجلد، وبقيت تلك العاهة، أو الصورة الشائهة، ملازمة للطفل إلى يومنا هذا، وقد أصبحت تميز بينها بالحرق!!

ومما ورد عن السلف الصالح رضي الله عنهم  في كلامهم عن سوء الحسد وقبحه، قولهم: الحسد أول ذنب عصي الله به في السماء، يعني حسد إبليس لآدم – عليه السلام -، وأول ذنب عصي الله به في الأرض، يعني حسد ابن آدم لأخيه حتى قتله.

فإبليس حسن أبانا آدم عليه السلام، وقال: {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين}، فلم يرضَ بقسمة الله سبحانه وتعالى في عطائه، فهو اعتراض على القدر، واعتراض على مطلق الإرادة الإلهية.

وأما ولدا آدم عليه السلام فهم إخوة اشقاء، ومن بطن واحدة، ومع ذلك يصل الحسد بصاحبه إلى درجة القتل، قال تبارك وتعالى على لسان المقتول من ولدي آدم: {لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين}، فماذا كانت النتيجة؟ {فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين}.

هل تريدون مشهداً آخر يوضح لنا هذه الحقيقة أكثر وأكثر؟

إنه مشهد لأبناء الأنبياء!! وليس لبشر عاديين، ولكن تبقى النفس البشرية نفساً بشرية، والقرآن الكريم في كل ملحظ نفسي، أو ضعف قلبي، أو سوءة سلوكية، يعطيناً مثلاً عملياً، ليقول لنا: إنكم لستم مثاليين، وإنما واقعيون.

يقول الله تعالى في قصة يوسف: {إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين}، اتهام للأب النبي أنه في ضلال مبين!! وهنا يقع الحسد للمقارنة، وهذا يعطينا مؤشراً لكيفية تعاملنا مع أبنائنا، وتربيتنا لهم، فقد تقول لابنتك: يا بنيتي، إنني أميل إلى أختك الصغيرة، ليس لأنها أعز منك، فأنتم كلكم أولادي، ولكنها لأنها بحاجة إلى رعاية أكثر، فهي ليس لديها خبرة، وضعيفة، وليس عندها عقل كامل، والمعلومات لديها غير كافية، فهي طفلة جاهلة.

هكذا ينبغي أن نشرح لهم مواقفنا؛ حتى لا يقع الحسد بينهم فيحدث ما لا تحمد عقباه.

ماذا كان نتيجة ذلك الحسد من إخوة يوسف ليوسف؟

قالوا: {اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخلو لكم وجه أبيكم}، أي يتفرغ لكم، وهذا يدعونا كآباء إلى الموازنة بين أبنائنا في كل شيء.

هناك مقولة جميلة معبرة في موضوع الحسد تقول: لله در الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله!!

لماذا قالوا ذلك؟

جاء في كتاب: (المستطرف من كل فن مستظرف): أن رجلاً من العرب دخل على المعتصم فقرّبه وأدناه، وجعله نديمه، وصار يدخل على حريمه من غير استئذان. وكان له وزير حاسد، فغار من البدوي وحسده، وقال في نفسه: إن لم أحتل على هذا البدوي في قتله، أخذ بقلب أمير المؤمنين، وأبعدني منه. فصار يتلطف بالبدوي حتى أتى به إلى منزله، فطبخ له طعاماً، وأكثر فيه من الثوم، فلما أكل البدوي منه، قال له: احذر أن تقترب من أمير المؤمنين، فيشم منك رائحة الثوم، فيتأذى من ذلك، فإنه يكره رائحته. ثم ذهب الوزير إلى أمير المؤمنين، فخلا به، وقال: يا أمير المؤمنين إن البدوي يقول عنك للناس إن أمير المؤمنين أبخر –أي أن رائحة فمه كريهة-،  وهلكتُ من رائحة فمه!! فلما دخل البدوي على أمير المؤمنين، جعل كمّه على فمه؛ مخافة أن يشم منه رائحة الثوم، فلما رآه أمير المؤمنين وهو يستر فمه بكمه، قال: إن الذي قاله الوزير عن هذا البدوي صحيح، فكتب أمير المؤمنين كتاباً إلى بعض عماله يقول فيه: إذا وصل إليك كتابي هذا، فاضرب رقبة حامله! ثم دعا البدوي ودفع إليه الكتاب، وقال له: امض به إلى فلان، وائتني بالجواب.

فامتثل البدوي ما رسم به أمير المؤمنين، وأخذ الكتاب وخرج به من عنده، فبينما هو بالباب إذ لقيه الوزير، فقال: أين تريد؟ قال: أتوجه بكتاب أمير المؤمنين إلى عامله فلان، فقال الوزير في نفسه: إن هذا البدوي يحصل له من هذا التقليد مال جزيل. فقال له: يا بدوي ما تقول فيمن يريحك من هذا التعب الذي يلحقك في سفرك، ويعطيك ألفي دينار؟ فقال: أنت الكبير، وأنت الحاكم، ومهما رأيته من الرأي افعل. قال: أعطني الكتاب، فدفعه إليه، فأعطاه الوزير ألفي دينار، وسار بالكتاب إلى المكان الذي هو قاصده، فلما قرأ العامل الكتاب أمر بضرب رقبة الوزير!! فبعد أيام تفكر الخليفة في أمر البدوي، وسأل عن الوزير، فأخبر بأن له أياماً ما ظهر، وأن البدوي بالمدينة مقيم، فتعجب من ذلك وأمر بإحضار البدوي، فحضر، فسأله عن حاله، فأخبره بالقصة التي اتفقت له مع الوزير من أولها إلى آخرها، فقال له: أنت قلت عني للناس إني أبخر؟ فقال: معاذ الله يا أمير المؤمنين أن أتحدث بما ليس لي به علم، وإنما كان ذلك مكراً منه وحسداً، وأعلمه كيف دخل به إلى بيته، وأطعمه الثوم، وما جرى له معه. فقال أمير المؤمنين: قاتل الله الحسد ما أعدله، بدأ بصاحبه فقتله!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى