بيني وبينكم 2006

بينى وبينكم 2006 الحلقة الحادية عشر مع الشباب ج 2

(مع الشباب)

ظاهرة سلبية، تفشت في عموم المجتمعات، أحببتُ تسليط الضوء عليها، ومناقشتها، والنظر في أسبابها، ومحاولة علاجها.

الظاهرة هي: المجاهرة بإيذاء الآخرين….

المجاهرة بالمعصية التي ﻻ تقف عند ارتكاب الإنسان للخطيئة…..، بل بدأ يتحرش في الآخرين، ويؤذيهم، ويستعلن بهذا الإيذاء بقلة حياء….

فلم يحسب حساباً للأسرة!!!

ولا للقانون!!!

ولا استحيى من نفسه!!!

بل ولا من ربه قبل ذلك!!!

ولا من المجتمع!!!

هذه الظاهرة، وهذه المسالك السيئة، إن صدرت، فإنما تصدر من الشباب في الأغلب…!!!

لماذا؟!

لأن الشباب طاقة، الشباب سرعة اتخاذ قرار، الشباب في كثير من الأحيان عدم مباﻻة بالنتائج، الشباب اندفاع، الشباب حيوية، الشباب قلة خبرة، هذه طبيعة الشباب،…

وعندما تتزامن وتتواكب تلك الأمور مع ضعف الإيمان، وقلة وازع الدين، والتفلت الزائد، وثقافة الغريزة، والشهوة، والحب الحرام، وتطغى ثقافة اﻻستهلاك على الناس، فإنه سينتج عن ذلك كله سلوكيات كثيرة خاطئة، وممجوجة!!! تسيء للمجتمع، وتُتعِب الأسرة، ويُرهَق رجل الشرطة، وتشكو المجمعات التجارية…!!!

ولا شك أن ظاهرة الإيذاء تتفاوت في درجاتها، وتتنوع في أشكالها، لكنها بشكل عام تتحد في مضمونها…

وكي يكون كلامنا واقعياً، سأضرب جملة من الأمثلة، على سبيل التوصيف، وليس على سبيل الحصر، وهي وقائع تحدث كثيراً، ويتم تداولها، والتباهي والتفاخر بها كنوع من الرجولة، وقوة الشخصية، والفهلوة أحياناً!!

المثال الأول:

رجل وزوجته مع طفلهما الصغير يدخلون مجمعاً تجارياً، لشراء بعض الحاجيات، فتجلس الزوجة على طاولة، ويذهب الزوج لشراء وجبه سريعة، وإذا بمجموعة من الشباب يأتون، ويبدؤون بإلقاء كلمات غزلية تحرشية على الزوجة!!! فانتبه الزوج لهم، فجاء، وكادت أن تقع مصيبة، وانتهت القضية إلى المخفر!!!

لماذا أيها الشاب تفعل ذلك، وأنت لا تزال في بداية حياتك، فتبدأها بالشرطة، والحبس؟!!

لماذا تحرج والدك، وتحرج نفسك، بهذه الأفعال الصبيانية؟!

المثال الثاني:

أربع شباب في مجمع تجاري، يحملون هواتفهم النقالة، يصورون بنات الناس، بدون علمهن، ويخزنون هذه الصور، ويتبادلونها فيما بينهم، ولما اكتشفت الفتيات ذلك، شكَون لإدارة السوق، فألقي القبض عليهم…

عندما يتعود الشاب من بداياته على مثل هذه القضايا، ومراجعة الشرطة، فإنه سيستمريء هذه الأجواء، وتسقط الهيبة، بل ويسقط هو من عين نفسه!!!

المثال الثال:

شاب تحرش بامرأة في أحد المجمعات التجارية الكبيرة، فشكت للأمن، وعلم الزوج بالواقعة، وألقي القبض على الشاب، وبدأت المساءلة، فبدأ يترجى ويتوسل، فقالوا له: أعطنا رقم أبيك، فقال: أبي ميت!!

فيتم الاتصال بالأم، فتأتي الساعة 11:30 ليلاً، وكانت امرأة كبيرة في السن، أتت بسيارة أجرة، ولما علمت الأم بالمشكلة، إذا بها تنزل على رِجْل المعتدى عليها، وتتوسلها أن تسامح ولدها، وألا تكون سبباً في دخوله السجن!!! فوافقت المرأة، وكُتب عليه تعهد، وتمت التسوية.

الأغرب من كل ما حصل، أن هذا الشاب كان المتوقع منه أن يقبّل رأس أمه، ، ويدها بل ورجلها، وتنزل دمعته، بسبب الإذﻻل الذي صنعه في أمه، والجهد، والقهر الذي ألحقهما بها!!! إلا أن شيئاً من ذلك لم يحدث بتاتاً!! بل إنه ترك أمه ترجع إلى بيتها بسيارة أجرة، حزينة، كسيرة، مكلومة، مع أن لديه سيارة!!! وذهب مع شلته، ومع رفقة السوء.

أيّ قلب يحمله هذا الإنسان؟!!

هكذا الإنسان حينما يخلو من القيم، ومن الأخلاق، ويكون بؤرة من بؤر الإيذاء لنفسه، وللأموات، وللأحياء، وللجميع.

هذا غيض من فيض، وقطرة من بحر، من الأمثلة التي تشيب لها الولدان، ولكن…

لو تساءلنا: ما الذي يدفع هؤلاء الشباب المتهور، غير المنضبط، للقيام بمثل هذه الأعمال المشينة؟

أجرينا استفتاء، فكانت الإجابات كالتالي:

الأمر الأول: قلة الوازع الديني بين الشباب، وكذلك الفتيات.

الأمر الثاني: الفراغ عند الشباب.

الأمر الثالث: الواسطات.

الأمر الرابع: الإعلام، فإن له تأثيراً قوياً في عقول الشباب.

الأمر الخامس: رفاق السوء.

قلتُ: بلا شك أن كل ما ذكر صحيح، وواقع.

ولذلك بعض الشباب تراه طيباً، وسلوكه حميداً، فإذا مشى مع مجموعة سيئة، فإن شخصيته تذوب، ويضعف، فيسيئ كما أساؤوا!!!

لكنه إذا ذهب للسوق، أو الكورنيش، أو الحديقة، أو المجمع التجاري، محده، فإنك لا تجد فيه إيذاء لأحد!! فهذا جزء من الشخصية الضعيفة، وأثر الرفقة السيئة!!!

ولذلك لا بد للقانون أن يأخذ مجراه، فالتأديب مطلوب، لكننا يجب أن نعلم أن المجتمع الذي لا ينضبط إﻻ بالتأديب، وﻻ ينضبط إﻻ بمزيد من القوانين، فهو مجتمع قيمه ضعيفة!!!

فكلما زادت ترسانة القوانين، وتفصيلاتها، فهذا دليل على أن هذا المجتمع لا يحركه ضمير، ولا يضبطه دين، ولا يدفع سلوكه اعتبارات اجتماعية كثيرة، فإما القانون، وإلا فالإساءة واقعة لا محالة، بكل أشكالها، وأنواعها!!

إذن المؤثرات كثيرة، ولكن يجب أن يكون لدينا مرجعية تضبط لنا هذا السلوك، هذه المرجعية ليست قضية فكرة في الهواء، كلاّ، بل لا بد أن تكون أمراً حقيقياً، واقعياً، تجعلني أحترم الناس، وأحترم كل شيء.

ودَعوني أذكر جملة من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، الذي يعلمنا الأدب، ويعطينا القيم، هذه الأحاديث الشريفة، وقبلها كتاب الله تعالى، تشكل لنا المرجعية الحقيقية، وهي مصدر نستقي منها القيم في الصواب والخطأ، لأن ديننا دين القيم، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).

الحديث الأول:

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول ﻻ إله إﻻ الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان).

لاحظ كيف يتخلل الإيمان في شتى مناشط الحياة، في سلوك الفرد، وسلوك المجتمع.

الحديث الثاني:

حديث أبي ذر رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: «الإيمان بالله، والجهاد في سبيله». قال: قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: «أنفسها عند أهلها، وأكثرها ثمناً». قال: قلت: فإن لم أفعل؟ قال: «تعين صانعاً، أو تصنع لأخرق». قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن ضعفتُ عن بعض العمل؟ قال: «تكف شرك عن الناس، فإنها صدقة منك على نفسك».

لقد سأل أبو ذر سؤالاً، فتح فيه باباً للخير، لي، ولك، ولسائر الناس، عندما قال: يا رسول الله، أرأيتَ إن ضعفتُ عن بعض العمل، أي إذا فترتُ عن كثير من الأعمال الصالحة من النوافل، والمستحبات، ولم أقم بها، إنما هي صلاتي، وصومي، وحجي، وفترتُ عن التفاعل الإيجابي مع المجتمع، وعن مد يد الخير للآخرين، وعن الفاعلية الحيوية داخل المجتمع، فماذا عساي أن أفعل؟! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (تكف شرك عن الناس!!).

هل قال:

عن المؤمنين؟ كلاّ….

عن جيرانك؟ كلاّ…..

عن عشيرتك ؟ كلاّ….

عن قبيلتك؟ كلاّ….

وإنما تكف شرك عن الناس، كل الناس، مسلمهم وكافرهم، صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم، فتكون صدقة منك على نفسك!!

فأنت بمجرد أنك لاتؤذي أحداً، بمجرد أنك كففتَ شرك عن الآخرين، فأنت في عداد المتصدقين.

هذا هو المفهوم الحقيقي، والواسع للصدقة، وهكذا نريد أن نكون في حياتنا إذا تكلمنا عن القيم، وعن عدم إيذاء الناس.

ثم إن في الشريعة الإسلامية ما يعرف بحق الله تعالى، وحق العباد، فالله سبحانه وتعالى قد يتنازل عن حقه، ويسامح، ويصفح، ويتجاوز، ويكون أمرك إليه جل وعلا، فمعصيتك بينك وبين رب العالمين؛ أما إيذاء الناس، والتعدي على حرماتهم، وعلى أموالهم، وعلى أعراضهم، وعلى أملاكهم، وعلى سمعتهم، وعلى شخصيتهم اﻻعتبارية، فهذا لا مسامحة فيه، حتى يتنازل صاحب الحق، لأنها حقوق العباد، وحقوق العباد تقوم على المشاححة، بخلاف حقوق الله تعالى التي تقوم على المسامحة.

فهذا الذي نراه من الإيذاء، والتعدي، والتحرش، شيء مؤسف، ومحزن، ومقلق جداً، لي، ولك، ولسائر المجتمع.

ولذلك من الأهمية بمكان أن نتكلم عن بعض المكامن التي تقوي الإرادة، وتضبطها، وتدفع بالإنسان إلى التحكم بنفسه، وتجعله يراجع سلوكه، ويحاسب نفسه، ويقدر أعماله…

فمن أين ينطلق؟!

هل ينطلق من مراقبة الله تعالى، أم من حب المجتمع، أم من تحمل المسؤلية، أم من احترام الذات؟!

الجواب: أنها كلها أمور مشتركة، تتعاون في تشكيل هذا الشخص الطيب، الذي نريد منه أن يكون عنصراً إيجابياً في المجتمع.

وقبل الاسترسال في موضوعنا، وبيان القيمة التي تضبط السلوك، وتمنع الشباب من إيذاء الآخرين، أو وقوع أي منكر، أود التنبيه على نقطة مهمة في هذا المجال، اشتكى منها الكثيرون، ألا وهي: أن بعض الأسر تكون قاسية على أبنائها المتمردين بالعقوبة، مما يكون له أثر سلبي للغاية عليهم.

فأقول: إن معاقبة الأبناء نقطة داخلة في قضيتنا، فعندما يقع الابن في خطأ، كإيذاء عائلة في السوق، أو تحرش بفتاة في الجامعة، أو غير ذلك، فلا شك أن الأب ينزعج من ذلك كثيراً، ويتأثر من هذه المواقف السيئة التي تجلب له السمعة السيئة، ولكن مع ذلك نقول: العقل مطلوب في التعامل مع هذه المواقف، وهناك عدة خطوات يمكن استخدامها لحل المشكلة، دون اللجوء إلى العنف، والضرب، وغيره، وكل ابن له طريقة، وكل شخصية لها معالجة خاصة.

لكنني في المقابل أقول: أرجوكم أيها الشباب، فأنتم تؤذون آباءكم، وتسببون لهم حرجاً عظيماً بتصرفاتكم غير المسؤولة، فالذي يقع في الخطأ منكم يحرج والده، ويحرج والدته، ويسيء لنفسه قبل كل ذلك، لأنه يصنع لنفسه تاريخاً سيئاً، ومستقبلاً مظلماً!!

فإياك أيها الشاب، وأيتها الفتاة، أن تضطروا آباءكم لاتخاذ قرارات تندمون أنتم عليها أولاً، ويندمون هم عليها ثانياً!

ومن القصص الواقعية التي تذكر في هذا المقام: ما ذكره الدكتور محمد العريفي من أن فتاة كانت تدرس في مدرسة خاصة، ولما تخرجت منها، طلبت من والدها أن يشتري لها سيارة، وكان والدها يحبها كثيراً، ولا يرفض لها طلباً، لكنه في الوقت ذاته يخاف عليها، فحاول اقناعها، لكنها أصرت على موقفها، لعلمها بضعف والدها أمام توسلاتها، ودمعاتها، فاستجاب لها، وتحمل دَيْناً لأجلها!!

فهل انتهى الأمر عند هذا الحد؟! كلاّ!!

جاء الصيف بزهوه، ولهوه، وسفراته، فإذا بالفتاة مرة أخرى تستخدم سلاح الدموع، وتقول لوالدها: أريد السفر مع مجموع موثوقة من صديقاتي إلى لندن!! لماذا؟! ندرس لغة!!!

فقال لها: يا بنيتي، هذا أمر صعب جدًّا، فهذه سفرة غير ضرورية، ثم إن الأمر فيه حكم شرعي، فكيف تسافرين بدون محرم إلى تلك الديار؟! ونحن لا نعرف صديقاتك اللاتي ستذهبين معهن.

وبدأ يكلمها أدباً، وأمناً، وشرعاً، وإذا بالدموع مرة ثانية.

فما كان من هذا الوالد إلا أن استجاب لرغبتها، ولكن بشرط أننا نسافر أولاً إلى مكة لأداء العمرة، ثم بعد ذلك تسافرين إلى لندن!!

كادت الفتاة أن تطير من الفرحة، وفعلاً جهزوا أغراض السفر، وانطلق الرجل باتجاه مكة بسيارته، وبينما هم في الطريق، إذا بالرجل ينزل على طريق ترابي! لماذا؟!

فقال: إن لنا أقارب في هذه البلدة، لم أرهم منذ عشر سنوات، أحببتُ أن نزورهم، ونسلم عليهم، ثم نكمل طريقنا.

هذا ما صوّره الأب لهم، ولكن الحقيقة خلاف ذلك، فقد كان الرجل يكتم أمراً آخر، لن يبوح به للأسرة إلا في وقته، وهذا الأمر قد ألجأته إليه ابنته، فماذا الذي كان ينوي فعله؟!

قبل أن يسافر الوالد، اتصل في ابن عمه الذي يسكن في تلك البلدة، وسأله عن أحواله، ثم سأله عن ابنه فلان الذي يجلس في البر، وعنده مجموعة من الجمال يتاجر بها، هل تزوج؟

فقال والده: لا، لم يتزوج بعد.

فقال صاحبنا: عروسه جاهزة!! فاتفق الرجلان على تزويج ذلك الشاب، من تلك الفتاة الناعمة، المتنعمة، صاحبة السيارة الفارهة، والعطورات الفرنسية، والكريمات، وغيرها!!

وفعلاً وصلت الأسرة إلى مضارب فلان! ودخل النساء عند النساء، والرجال عند الرجال.

فجاء الشاب مسلماً، فقال له والد الفتاة: زوجتك ابنتي على كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم!!

فقاله الشاب: قبلت.

وأعلن الزواج، ووصل الخبر للنساء، فجاءت الفتاة لا تعلم شيئاً، فقال لها والدها: مبارك يا ابنتي زواجك من فلان!!

في البداية ظنت الأمر مزاحاً، لكن ظنها لم يطل كثيراً، حتى علمت بصحة الخبر!! فكادت تجن، وتموت من هول الصدمة.

تشبثت الفتاة بعباءة أمها، ترجوها، تتوسل إليها، تبكي دما بدلا من الدموع، كيف تتركيني في هذا المكان الموحش؟!

لكن التوسلات، والآهات، والدمعات، لم تغير من الواقع شيئا، ولم تجد نفعا،فالفأس قد وقعت في الرأس، كما يقال.

نحن نقول: إن مثل هذا القرار لا شك أنه خطأ، وقد تكون مفسدته أكثر من نفعه، ولكن السؤال الذي يجب أن نواجه به أنفسنا: من الذي ألجأ هذا الوالد لمثل هذا القرار؟!

أليست ابنته؟!! إذن فلتتحمل نتيجة فعلها.

لكن يقدر الله تعالى أن يأتي الوالد بعد سنة لزيارة ابنته العروس، ليطمئن عليها، وإذا بها تخرج مستقبلة له بكل فرحة، وسرور، وقد تغيرت أحوالها، وتبدلت أوضاعها إلى الأحسن بفضل الله تعالى.

أعود لموضوعنا فيما يتعلق بمراقبة الله تعالى، فأقول:

إن الإيمان هو الضابط، وإن قاعدتنا تقول: إن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات والعبادات، وينقص بالمعاصي والسيئات، وكلما قوي الضمير الإيماني عند الإنسان، قوي ضبط السلوك، ولذلك نحن ننطلق من قاعدة الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فتصور لو أنا، وأنت، والموظف، والعامل، والمهندس، والطبيب، والمدرس، وكل الناس راقبوا الله تعالى في أعمالهم، فهل يجرؤ الإنسان على إيذاء الآخرين، وهو يعلم أن علام الغيوب يراقبه؟!

فاحذر أخي الحبيب أن يكون أهون الناظرين إليك في نفسك هو رب العالمين، قال الله تعالى: {ألم يعلم بأن الله يرى}؟! وقال عز من قائل: {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور}، وقال: {يعلم السر وأخفى}.

فهو سبحانه وتعالى يعلم مسارب النفس كلها، فلو أن الإنسان حقق عبوديته لله تعالى في هذا الوجود، لما انحرف هذا الانحراف.

ولذلك فإن من أعظم الأسباب التي تضعف الرقابة الإيمانية: الصحبة السيئة، التي تزهدك بفعل الطاعات، وتهون عليك ارتكاب السيئات، وتغرقك في قضية اللامسؤولية، ومن هنا نجد الناس يوم القيامة يتساءلون عن أصحابهم الذين كانوا في الدنيا، أين هم الآن؟! وماذا حل بهم؟!

يصور الله تعالى لنا هذا المشهد المهيب، فيقول جل وعلا: {فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون. قال قائل منهم إني كان لي قرين}، أي صديق ، ماذا كان يقول هذا القرين السيء لقرينه في الدنيا؟ {يقول أئنك لمن المصدقين}، هل أنت مصدق بمحمد، وبعيسى، وبموسى، وبنوح، وبالرسالات، وبالآخرة، وبالبعث؟!! هل أنت مصدق بكل ذلك؟! استهزاء، وسخرية، بذاك المؤمن، ثم يقول: {أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمدينون}، هل يمكن بعد أن أصبحنا ترابا، أن نعود من جديد، ونحاسب؟!

فماذا يقول هذا الصديق المؤمن يوم القيامة، وقد عاين النعيم، والجحيم، فبدأ يبحث عن ذلك القرين المكذب، قال: {هل أنتم مطلعون}، يقول لمن معه من أهل الجنة: دعونا نبحث عنه في جهنم، {فاطلع فرآه في سواء الجحيم}، أي وسط جهنم والعياذ بالله، أمر مؤسف، ومحزن جدا والله، أن يكون صديقك، أو قريبك، الذي كان معك في الدنيا، تراه الآن في جهنم، ولا تملك له نفعا.

فماذا قال المؤمن لذاك القرين المكذب؟ {قال تالله إن كدت لتردين}، أي كدت أن تهلكني، وأن تجعلني معك في هذا العذاب البئيس، لكن الله تعالى نجاني من ذلك، ثم يقول في نهاية هذا المشهد: {إن هذا لهو الفوز العظيم. لمثل هذا فليعمل العاملون}.

هذه صورة الصديق، والقرين السيء، الذي كان يحاول جر صاحبه إلى الهاوية معه، بسوء الخلق، وإيذاء الآخرين، والاعتداء على حرماتهم، فمن منا يرضى بذلك، ويرضى أن يكون مصيره ذلك المصير المشؤوم؟!!

لا أحد يتمنى ذلك أبدا، ولذلك الواجب على كل واحد منا أن يعرف علاقاته جيدا، ويمحصها، ويعرف النافع من الضار منها، ويربي نفسه على مراقبة الله تعالى في السر والعلن، ويزكي هذه النفس، ويضع في حسبانه أن ما تقدمه اليوم من خير او شر، ستراه غدا.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى