بيني وبينكم 2006

بينى وبينكم 2006 الحلقة الخامسة امريكي في الازهر ج 1

أمريكي في الأزهر ج1

في عام ١٩٩٩ كنت في مدينة طلسا في الولايات المتحدة الأمريكية، في جولة دعوية في عدد من الولايات الأمريكية، ألتقي فيها بالمراكز الإسلامية، والمساجد، والجامعات، والجاليات، وخلال هذه الجولة تعرفت على شاب أمريكي، اعتنق الإسلام عن قناعة عقلية، وإيمان قلبي يقيني، وأصبح إمام مسجد هناك، وقد عجبت من حرصه الشديد، ومحاولته الجادة على تمثل الإسلام عملياً، وعلى التكلم باللغة العربية، وبذل الجهد للنطق بها.

ومضت الأيام وإذا بي أراه في الكويت لإلقاء محاضرة عن الإسلام باللغة الإنجليزية للجالية غير المسلمة من الجنسيات المتعددة، فطلبت منه لقاء يلقي به الضوء على قناعته بهذا الدين، وعلى تجربته في دخوله في هذه العقيدة، وقد استجاب لذلك مشكورًا، إلا أنني تعجبتُ حينما جاء إلى اللقاء مرتديًا الثوب الأزهري!! فما الذي حدث يا صهيب؟ أنت أمريكي، وتلبس ثوب شيوخ الأزهر؟ هذا شيء عجيب!

وكانت بداية حواري معه أن قلتُ:

لا شك أنه قبل دخولك هذا الدين، واعتناقك للإسلام، كان لديك تصور ما عنه، فهل بالإمكان أن نعرف هذا التصور؟ وهل له علاقة بتصور الغربيين عن الإسلام؟

فقال:

إسلامي بدأ عندما كنت صغيراً، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل مولد يولد على الفطرة)، فعندما كنت طفلاً بدأت بتعلم الدين في الكنيسة، فكانوا يعلمون الأولاد في البداية قصص الأنبياء، فبدأت بهذه القصص، فوجدت أن الأنبياء جميعًا يعبدون الله وحده، ولا يشركون به شيئاً، من لدن آدم إلى يحيى عليهم السلام، ثم جاء عيسى عليه الصلاة والسلام، وإذا بالأمر يتحول ويصبح هو الرب، أو ابن الرب، تعالى الله عن ذلك، فوقعتُ في حيرة شديدة، فسألت أمي قائلاً: نحن مسيحيون نعبد عيسى، وعبادة عيسى هي مفتاح الجنة، فما بال الذين سبقوه بالإيمان، وبالدين، وما حالهم؟ وهل كانوا يعبدونه قبل مجيئه؟ فقالت: كلا. فقلت: وكيف يدخلون الجنة إذن وهم لا يعبدونه؟! فقالت لي: لا أدري!!

فكانت بداية إسلامي في هذا الوقت، وعندما بلغت ١٣ سنة، أو ١٤ سنة، تأثرت بكتاب لماكوم اكس رحمه الله تعالى، وعرفت حقيقة الإسلام، ثم التقيت ببعض المسلمين، وسألتهم عن هذا الدين، وكان تصوري  عن المسلمين قبل ذلك أنهم متخصصون في التفجيرات، والقتل، وضرب المرأة، ويحاربون التقدم والحضارة، وغير ذلك! حتى أن أستاذة في الكنيسة قالت لنا عن هؤلاء المسلمين: إنهم سيأتون إلينا بالسلاح، ويقولون: اتركوا عيسى، أسلموا تسلموا!! فكانت صورة الإسلام لدي في البداية سيئة جداً، حتى قرأت كتاب ماكوم اكس رحمه الله تعالى، فعرفت الحقيقة، والحمد لله أسلمت بعد ذلك في سن العشرين.

قلتُ:

وكيف كانت البدايات المباشرة لدخولك في الإسلام؟

فقال:

كنت فاسدًا فاجرًا، وكان لي بعض الأصدقاء يقرأون عن الإسلام ولكنهم لم يسلموا، وكانت عندنا سوق في ولاية أوكلاهوما، يوجد بها شيخ مسلم أمريكي، يلبس ثوبًا، وعمامة سودانية، فتعجبت منه، ومن شخصيته، وأخلاقه، فقد كان متميزاً جداً عن غيره من ناحية الأخلاق، والتعاون مع الناس، فتأثرت به جداً، فذهبت إليه، وسألته: من أنت؟ وما هو دينك، ومذهبك؟ فقال لي: نحن مسلمون. فقلتُ له: ولكنكم لا تحبون الرجل الأبيض؟ فقال: بالعكس، نحن نحب كل البشر، فالله تعالى يقول: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}، فالله سبحانه وتعالى خلقنا ليتعارف بعضنا على بعض. فتأثرت بجوابه هذا كثيرًا، ثم قال لي: إن أردت أن تقرأ شيئاً عن الإسلام فخذ هذا، وأعطاني كتيبًا صغيرًا جداً عن الإسلام، فأخذته منه، وقرأته في الحمام في البيت خوفاً من والدتي!! وعندما قرأت هذا الكتيب تعجبت كثيرًا؛ لأن هذا الكتيب شرح كل شيء عن الإسلام باختصار، وعرفت أن وظيفة الدين أن يبين للناس ما يريده الله سبحانه وتعالى، وكانت عندي أسئلة كثيرة جداً، مثل: من هو الله؟ ما هي وظيفة البشر؟ لماذا خلقنا الله سبحانه وتعالى؟ من هم الملائكة؟ من هم الرسل؟ ما هو يوم القيامة؟ ما هو القدر؟ وغير ذلك، فوجدت الإجابة الشافية في هذا الكتيب الصغير، فعلمت أن هذا هو الدين الحق؛ ولكنني أردت أن أزيد معرفتي حول هذا الدين، بعد أن نبت في قلبي حب الإسلام.

قلتُ:

وإلى أين وصلت بعد ذلك؟

فقال:

وصلت إلى البحث عن كتاب الله تعالى، فذهبت إلى المكتبة العامة، وأخذت القرآن باللغة الإنجليزية، وقرأته في بيتي ليلًا، وعندما قرأته تعجبت منه، وشرح الله صدري، ونور قلبي، وعرفت الحقيقة لأول مرة في حياتي، وذقتها، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، فعندما قرأت قول الله تعالى: {ذلك الكتاب لا ريب فيه}، قلتُ: هذا يعني أن الإنسان يؤسس حياته على الحقيقة، واليقين، فيكون قويًّا، ومن كان مع الله فهو على الحق.

وعندما قرأت في سورة الفاتحة: {الحمد لله}، فمن هو الله؟ وإذا بالجواب: رب العالمين.

أما السؤال عن وظيفتنا في هذه الدنيا، فكان الجواب: {وما خلقت الجن والإنس الا ليعبدون}.

وأما سؤال: كيف أعبدك؟ فالجواب: {إنا أرسلناك بالحق}.

فقرأت القرآن لمدة ستة أشهر تقريباً في الحمام خوفاً من والدتي، وكان عمري وقتها ١٧ سنة، وكان أبي يرى كتب إسلامية في المنزل، فقال لي: لماذا تقرأ هذه الكتب؟ فقلت له: لأقارن بين هذا وهذا، فأنا رجل مثقف! فقال لي: اقرأ فسوف تجد الحق أمامك كفلق الصبح. فقلت في نفسي: إنه لا يعلم أني أحب هذا الدين. وبعد ستة أشهر قرأت سورة المائدة، وعندما قرأت هذه السورة أسلمت في نفسي، قرأت قوله تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة}، وقوله: {فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً}، فقلت في نفسي: هذا هو الحق، فمن الي يستطيع منع الله سبحانه وتعالى من هذا؟ لا أحد، فقلت في نفسي: أنا مسلم، وأخبرت صديقتي بذلك. فقالت لي: أنت مجرم، ولست مسلماً!!

فانظر كيف يصور هؤلاء المسلمين؟

قلتُ:

هذا يعني أن التصور للإسلام مشوه، كما قال مراد هوفمان المسلم الألماني في كتابه: “الإسلام في الألفية الثالثة”: إنه ما من إنسان غربي إلا وصورة الإسلام في ذهنه شائهة جداً!

ولذلك فإنك من أجل أن تدعو لهذا الدين، فلا بد أن تمحو الصورة الشائهة عنه أولاً، ثم تضع الصورة الصحيحة.

وماذا حدث بعد ذلك؟

فقال:

ذهبت إلى المسجد، وكنت أظن أنني بمجرد دخولي المسجد فأنا مسلم، ولم أخبر أحدًا بإسلامي، ولم أكن أعرف شيئًا عن الصلاة، أو الصيام، أو الحج، فجلست في المسجد، والناس يصلون، وأردت أن أصلي معهم؛ ولكن لا أعرف كيف أصلي، فقمت مستحياً، فجاءني رجل وقال: هل أنت مسلم؟ فقلت لهم: نعم أنا مسلم! فتعجبوا جميعاً من ذلك. فقالوا: ومتى شهدت شهادة الإسلام؟ فقلت: وما معنى الشهادة؟ فقالوا: أن تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. فقلت: أنا جاهز، فشهدت شهادة الحق، وأسلمت لله رب العالمين، وبمجرد أن نطقت الشهادتين كأن قلبي غُسل بالنور، وشعرت بأشياء كثيرة لا يمكن أن أستبدلها بأي شيء من هذه الدنيا، وصدق الله تعالى إذ يقول: {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها}.

قلتُ:

وكيف واجهت أسرتك؟

فقال:

لم أخبرهم لمدة أسبوعين؛ لأنني كنت خائفاً منهم، فكيف أقول لهم: لقد أسلمت، وأبي، وأمي، وأخي، يتصورون هذا الدين بأسوأ صورة؟ فكنت تحت ضغط نفسي كبير، فكان إسلامي في البداية صعبًا.

قلتُ:

وكيف اكتشفوا أمرك؟

فقال:

في عيد الشكر حضر أخي الأكبر مني سنًّا إلى البيت، وبصحبته صديقته ليعرفها علينا، فهو ينوي أن يتزوجها، وكانت أمي قد طبخت الخنزير يومها، ووضعته أمامي، وهي لا تعلم أنني مسلم، فكنت خائفًا وقتها من إخبارهم، وكان على المائدة ديك رومي، فقلت لهم: أنا أفضل أن آكل من الديك الرومي، ولكن وكما تعلم طريقة الأمهات أنها تقدم لولدها بعض الطعام وتقول له: ذق يا حبيبي، فقد قالت لي أمي وقتها وكان اسمي وليم: يا وليم ذق هذا الخنزير! فبدأ قلبي يدق بسرعة، فقال أبي بصوت مرتفع، وبلهجة المتهكم: أخبرنا عن محمد يا وليم!! من هو محمد؟ وما دينه؟ فأجبته على الفور وبدون تفكير: أنا مسلم!! وكان هذا التصرف مني خطأ كبيرًا؛ ولكنه لم يكن لدي الوقت الكافي لأتعلم كيف أخاطبهم، وأحاورهم، فقلت: لقد أسلمت، وذقت الحقيقة، ورأيت نور الله تعالى، وحدثني أحمد ديدات، وأخبرني أحمد ديدات!! وبدأت أجادلهم جدالاً شديداً جداً، فوقفت والدتي، ونظرت إلي، وقالت: كيف فعلت ذلك؟ فخرجت بسرعة إلى غرفتي، وجلست لوحدي، وتأملت ما حدث، وأنني أخطأت في تصرفي هذا، ولكنني بحمد الله لم أتركهم، بل كنت باراً بهم، وهذا ما نصحني به أحد المشايخ، حيث قال لي: لا تتركهم أبداً، وكن معهم، وبيّن لهم هذا الدين، وأخلاق محمد صلى الله عليه وسلم حتى تثير في قلوبهم حب هذا الدين.

قلتُ:

لأن المعاملة توضح الصورة، فكثير من الناس يسيؤون إلى مبادئهم، وإلى عوائلهم، وإلى عقائدهم بالمعاملة الفجة السيئة للآخرين.

وكيف تكيفت مع الأسرة، وتقبلوا أمرك؟

 

فقال:

استمر هذا الوضع لمدة ست أشهر أو سنة، وكنت قد عقدت العزم على الاجتهاد في دراستي في الجامعة، والحصول على أعلى درجة، وقد تم لي ذلك والحمد لله، وعندما علم والدي بذلك كاد أن يبكي! بمعنى: ماذا فعل هذا الدين مع ابني؟

وبعد ذلك أصبحت الآن العلاقة جيدة جداً والحمد لله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى