بيني وبينكم 2006

بينى وبينكم 2006 الحلقة الخامسة عشر المراقبة

المراقبة

ما الذي يضبط سلوك الإنسان عن الانحراف أو التجاوز؟

سواء أكان هذا الانحراف يخص الانحراف الفردي السلوكي، أو كان هذا التعدي ينصرف إلى حقوق الناس.

وسواء أكان هذا الانحراف في دائرة مغلقة متكتم عليها، أم أنه كان في العلن مجاهرة علانية.

هل الضابط لذلك هو الضمير، أم فلسفة الأخلاق، أم القانون، أم العرف، أم العائدات والتقاليد، أم الدين والعقيدة؟

بلا شك أن كل ذلك مؤثر، وتتفاوت المسألة؛ لأننا نتكلم عن سلوك إنساني مركب معقد، مفتوح الاحتمالات؛ الإنسان ليس واحداً، وإنما هو مزيج من تلك التراكمات، والخبرات، والثقافات المتعددة، والبيئات المتنوعة، التي تشكل الضابط السلوكي عنده.

إلا أنني سأذكر ضابطاً سلوكياً يقوِّم سلوك الواحد منا، كبيراً كان أو صغيراً، رجلاً، كان أو امرأة، بمعنى أي إنسان مدرك عاقل، فما هو هذا الضابط يا ترى؟

إنه مبدأ عظيم يسمّى في العقيدة: مبدأ مراقبة الله تعالى.

نحن نعلم أن قضية الرقابة تزداد اليوم في المجتمعات المدنية المتطورة، وكلما كانت الأماكن أكثر حساسية، وذات أهمية قصوى، فإن الرقابة تزداد أكثر وأكثر، فقد رأينا عبر التكنولوجيا المتطورة كيف تكون الرقابة عن طريق البصمة، أو عن طريق الكاميرا، أو عن طريق الساتلايت، ولكن لماذا كل ذلك؟

من أجل معرفة، وتوقع سلوك الإنسان، وحماية الذات، وضبط الاجتماع، وما يترتب على ذلك من مصالح،….

ولكن،،،

هل تستطيع المدنية المعاصرة أن تجعل على رأس كل واحد كاميرا؟!

هل يستطيع القانون أن يجعل على رأس كل إنسان شرطي؟!

أظن الجواب واضح ومسلَّم، لكنّ الضمير يستطيع ذلك! فهو يضبط الإنسان، وهنا يأتي السؤال المهم: من يربي الضمير؟

تتفاوت النظريات التربوية في الإجابة على هذا السؤال، أما في شرعنا وديننا فالمسألة محسومة، فهو مبدأ المراقبة.

كلنا يسمع بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله،…) أحد هؤلاء السبعة: (ورجل دعته امرأة ذات منصب، وجمال)، ماذا يريد أكثر من ذلك؟ منصب لكي تؤمنك، وجمال لكي يغريك، والدعوة من جهتها، فما الذي يمنعه؟

الإنسان الذي ليست لديه قيم ومبادئ لا شك أنه سيعتبر هذه فرصة لا تعوض، فيبادر إلى انتهاك الحرمة، وفعل المحذور، إلا أن صاحبنا في الحديث كان له رأي آخر، وموقف مغاير!! فماذا فعل؟! (ورجل دعته امرأة ذات منصب، وجمال، فقال: إني أخاف الله!).

فأين هم الذين يخافون الله تعالى؟ هل أنا، وأنت، وأنتِ ممن يخاف الله تعالى؟ وما هي درجة هذا الخوف؟ ثم ما نوع هذا الخوف؟

هل هو خوف رهبة فقط، أم أنه خوف حياء ممزوج بأمل، واستحياء من الله عز وجل؟

ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم ﻻ ظل إﻻ ظله: (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)، ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: (عينان ﻻ تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله)، هذا أيضاً معنى من معاني المراقبة التي تضبط السلوك.

حُدِّثْتُ عن واحد من أبنائنا الطيبين من الشباب، في عصر الشهوات، وتوسيع دائرة المنكرات، وتسهيل الفساد التكنولوجي، والحاسوبي على الناس، هذا الشاب جالس بالليل لوحده يستعد للنوم، ويريد أن يغلق هاتفه، وقبل أن يغلق الهاتف إذا به يرن، رد قائلاً: نعم. وإذا بواحدة تقول: ألو، فقال: ألو، فقالت له: من معي؟ فقال لها: أنتِ من؟! قالت: واحدة أحب أن أتعرف، فقال لها: تتعرفين على من؟ قالت: عليك، فقال: أنا لا أتعرف على أناس ليس بيني وبينهم أي عقد شرعي! قالت: لماذا؟ فقال: لأن الهاتف مراقب! فقالت: أنا أول مرة أواجه رجلاً يخاف! فقال لها:  لو تعرفتين من الذي يراقب الخط لخفتِ معي. فقالت: ومن الذي يراقب؟ فقال: الذي يراقب خطوط الدنيا كلها! إنه الله رب العالمين!! فأغلقت الهاتف، وعلمت أن هناك مراقبة أخرى غير مراقبة المباحث، أو مراقبة السنترال.

المراقبة دليل على معرفة الله سبحانه وتعالى.

المراقبة دليل على أنك من الذاكرين لله تعالى، فلو لم تذكره ما راقبته سبحانه.

المراقبة دليل على أن قيمة الحياء، ومعنى الحياء تمتزج، وتتشرب في جسدك، {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا}.

هذا الشعور الذي جاء لتلك المرأة التي ضعفت أمام إغراء ذلك الرجل، فقال لها: ليس هناك أحد يرانا! ليس إلا أنا، وأنتِ، والكواكب. فقالت له: ولكن أين مكوكبها!!

نعم، لقد نسي الخلّاق سبحانه؟ نسي الذي خلقنه، وخلقها، وخلق الكواكب، وخلق الخلق أجمعين.


وإذا خلوت بريبة في ظلمة
فاستحيِ من نظر الإله وقل لها
  والنفس داعية إلى الطغيان
إن الذي خلق الظلام يراني

 

يراني في مساء وصباح، يراني في نوم واستيقاظ، يراني في نشاط وكسل.

ذكر الإمام الشاطبي في كتابه: (الاعتصام)، قال: عن أبي الحسن القرافي الصوفي، عن الحسن: أن قوماً أتوا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقالوا: يا أمير المؤمنين! إن لنا إماماً إذا فرغ من صلاته تغنى!! فقال عمر: من هو؟ فذكر له الرجل، فقال: قوموا بنا إليه. قلتُ: وهذا يدل على أننا يجب أن نتحقق من التهم التي تلقى على الناس، والشائعات التي تنتشر بين البشر.

قال: فإنا إن وجّهنا إليه، يظن أنا تجسسنا عليه أمره. قلتُ: وهذا دليل على احترام كرامة الآدميين، والقيم المعنوية للإنسان، والتقدير الذاتي له.

قال: فقام عمر مع جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أتوا الرجل وهو في المسجد، فلما أن نظر إلى عمر قام فاستقبله، فقال: يا أمير المؤمنين! ما حاجتك؟ وما جاء بك؟ إن كانت الحاجة لنا، كنا أحق بذلك منك أن نأتيك، وإن كانت الحاجة لك، فأحق من عظمناه خليفة خليفة رسول صلى الله عليه وسلم. قال له عمر: ويحك! بلغني عنك أمر ساءني! قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ فإني أعينك من نفسي. قال له عمر: بلغني أنك إذا صليت تغنيت. قال: نعم يا أمير المؤمنين! فقال عمر: أتتمجن في عبادتك؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، ولكنها عظة أعظ بها نفسي. فقال عمر: قلها، فإن كان كلاماً حسناً قلتُه معك، وإن كان قبيحاً نهيتك عنه. قلتُ: وهذا غاية العدالة، والتحقيق، وإنصاف الناس، والسماع من كل الأطراف.

فقال:

وفؤاد كلما عاتبته عاد                   في الهجران يبغي تعبي

ﻻ أراه الدهر إلا لاهياً                    في تماديه فقد برح بي

يا قرين السوء ما هذا الصبا          فني العمر كذا في اللعب

وشباب بان عني فمضى                قبل أن أقضي منه أربي

ما أُرجِّي بعده إلا الفنا                 ضيق الشيب علي مطلبي

ويح نفسي لا أراها أبداً               في جميل ﻻ، ولا في أدب

نفس لا كنت ولا كان الهوى    راقبي المولي وخافي وارهبي

فقال عمر:

نفس لا كنت ولا كان الهوى     راقبي المولى وخافي وارهبي

ثم قال عمر: على هذا فليتغن من غنى!!

مشهد لإنسان يخلو بنفسه، ويذكّر قلبه، أرجوك أيها القلب لا تغويني، لا تبتعد عن الحق، كن معي، أعنّي على الطاعة، قوِّ إرادتي.

بهذه المعاني الجميلة نقترب من معنى المراقبة، المراقبة التي يقول فيها الإمام الحسن البصري رضي الله عنه: (رحم الله عبداً وقف عند همّه، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخر).

انظر إلى همك، وتفكيرك، إلى أين أنت ذاهب؟

حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم يوم القيامة.

من أعظم النصوص الشرعية التي تذكرنا بمعنى المراقبة ذلك الحديث الجميل الذي يقول فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، إلى أن قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». وفي نهاية الحديث: قال: ثم انطلق فلبثت مليًّا، ثم قال لي: «يا عمر أتدري من السائل؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم».

فالإحسان هو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، درجتان الأولى: كأنك تراه، وبما أن رؤية الله تعالى مستحيلة في الدنيا، إذن ننتقل إلى الدرجة الثاني: فإنه يراك.

لو كل واحد منا عبد الله كأنه يراه، أو كانت العبادة في الدرجة المعقولة وهي أنه سبحانه يرانا، لخفّت وقلّت كثير من هذه التجاوزات في حياتنا اليومية الخاصة، في بيوتنا، وفي حياتنا العملية، سواء مع الناس في حركة الاجتماع، أو في وظائفنا، من الحاكم إلى المحكوم، من الوزير إلى الوكيل، من رئيس المؤسسة إلى أصغر عامل، لو كنا نؤمن يقيناً بأن الله سبحانه وتعالى يرانا لتمسكنا لا أقول: بالقانون، وإنما بالقيمة، لأنه كلما زادت ترسانة القوانين، فإن ذلك دليل على أن ضمائر الناس مختلّة، ودليل على تراجع المجتمع قيمياً.

ولننظر إلى هذا المشهد الذي يجسد لنا حقيقة المراقبة لله تعالى:

ذكر الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين: عن عبد الله بن دينار قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى مكة، فعرسنا -أي نزلنا- في بعض الطريق، فانحدر عليه راع من الجبل، فقال له عمر: يا راعي بعني شاة من هذه الغنم. فقال: إني مملوك! فقال: قل لسيدك: أكلها الذئب! فقال: فأين الله؟!! قال: فبكى عمر رضي الله عنه، ثم غدا إلى المملوك فاشتراه من مولاه وأعتقه، وقال: أعتقتك في الدنيا هذه الكلمة، وأرجو أن تعتقك في الآخرة.

يقول الإمام جار الله الزمخشري:

 يا من يرى مدّ البعوض جناحها
ويرى نياط عرقها في نحرها
ويرى ويسمع ما يرى ما دونها
انظر لعبد تاب من فرطاته

 

  في ظلمة الليل البهيم الأليل
والمخ في تلك العظام النّحّل
في قاع بحر زاخر متجندل
ما كان منه في الزمان الأول

 

يقول: ارحمني يا رب، فقد عرفت قدرك، وعظمتك، وأنك تعرف دقائق الأمور، ولا يغيب عنك شيء، فأنا أشهد لك بهذا العلم، وهذه الصفة العظيمة، وبكمال قدرتك سبحانك، وطلاقة معرفتك، أطلب منك شيئاً واحداً: انظر لعبد تاب من فرطاته ما كان منه في الزمان الأول.

فلنستثمر جميعاً معنى وحقيقة مراقبة الله عز وجل، نخاف من الكاميرات، نخاف من المسؤول، نخاف أن يفوتنا التوقيع في العمل، نخاف من عيون الناس، من عيون الأب، من عيون الزوج، من عيون الابن، من عيون الناس كلها، أﻻ نخاف من العين التي ﻻ تنام؟ بل لا تأخذها سنة، ولا نوم؟

كلنا يحتاج إلى أن يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه، فإنه سبحانه يرانا، يراك يا مفطر في رمضان، يراك يا غشاش، يراك يا خائن، يراك يا متجسس، يراك يا آكل أموال الناس بالحرام، يراك يا كل من ارتكب كبيرة، أنا، وأنت، وهو، وهي، أما آن لنا من توبة صادقة؟

أسال الله لنا ولكم العافية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى