بيني وبينكم 2006

بينى وبينكم 2006 الحلقة الخامسة والعشرون من وحي القبور ج 1

من وحي القبور ج1

في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: (إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة).

كلمة تُذكركم الآخرة هي المقصد النهائي، والمطلب الكلي من قضية زيارة القبور، والذهاب إلى تلك الأماكن الموحية، فيخشع القلب، وتدمع العين من وحي القبور.

هل من شك عند أحد منا أنه سينتهي به المطاف إلى تحت أطباق الثرى؟!

أبدًا، لكن المشكلة في المفهوم الخاطيء، والفكرة السقيمة، بأن هذه الخطوة هي نهاية مرحلة الإنسان، ومشواره، كلا، فالموت ما هو إلا انتقال لهذا الإنسان من مكان إلى مكان آخر، وليس نهاية الطريق، يكون الإنسان فيه حيًّا حياة أخرى.

ولأننا نعيش في ظل حياة مادية، وغفلة تضرب بجذورها في قلوبنا، وتتشعب في حركتنا في مناشط حياتنا، جئت لأقول لكل إنسان منا، وأنا منكم:

تعالوا نذكر أنفسنا، ونرقق قلوبنا، ببعض الأحاديث والآثار، التي تعرفنا حقيقة هذه الدنيا، وتجعلنا نقف منها الموقف الصحيح.

يقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب).

معلوم أن وادي الذهب ليس يكفي الإنسان فحسب، بل سيكفيه، ويكفي ذريته إلى يوم الدين، ولكن طبيعة النفس الطماعة، التي تحب الاستكثار من كل شيء، تطلب المزيد على ذلك، ولو كانت بغير حاجة! فهذا الجوف الذي لا يشبع لا يملأه إلا التراب، يعني: إلا القبر! هذه الخاصية لا يعرفها حق المعرفة إلا من ملك، وتربع على عرش الملايين، فهو مع كل ذلك يُصاب بشهوة طلب المزيد.

رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحرص على زيارة المقابر، وكان يزور قبر والدته، بل إنه مرة ماتت امرأة كانت تنظف وتقم المسجد، فدُفنت مساء، ولم يخبروا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، كراهة إيقاظه، وإزعاجه، فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بموت هذه المرأة غير المعروفة لنا، طلب من أصحابه أن يدلوه على قبرها، فذهب عليه الصلاة والسلام إلى قبرها، وصلى عليها فيه، وقال: (إن هذه القبور مليئة ظلمة على أهلها، وإن الله عز وجل منورها لهم بصلاتي عليهم).

وهذا تشريع بإباحة، وندب، ذهاب الإنسان للمقبرة؛ يُذكر نفسه، ويدعو لهؤلاء الذين أصبحوا تحت أطباق الثرى، والذين لا ندري ما هي أحوالهم؟ ولكن المأمول هو رحمة الله سبحانه وتعالى.

وهذا عثمان بن عفان الصحابي الجليل، كان إذا ذُكر القبر يبكي بكاء شديداً، وإذا ذُكرت الجنة لا يبكي، فقيل له في ذلك، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه)، فالخطوة الأولى، ومقدمة المشوار الطويل الذي نهايته خلود إما إلى جنة، وإما إلى نار، وإن من لم ينجُ منه فما بعده أشد منه، هو القبر، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما رأيت منظراً قط إلا القبر أفظع منه).

فتعالوا بنا نقف مع العظات والعبر من وحي القبور، هذه الأماكن التي ليس فيها مجاز، ولا تأويل، بل الحقيقة شاخصة معبرة فيها، لكل من كان له قلب حي يحس به، ويأخذ العبرة لحياته.

مر الإسكندر الأكبر بمدينة قد ملكها ملوك فبادوا، فقال: دلوني على من بقي من ذرية الملوك، فقالوا: لم يبقَ أحد من الملوك، ولا من ذويهم إلا واحد، فقال: أين هو؟ فقالوا له: إنه يلازم المقابر، فدُلّ عليه، فقال له: ما شأنك ولزوم المقابر؟ فقال كلمة غاية في البلاغة، قال: أردت أن أميز عظام الملوك عن عظام غيرهم، وعبيدهم، فوجدتهم سواء!

يقول: أنا رأيت عظام الملك، وعظام العبد، رأيت عظام صاحبات السلطان والدلال في القصور، وعظام الوصيفات، والحواري، فما رأيت تمييزاً بين عظم هذه وتلك، ولا فارقاً بين عظم ذلك الملك العظيم، وذلك الخادم، والبواب، والحارس الفقير المعدم! فانتبه الإسكندر وقال له: هل لك أن تأتي معي، وتتبعني، فأحيي بك شرف آبائك إن كانت لك همّة؟ فقال: نعم؛ ولكني لا أعتقد أن همّتي عندك! فقال له: وما هي همّتك؟ فقال: همتي أن أجد حياة لا موت فيها، وشبابًا ليس معه هرم، وغنىً ليس معه فقر، وسرورًا ليس معه مكروه! فأُسقط في يد الإسكندر وقال: أما هذه فلا أستطيع عليها. قال: إذن دعني مع الذي يملكها.

ما أروعها من كلمات لمن عقلها ووعاها.

رحمه الله الأديب مصطفى صادق الرافعي عندما قال في كتابه: “حديث القمر“: وترى القبر حفته الزهور، وتحته عفن دفين!

دخل أحدهم المقبرة، فقال:

أتيت القبور فناديتها              فأين المعظم والمفتخر

وأين المذل بسلطانه              وأين المعز إذا ما أمر

تفانوا جميعاً فما من مخبر    وماتوا جميعاً ومات الخبر

تروح وتغدوا بنات الثرى   فتمحوا محاسن تلك الصور

فيا سائلي عن أناس مضوا       أمالك فيما مضى معتبر

 

في كتاب “العاقبة في ذكر الموت“، للإمام الإشبيلي يقول: مر رجل مسافر بغلام في صحراء، فقال له: يا غلام، أين العمران؟ فقال له: اصعد الرابية – أي التلة -، تشرف على العمران، فصعد، فأشرف على قبور! فرجع إليه، فقال: سألتك عن العمران، فدللتني على القبور! فقال: إني رأيت أهل هذه الدنيا يُنقلون إلى تلك، ولم أرَ أحدًا من تلك يُنقل إلى هذه، وإنما ينتقل من الخراب إلى العمران، ولو سألتني عما يواريك، ويواري دابتك، لدللتك عليه.

وسُئل بعض الزهاد عن أبلغ العظات، فقال: النظر في محلة الأموات.

وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه دخل يومًا المقبرة مع أصحابه، فقال: السلام عليكم أهل الديار الموحشة، والمحال المقفرة، أنتم لنا سلف، ونحن لكم تبع، وبكم عما قليل لاحقون، اللهم اغفر لنا، ولهم، وتجاوز عنا، وعنهم، طوبى لمن ذكر المعاد، وعمل للحساب، وقنع بالكفاف، ورضي في جميع أحواله عن الله تعالى، ثم قال: أيها الموتى، إن أموالكم قد قُسمت، وإن نساءكم قد نُكحت، وإن دوركم قد سُكنت، فهذا خبر ما عندنا، فما خبر ما عندكم؟ فدمعت عيناه، ثم التفت على أصحابه وقال: والله لو شاء الله لهم أن يتكلموا لقالوا: إن خير الزاد التقوى.

تزود من حياتك للميعاد        وقم لله وأجمع خير زاد

أترضى أن تكون رفيق قوم   لهم زاد وأنت بغير زاد

 

لماذا نذكر هذه الحوادث؟ ولماذا نذكر هذا المصير؟

لأن تذكر الآخرة، وتذكر الموت، ينبه الإنسان إلى خداع الأمل، وغرور الدنيا، فالإنسان في حركته في الحياة اليومية، والمشاغل الكثيرة، يكاد يصدق أنه يقف على أرض ثابتة، وأنه خالد في هذا الوجود! فإذا ما تذكر الموت، بموت قريب، أو زيارة مقبرة، فإنه يعلم عندها أن لهذه الحياة نهاية، فيعمل لما يعلم.

روى ابن أبي الدنيا في كتابه: “محاسبة النفس”، قال: كان قوم من أهل المدينة يجتمعون في مجلس لهم بالليل، يسمرون فيه، فلما قُتل الناس يوم الحرة، قتلوا، ونجا منهم رجل، فجاء إلى مجلسه، فلم يحس منهم أحدًا، ثم جاء الليلة الثانية، فلم يحس منهم أحدًا، ثم جاء الليلة الثالثة، فلم يحس منهم أحدًا، فعلم أنه قد قتلوا، فتمثل بهذا البيت:

ألا ذهب الكماة وخلفوني … كفى حزنًا بذكري للكماة

قال: فنودي من جانب المجلس:

فدع عنك الكماة فقد تولت… ونفسك فابكها قبل الممات

فكل جماعة لا بد يومًا …    يفرق بينها شعث الشتات

 

لن يبقى أحد لأحد! هذه هي الرسالة التي نريد أن تصل لكل إنسان، ولذلك يقول بعض الصالحين: القبر يناديك يا ابن آدم: تضحك على ظهري، وغداً ستبكي في بطني، يا ابن آدم: تفرح على ظهري، وغداً ستحزن في بطني، يا ابن آدم: تأكل على ظهري، وغداً سيأكلك الدود في بطني!

فالموت كما قلتُ ليس انتهاء لحياة الإنسان، ولكنه انتقال إلى عالم آخر، فيه حياة أخرى، غير هذه الحياة التي نعيشها، ولذلك تساءل العلماء: هل يشعر الأموات بزيارة الأحياء؟

واستدلوا ببعض الآيات، والأحاديث، كحديث أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، حتى إنه ليسمع قرع نعالهم).

والبحث في هذه المسألة معروف ومشهور عند العلماء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى