بيني وبينكم 2006

بينى وبينكم 2006 الحلقة الرابعة علاج الحسد

علاج الحسد

فالحسد مرض، وجريمة، لكن الشيء المحزن أن ينتشر الحسد بين الناس لدرجة أن ينتشر بين الأهل، وبين الجيران، وبين المعارف في الوظيفة، فهي آفة عامة، تنطلق من النفس، وتفسد في الواقع، وصاحبها غير مرتاح؛ لأن بداخله مرضاً خطيراً.

ماذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر؟

إن النبي صلى الله عليه وسلم يعطينا معياراً مهمًّا، ويعطينا سمات القلب النقي الزكي، والنفس الرفيعة في مقاماتها الأخلاقية، فيُسأل عليه الصلاة والسلام: {أي الناس أفضل يا رسول الله؟ فيقول: كل مخموم القلب صدوق اللسان. قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال هو التقي النقي لا إثم فيه، ولا بغي، ولا غل، ولا حسد}.

فالقلب نظيف من تلك الرذائل مجتمعة، فهو إنسان صافي، ومن هنا فرق العلماء، بين ثلاث مراحل، أو ثلاثة معاني:

الأول: الحسد.

الثاني: الغبطة.

الثالث: المنافسة.

فالحسد كما قلنا هو: تمني زوال النعمة عمن يستحقها، ويشعر الحاسد بأسى من داخله، وتألم؛ لأن فلاناً عنده كذا، وأنا ليس عندي! وهذا هو الحسد الممنوع، المنهي عنه، والمحرم، بل إن بعض العلماء يدخله في دائرة الكبائر.

وأما الغبطة، فهي: أن تتمنى الخير والنعمة التي عند الآخر، مع بقاء الخير والنعمة عنده.

وأما المنافسة: فهو أن يتنافس الناس في عمل الخير، والمنافسة تكون في الواجبات، وتكون في المسنونات، بل وتكون في المباحات.

وهذه أمور لو وضعها الإنسان نصب عينيه، فإنه يكون في دائرة التوازن القيمي الأخلاقي بالفعل، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوالماذا؟

لأن التحاسد بغضاء، ولأن التحاسد أمنية شر بالآخر، ولأن التحاسد فجوة نفسية، ومن ثم سلوكية بين الحاسد والمحسود، فنحن لا نزال بخير ما دام الحسد غير موجود في نفوسنا.

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يجتمعان في قلب عبد: الإيمان والحسد)، فالحسد ضد الإيمان، ولا يمتزج بالإيمان.

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين، والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أنبئكم بما يثبت ذلك لكم؟ أفشوا السلام بينكم)، فعندما ينتشر السلام يخف الحسد، إن لم يزل.

وقد بين أبو حامد الغزالي في كتابه: (الإحياء) أن الحسد قد يقع من المؤمن، ولكنه إن وقع منه ذلك فالمخرج منه ألا يبغِ، ولا يظلم، حيث قال: أي إن وجدت في قلبك شيئاً فلا تعمل به، وبعيد أن يكون الإنسان مريداً للحاق بأخيه في النعمة، فيعجز عنها، ثم ينفك عن ميل إلى زوال النعمة، إذ يجد لا محالة ترجيحاً له على دوامها، فهذا الحد من المنافسة يزاحم الحسد الحرام، فينبغي أن يحتاط فيه، فإنه موضع الخطر، وما من إنسان إلا وهو يرى فوق نفسه جماعة من معارفه وأقرانه يحب مساواتهم، ويكاد ينجر ذلك إلى الحسد المحظور، إن لم يكن قوي الإيمان، رزين التقوى.

والمعنى أن المؤمن يحكمه إيمانه، وتحكمه قيمه، إذن الفرق بينه وبين الحاسد ضعيف الإيمان أو الفاسق أنه يفعل الإيذاء، ويوقعه بالآخرين إن سنحت له الفرصة، أما المؤمن الذي وقع منه الحسد فلا يبادر بإيذاء الآخرين؛ لأن عقيدته، وإيمانه، وقيمه التي ينتمي لها هي الكابح، والحاجز بينه، وبين الإيذاء، قال الغزالي: ولكن يعفى عنه –أي المؤمن الحاسد- في ذلك ما لم يعمل به إن شاء الله تعالى، وتكون كراهته لذلك من نفسه كفارة له. بمعنى أنه إن فرح بزوال النعمة عن أخيه فهو حاسد آثم.

وتعالوا بنا ننظر إلى مكانة هذا الإنسان مخموم القلب في مشهد عملي يحدث زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد جاء في الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة”، فطلع رجل من الأنصار، تنطف لحيته من وضوئه، قد تعلق نعليه في يده الشمال، فلما كان الغد، قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى. فلما كان اليوم الثالث، قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل مقالته أيضاً، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى، فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم، تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال: إني لاحيتُ أبي –أي جادلته وخاصمته-، فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثاً، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت؟ قال: نعم. قال أنس: وكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث، فلم يره يقوم من الليل شيئاً، غير أنه إذا تعار وتقلب على فراشه ذكر الله عز وجل وكبّر، حتى يقوم لصلاة الفجر. قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيراً، فلما مضت الثلاث ليال، وكدت أن أحقر عمله، قلت: يا عبد الله إني لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر ثمّ، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك ثلاث مرار: “يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة”، فطلعت أنت الثلاث مرار، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك، فأقتدي به، فلم أرك تعمل كثير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فقال: ما هو إلا ما رأيت. قال: فلما وليتُ دعاني، فقال: ما هو إلا ما رأيت، غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً، ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه. فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق.

أي هذا هو الجسر، وهذا هو السلم، والطريق، والوسيلة، والعبادة، هي التي بلغت بك أن تكون من أهل الجنة، وتستحق هذا العطاء الجزيل، والثواب العظيم.

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم مخاطباً أصحابه: (إذا فتحت عليكم فارس والروم، أي قوم أنتم؟» فقال عبد الرحمن بن عوف: نقول كما أمرنا الله -أي نقول الحمد لله، ونشكره على هذا الفتح، وهذه النعم-، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أو غير ذلك، تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون، أو نحو ذلك، ثم تنطلقون في مساكين المهاجرين، فتجعلون بعضهم على رقاب بعض).

واحدة تجر الثانية، فإذا دخلنا في التنافس وقع الحسد، وإذا وجد الحسد فإنه يوجد التدابر، وإذا وجد التدابر فإنه سينشأ في النفوس التباغض، فقاتل الله الحسد من مرض ما أقبحه.

وهذا الإمام الحسن البصري تلميذ الصحابة، الذي تتفجر الحكمة من على لسانه دائماً، وهو الذي قيل عنه: إن كلامه يشبه كلام الأنبياء، يقول: (يا بن آدم لم تحسد أخاك؟ فإن كان الذي أعطاه لكرامته عليه، فلم تحسد من أكرمه الله؟ وإن كان غير ذلك فلم تحسد من مصيره إلى النار؟!!).

وصدق رحمه الله تعالى.

ويقول حاتم الأصم كما يروي الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء: نظرت في الخلق، فأحببتُ ذا، وأبغضتُ ذا، فالذي أحببته لم يعطني، والذي أبغضته لم يأخذ مني شيئاً، فقلت: من أين أتيت؟ فإذا هو من الحسد، فطرحته، وأحببتُ الكل، فكل شيء لم أرضه لنفسي، لم أرضه لهم.

فالحسد في حقيقته سخط على الواقع، وكره لقضاء الله تعالى، وبغض لعدل الله تعالى، ومشاركة لإبليس؛ لأن إبليس حسد آدم عليه السلام، فالحاسد يدخل في سلك وجماعة إبليس.

والسؤال:

ماذا نصنع؟ وما هو المطلوب؟

أن الواحد منا عندما يرى نعمة فليقل: ما شاء الله، لا قوة إﻻ بالله، فيقدم الذكر، ويقدم التسبيح، هذا في حق الطالب والرائي.

وأما الطرف الآخر الذي قد يقع الحسد عليه، فالمطلوب منه أن يكون أيضاً من أهل الذكر، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعوّذ الحسن، والحسين رضي الله عنهما، فيقول: (أعيذكما بكلمة الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة”. ثم يقول: “هكذا كان أبي إبراهيم عليه السلام يعوّذ إسماعيل وإسحق، عليهما السلام).

إذن هي سنة نبوية متوارثة، نبي عن نبي عن نبي.

وقد ذكر الإمام بن القيم في مدارج السالكين عشرة أسباب يتخلص فيها الإنسان من الذي يصيب بالعين، أو من الحاسدين:

أولها: التعوذ بالله تعالى من شره، واللجوء والتحصن به، واللجوء إليه، لأنك بذلك تكون قد استعنت بصاحب القدرة المطلقة، وطلاقة الإرادة.

الثاني: تقوى الله وحفظه عند أمره ونهيه.

الثالث: الصبر على عدوه، وأن لا يقاتله، ولا يشكوه، ولا يحدث نفسه بأذاه أصلاً، فما نُصر على حاسده وعدوه بمثل الصبر عليه، والتوكل على الله.

الرابع: التوكل على الله.

الخامس: فراغ القلب من الاشتغال به والفكر فيه.

السادس: وهو الإقبال على الله، والإخلاص له، وجعل محبته، وترضيه، والإنابة إليه، في محل خواطر نفسه وأمانيها.

السابع: تجريد التوبة إلى الله من الذنوب التي سلطت عليه أعداءه.

الثامن: الصدقة والإحسان ما أمكنه، فإن لذلك تأثيراً عجيباً في دفع البلاء، ودفع العين، وشر الحاسد.

التاسع: وهو من أصعب الأسباب على النفس وأشقها عليها، ولا يوفق له إلا من عظم حظه من الله، وهو إطفاء نار الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان إليه، فكلما ازداد أذى وشراً وبغياً وحسداً، ازددت إليه إحساناً، وله نصيحة، وعليه شفقة.

ثم قال: وما أظنك تصدق بأن هذا يكون فضلاً عن أن تتعاطاه، فاسمع الآن قوله عز وجل: {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم}.

العاشر: وهو الجامع لذلك كله، وعليه مدار هذه الأسباب، وهو تجريد التوحيد، والترحل بالفكر في الأسباب إلى المسبب العزيز الحكيم.

إن الحسد داء، ومرض خطير، وصاحبه مسكين، فعليه أن يعالج نفسه، ويكابد في المعالجة، ويستغل المواسم الإيمانية في التخلص من هذه الآفة، أما الناس الذين يخافون من الحسد فعليهم أن يستعينوا بالله سبحانه وتعالى في صباحهم، ومسائهم، فلن يضرهم شيئاً.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى