بيني وبينكم 2006

بينى وبينكم 2006 الحلقة الرابعة والعشرون الغريق الحي ج 2

الغريق الحي ج2

قلتُ:

فما الذي حدث بعد ذلك؟

فقال:

كنت أردد قول الله تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم}، وفي تلك الأثناء اصطدم جسمي بقارب النجاة، وكنت قد رأيت في الليل لمبة مشتعلة، فاعتقدت أنها طائرة جاءت لإنقاذي؛ ولكنها في الحقيقة كانت قارب نجاة، وكنت في هذه اللحظات قد أصبت بالجهد والتعب الشديد، وشعرت أن عضلاتي بدأت تقف، ونفسي بدأ يتناقص قليلاً قليلاً، والعيون أغلقت، والآذان لم أعد أسمع بها إلا صوت الموج، فعندما اصطدمت بقارب النجاة، وأذا به حبل من الخارج، فأمسكت به، وبدأت أستعيد نفسي، وقد ارتحت قليلاً بعد الجهد، والتعب، والمشقة، ثم نظرت وإذا بشخص من الركاب الذين كانوا معنا في السفينة، فكان ينظر خارج القارب، فتحدثت معه، وقلت له: لو سمحت ارفعني إلى الداخل، فقال لي: لا أستطيع لأننا كثير، والوزن ثقيل، ولو رفعناك سنغرق!! لأن حمولة هذا القارب ما بين عشرة إلى خمسة عشرة شخصًا، على أكثر تقدير، إلا أنه كان يحمل ما يزيد على الثلاثين شخصًا!! فانتظرت نصف ساعة تقريباً حتى العشاء، ثم حاولت مرة أخرى مع هذا الشخص، وقلت له: يا أخي ارفعني حرام عليك! فقد تعبت كثيرًا، وأصبح الموت قريبًا مني! فقال له أحد الذين في القارب: ارفعه، فرفعوني، وكنت أعتقد أن أرضية قارب النجاة صلبة، وناشفة، لكنني وجدت القارب ممتلئ ماء، يضرب إلى الرقبة واتضح أن قارب النجاة مفتوح من الأسفل، والماء يداخله، وإذا بالناس يتخبطون فيه، وكان معهم شخص ميتًا!!

فجلست قليلاً في القارب، ثم جاءتني حالة هيجان داخلي بأنني أريد أن أنزل إلى البحر مرة ثانية! وفعلاً نزلت البحر مرة ثانية، وبقيت ممسكًا بالحبل فترة كبيرة، ثم وجدت نفسي قد بردت، لكنني استمررت على تلك الحال إلى أن جاء القارب الكبير، وكان عبارة عن عبّارة ثانية، جاءت حوالي الساعة العاشرة ليلاً، أو الساعة الحادية عشر.

قلتُ:

وماذا تذكر من المواقف المأثرة التي شاهدتها في رحلة الموت هذه.

 

 

فقال:

من المواقف التي لا زلت أذكرها كل لحظة، ولا يمكن أن تذهب من مخيلتي، موقف هزني داخلياً، فقد كان من جملة ركاب السفينة معنا طبيبة فاضلة معها ابنها الذي يبلغ من العمر ١٧ عامًا، فلما حدثت الكارثة، وصعد الناس إلى ظهر السفينة، بدأت هذه الطبيبة تتصرف بهدوء، وأخذت ابنها وألبسته طوق نجاة! لا أعلم من أين جاءت به! أما هي فلم تلبس طوق النجاة، ونادت الناس الذي ركبوا قارب النجاة: لو سمحتم خذوا ولدي هذا معكم! فأخذو الولد، واعتقدوا أنها ستذهب معهم؛ ولكنها تركت نفسها؛ لأن القارب كان ممتلئًا، وبقيت في السفينة حتى غرقت، رحمها الله تعالى! ونجا ولدها، وبعد أن نجينا سألت ولدها، وقلت له: أين والدتك؟ فقال: لقد افتدتني بنفسها! عندها بكيت كثيرًا.

قلتُ:

وهل من حوادث غريبة حدثت لك أيضًا؟

فقال:

هناك قصة غريبة عجيبة حدثت معي، فأنا من عادتي عندما أسافر ألا أخبر أحدًا حتى أصل إلى مكان قريب من بلدي بساعة أو ساعتين، فأقول لهم: إنني وصلت المنطقة الفلانية، فتكون لهم مفاجأة وفرحة، وفي هذا السفر فعلتُ ذلك، فلم أخبر والدتي، أو أحدًا من أهلي، أو حتى من أهل البلد بسفري، وفي الوقت نفسه الذي غرقت فيه العبّارة ليلاً، خرجت أمي من البيت، ووقفت في الشارع، وقالت: أنا أشعر أن ولدي غرقان!! فقالوا لها: وهل أنتِ تعلمين الغيب؟! فقالت: كلا، ولكنني أشعر بذلك، وقد جاءني هاتف فقال لي: إن ابنك انقلبت به السفينة!! وبعدها بساعة فتح إخوتي التليفزيون، وإذا بيان أن هناك عبارة تسمى عبارة السلام ٩٨ قد غرقت في البحر الأحمر!

فسبحان الله، كيف هو إحساس الأم بولدها، ولذلك يجب على كل شاب وشابة إن كان له والدة أن يبرها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، كما قال ربنا جل وعلا: {وقضي ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما}، ولربما أنني نجوت بسبب دعاء أمي لي.

قلتُ:

ولأجل هذه العبر والعظات وغيرها الكثير، كان هذا الحوار الممتع، لنقل العبرة للناس جميعًا، ولكل من يظن أنه ثابت على هذه الأرض، ولكل من غفل عن المصير المحتوم الذي ينتظره، فكلنا في غفلة أن هناك يوم مصير، وأن هناك حسابًا، وأن الموت يفجأ الإنسان، ولا يستأذن أحدًا، ولا يعرف المجاملات.

نريد أن نستثمر هذه المواقف والحوادث في إعادة بناء الذات، ومراجعة النفس، فيجب علينا جميعًا أن نعيد حساباتنا، وأن نقبل على الله تعالى، فالمصير مجهول، وساعة الصفر غير معلومة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى