بيني وبينكم 2009

بينى وبينكم 2009 الحلقة التاسعة الفيس بوك Facebook

الفيس بوك

حديثي في هذا المقال سوف يكون مباشراً، وبسيطاً أكثر من اللازم، سأتحدث مباشرة إلى الشباب والفتيات، وأبدأ بحادثة وأضع لها ولغيرها إطاراً عاماً عنوانه: أخلاقيات الرسائل الإلكترونية.

في أحد الأيام بعد انتهائي من محاضرة مادة الثقافة الإسلامية، أخذني طالب على انفراد وقال لي: يا أستاذ اسمح لي أن أطلعك على شيء، ولكن لا تزعل مني!

قلت له: ولماذا أزعل منك؟!

فقال لي: لأنه شيء حرام، شيء خطأ!

فقلت له: خيراً!!

فأخرج هاتفه، وقال: انظر، وإذا بشاشة الهاتف قد قسمت نصفين، النصف الأعلى فيه صورة فتاة شبه عارية، إن لم تكن عارية بالكامل، والنصف الأسفل فيه صورة فوتوغرافية لإحدى التائهات، الحائرات.

ما هذه الصورة؟

وإذا بالهاتف فيه أكثر من صورة، وكلها وصلت لهذا الشاب الطيب، عبر رسالة        إلكترونية (مسج).

ولكن ما المطلوب؟!!

تبين أن الصورة لذات البنت! والمطلوب استخراج الأخطاء السبعة بين الصورتين، ففي الصورة الأولى هناك وشم، وفي الصورة الثانية وشم، لكن الوشم هذا ناقص لوناً، لا يوجد في الوشم الثاني، وهنا وضعوا لها شامة، وهناك حذفت الشامة! وهكذا…

أرأيتم!! لعبة الأخطاء السبعة، أو قارن بين الصورتين المتشابهتين، وأخرج العناصر الخفية الدقيقة المختلفة بين النموذجين!!

فلم تعد المشكلة في التكنولوجيا، أو في النت، أو في الأجهزة، وإنما المشكلة في الإنسان مع ذاته، فهي مشكلة إنسان، فهو الذي يقرر، ويختار.

ولكن ماذا يريد هذا الطالب؟

يقول: والله يا أستاذ أنا لا أحب هذه الصور، ولكنها جاءتني، وهل تعلم يا أستاذ أن هذه الصورة انتشرت بالعشرات إن لم تكن بالمئات بين الشباب في الكلية!

فقلت له: أشكرك يا ولدي، وبارك الله فيك، والآن امسح هذه الصور، واستغفر لذنبك، وشكراً لك على هذه النصيحة التي تريد فيها الفائدة لذاتك، وللطلبة، ولمجتمعك، وللإنسان انطلاقاً من أخلاقياتك التي تربيت عليها.

وهنا نصيحة أوجهها لكل من يقوم على تربية الأجيال، ومن يتصدر توجيههم، وتدريسهم، فأقول: نحن اليوم لسنا بحاجة إلى هذا الكم الهائل من المعلومات التي تلقى على مسامع الطلبة، ولا يكون لها أدنى أثر على حياتهم وأخلاقهم.

فالفرق بين الحضارة، والمدنية، والثقافة، بين تعريف تايلور، وتعريف تي اتش لورانس للثقافة الغربية، وغير ذلك من معلومات، هذا كله كلام يحفظ وينسى، فالطالب أصبح مجرد مستودع وخزان معلومات يأتي يوم الاختبار ليفرغه على الورق دون فهم لكثير منه، ثم ينساه بعد ذلك!!

ليس هذا هو المطلوب، ولكن المطلوب عجن ذلك بقيم، وتطعيمه بحوادث، ومزجه بالواقع، وإسقاطه على ما يعيشه الإنسان، هذا الذي نريده في توجيهنا لأجيالنا، ولأنفسنا.

وأنتم أيها الشباب لا تكونوا أداة سوء، ولا تستقبلوا كل شيء، فإذا بعث لك إنسان رسالة سيئة سلبية، فقل له: لست أنا الذي تبعث له مثل هذه الرسالة، وأحذرك.

كن جادًّا، وقويًّا.

حادثة ثانية:

بعثت لي إحداهن رسالة على التليفون تقول فيها: الرجاء يا دكتور الاتصال للضرورة!!

فاتصلت بها: خيراً؟

فقالت: أنا طالبة، وواقعة في ورطة كبيرة، وأنا تعبانة نفسياً، ومحطمة، وقد مضى علي أيام لا آكل فيها، ولا أشرب، ولا أنام!! أرجوك أنقذني.

فقلت لها: وما مشكلتك؟

فقالت: هناك شخص قام بتصوير فيديو لي، وبدأ يساومني مالياً به، إذا لم تدفعي لي المبلغ الفلاني خلال هذه الفترة، فسوف أنشر هذا الفيديو في النت، وأفضحك، وأخرّب بيتك، وأنهي حياتك!!

وأنا خائفة جدًّا، وكنت أظن أن الأمر غير صحيح؛ لكنه أكّد لي ذلك، وثبت لي أنه صوّرني فعلاً!!

فقلت لها: ولكن أين صوّرك؟

فقالت: في شقة!!

فقلت لها: وهل هو زوجك؟

قالت: لا.

فقلت لها: لحظة من فضلك، قبل حديثي عن التصوير: أنتِ لماذا ذهبتِ معه إلى الشقة؟!!!

وبدأت أنصحها في غلطتها التي جرت عليها الويلات، فاعترفت بالخطأ.

فقلت لها: وكيف صوّرك؟

فقالت: لا أدري، ففي السوق هناك كاميرات صغيرة تباع.

فقلت لها: وعلى أي وضع صوّرك؟ وأنتِ متسترة، أم غير متسترة؟

فقالت: لا تسألني؟ هو صورني، ويريد أن يورطني الآن!! فماذا أصنع معه؟

فنصحتها أولاً بأن أخلاقها ضعيفة، ودينها ضعيف، وأن الذي جر عليها هذه المصيبة والكارثة أن علاقتها بأهلها كانت ضعيفة، ولبساطتها، وسذاجتها، وتفاهتها كذلك.

نحن كبشر تمر بنا لحظات نضعف فيها، أو نجبن، أو نتراجع إيمانياً، ولكن أن يصل الأمر إلى هذا الحد، فهذا شيء ينذر بالخطر.

فقلت لها: إما تعطيني رقم هذا الذئب لأكلمه بطريقتي الخاصة.

وإما أن تذهبي، وتقدمي فيه شكوى، ولكن احرصي أن يكون الأمر سرياً، حتى لا يتسرب الخبر، ويصل إلى أحد الصحفيين الذين يبحثون عن السبق الصحفي، وتقع المصيبة.

فقالت: وما رأيك أنت، وبماذا تشير عليّ؟

فقلت لها: سأعطيك رقم أحد أفراد المباحث الجنائية، فاتصلي عليه، وقولي له: أنا من طرف فلان.

فقالت: أكيد؟ فأنا خائفة!!

فقلت لها: اتصلي، ولا تخافي بإذن الله.

فاتصلت، وشرحت لهم قصتها، فتم القبض على ذلك الحيوان الآدمي، وأعطوه ذلك الدرس التأديبي الكبير، وقالوا له: سوف نراقبك، وستكون تحت المجهر، وإياك أن يتكرر من هذا الأمر مرة أخرى.

إلى غير ذلك من القصص والحوادث التي يندى لها الجبين.

هذا العالم الذي أتكلم عنه، وهو عالم الإنترنت مخيف للغاية، وهو أخطر بكثير من التلفاز!!

لماذا عالم الإنترنت أخطر من التلفاز؟

هناك مقال رائع للكاتب السيد نجم، بعنوان: أخلاقيات التعامل مع الإنترنت، نشر في مجلة فوانيس المغربية، يقول الكاتب فيه:

الإنترنت في طبيعته مختلف عن الفضائيات لعدة اعتبارات:

  1. الخصوصية.
  2. الوحدة في الخصوصية، فليست خصوصية جماعية، وإنما خصوصية، وحدوية أيضاً.
  3. هناك بريد خاص.
  4. هناك كلمات السر.
  5. وسيلة ذات اتجاهين، بخلاف التلفاز فهو وسيلة ذات اتجاه واحد.
  6. قضية المحادثة.
  7. إمكانية الوصول إلى عالم الممنوعات.
  8. سرعة التهرب، وعدم الوقوع في المصيدة.

إلى آخر ما في هذا الجهاز من خصوصيات.

أما أخلاقيات هذا الجهاز فهي نوعان:

أولاً: أخلاقيات المستخدم للإنترنت مع نفسه، بمعنى دينه، وأخلاقه، وما تربى عليه، والمعايير القيمية التي ينطلق منها، والحلال والحرام، كل هذه في مراقبة الذات، ومراقبة رب العباد.

فمن أنت؟

وماذا تريد؟

وما هو هدفك من الحياة؟

وما هي نظرتك لنفسك، وللآخرة، وللمستقبل؟

ثانياً: أخلاقيات المستخدم مع الآخرين، وهذه التي تفرز لها القوانين؛ ولكن قبل القوانين: أين أنت؟

إن القانون لا يصلح الإنسان، ما لم يكن عنده وازع داخلي يردعه، فالقاعدة الاجتماعية تقول: كلما زادت ترسانة القوانين في المجتمع (كاميرات مراقبة، شرطة)، فهذا دليل على تراجع أخلاقيات الناس، وأنهم لا يستقيمون إلا بالسُّوط، والقانون.

لماذا؟ لأن الضمير في تراجع.

من الكتب الجميلة جدًّا في هذا المجال، والذي يعالج كثيراً من هذه القصص، وهو كتاب أنصح به كل فتاة أن تقتنيه، وتنظر فيه من فترة لأخرى، كتاب: “معاً على الطريق“، تأليف الأستاذة هند بنت مستور.

إحدى قصص هذا الكتاب بعنوان: هذا غير!!

وملخص القصة أن فتاة وشت بها زميلة لها، وبعد تفتيشها، وجدوا بحوزتها هاتفاً مليء بالرسائل العاطفية!! هكذا يسمونها تهذيباً!!

ما الموقف التربوي الذي اتخذ بحق هذه الفتاة؟

حرمانها من الهاتف، وجلسة انفرادية معها في نصح، وحب.

ومن خلال هذه الجلسة تبين الآتي:

  1. العلاقة كانت منذ شهر تقريباً بين الفتاة، وبين الذي يراسلها رسائل عاطفية.
  2. التجربة كانت هي الأولى لهذه الطالبة، أي أن هذا الشخص هو أول شخص تتعرف عليه بالتليفون.
  3. تنتمي إلى أسرة متوسطة الحال، مكونة من أخ واحد، وثلاث أخوات، هي أكبرهم، وهذه هي المشكلة.
  4. هي شخصية هادئة، تسمع الكلام، وفيها طيب.

وهذا يفيدنا بأن الحوار العقلاني الهادئ الناصح يأتي بنتيجة طيبة.

جلست معها المربية، وقالت لها: يا بنيي؛ ألست مخطئة في هذا السلوك؟ ألا تعتبرين نفسك أخطأت في حق دينك، وأخلاقك، ووثوق أسرتك بك؟

أطرقت الفتاة رأسها، ولم تتكلم.

فقالت لها: أليس هذا الكلام صحيحاً يا بنيتي؟

قالت: نعم صحيح.

فقالت لها: وكيف استطاع أن يستدرجك بهذه الطريقة السهلة؟ بل وكيف استسلمت له بهذه السهولة؟

سكتت قليلاً، ثم التفتت، ورفعت رأسها، وقالت: ولكن يا أستاذة هذا غير!!

فقالت لها المربية وقد علت وجهها علامات الاستغراب والتعجب: كيف هذا غير؟!!!

فقالت: هذا حريص عليّ، وكلامه طيب، ويخاف عليّ، ويتمنى لي الخير، وإذا أطلت الغيبة عنه ولم أتصل به، فإنه يتعب نفسياً، ويخشى أن يكون قد أصابني شر، فهذا غير!!

فقالت لها المربية: هذا غير؟!! هذا مفتاح الشيطان، هذا حبل إبليس، هذا الفخ الذي ينصبه الشباب الذئاب لإسقاط البنات.

وكلهن يقلن هذا غير مع الأسف، هذا مختلف، فلو كان هذا الشخص غير الآخرين، وكان يريد الزواج منك كما تقولين، – وهذه هي الخدعة التي يلعب بها هؤلاء على البنات -، لطرق البيوت من أبوابها، وجاء مباشرة إلى الباب، وكان ذا شهامة ومروءة؛ ولكن هذا الإنسان مع الأسف ينظر إليك، وإلى غيرك على أنك مادة تسلية، يفرغ كبريائه، ويتفاخر أمام الآخرين أنني أسقطت هذه، وتلك، والثالثة، وهكذا!!!

فقالت الفتاة: صدقيتي يا أستاذة هذا والله فيه رجولة!!

فقالت لها: كلاّ، فالرجل الحقيقي هو الذي حدده النص القرآني عندما قال: {وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا يقوم اتبعوا المرسلين}، يسعى من أقصى المدينة، ويجري شفقة على قومه، يريد منهم سماع الهداية، لا يريد أن يبتزهم، ويستغفلهم، حتى يقعوا في الحرام، هذه هي الرجولة.

واستمرت الأستاذة في كلامها معها تقول: مع الأسف أنتنّ يا بنات كل يوم الواحدة تقول: هذا غير! فاليوم هو غير لأنه كلامه حلو، والثاني غير لأنه وسيم، والثالث غير لأنه يعطي كروت للموبايل!!!

فكثرت الأغيار وتعددت، والذي يتغير في الحقيقة هو أنتِ أيتها المسكينة، فأنت التي تتنازلين إلى أن يقع الفأس في الرأس، ثم تكونين في نهاية المطاف فريسة عند هذا الرجل مع الأسف، وهو ليس رجلاً، وإنما سبع ضار، وذئب متوحش.

فقالت الفتاة: يا أستاذة أنتم دائماً تصفون الرجال أنهم ذئاب!!

فقالت لها: كلاّ، فالرجال فيهم صالحون، وفيهم أخيار؛ ولكن هذا النوع من الرجال هو ذئب فعلاً.

ثم حدثتها عن الفروق الفردية بين الرجل، والمرأة في التجاذب، إلى أن اقتنعت الطالبة.

فقالت: وماذا أصنع الآن؟

فقالت لها: لا بد لك من برنامج تربوي.

وهذا البرنامج التربوي الذي اقترحته هذه المربية الفاضلة يصلح لنا جميعاً، فكلنا يحتاج أن يقوي إرادته.

فبدأت معها بقضية التوبة، وأن يغسل الإنسان نفسه بماء الإنابة، وأن يرجع إلى ربه سبحانه وتعالى، وألا يعرف معنى اليأس، فإياك أن يتسرب اليأس إلى قلبك، فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، وباب الرحمن مفتوح على مدار الساعة، والله أرحم بعباده من كل شيء، هذه واحدة.

ثانياً: الدعاء وما أجمل هذا الدعاء الذي كان يحرص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، اللهم يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك).

والدعاء الآخر الذي يجعلك تهتز وأنت تدعو به: (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين).

فالواحد منا يبرأ من حوله، وقوته، ويستمطر الرحمات من الله سبحانه وتعالى.

ثالثاً: الصلاة، فالله تعالى يقول: {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين}.

رابعاً: قراءة القرآن وتدبره، قال الله تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين}.

خامساً: الصداقة، وهي من أهم الأسباب المعينة على الخروج من هذا المأزق، فلا بد من تغيير رقم الهاتف، والانفصال عن ذلك العالم بالطريقة التي تراها أسلم.

سادساً: أن يكون لك هدف كبير في حياتك، فانظري إلى واقع الناس، وكوني مصلحة، واحملي همّ الإصلاح الاجتماعي، وتوعية البشر، واجعلي لك بصمة في الحياة.

فمن أخذت بهذه الوصايا الطيبة فإنها لا يمكن أن تستدرج بهذه السهولة، أو أن يكون هناك من يستطيع أن يستغفلها، ويوقعها في مثل هذه الحفر.

ثم ختمت الكاتبة هذه القصة بقول الله تبارك وتعالى: {أومن كان ميتاً فأحييناه}، والمقصود هنا موت القلب، وموت الضمير، وموت الأخلاقيات، وموت العقيدة، وموت البعد عن الله تعالى، {أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها}.

نرجو الله تعالى أن يخرج الجميع من هذه الظلمات والمآسي.

الإنترنت، والتواصل الإلكتروني، عالم كبير، والمشكلة ليست في الجهاز، إنما المشكلة فيك أنت أيها الشاب، وفيك أنت أيتها الفتاة، فالهاتف، والإنترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي سلاح ذو حدين، وفيها الخير والشر، والذي يقرر ويختار هو أنتَ، وأنتِ، فلنكن جميعاً على قدر المسؤولية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى