بيني وبينكم 2009

بينى وبينكم 2009 الحلقة التاسعة والعشرون انفلونزا الخنازير بين التهوين والتهويل ج 1

أنفلونزا الخنازير بين التهوين والتهويل

الكل منا شهد الحديث عن مرض أنفلونزا الخنازير، ومخاطره، وطرق الوقاية منه، إلى غير ذلك.

ولأن أستاذنا الدكتور صبري الدمرداش من المتخصصين في المجالات العلمية، كان لي حوار معه حول هذا الموضوع الذي أخذ بعقول العالم، وألبابهم.

وقد بدأت حواري معه بسؤال معرفي قبل الدخول في التفاصيل العلمية، وهو سؤال يرد على الذهن في كثير من الأحيان، يقول السؤال: إذا كانت الخنازير مؤذية، أو مستبشعة إلى هذه الدرجة، فلماذا خلقها الله تعالى؟!

ولا شك أن هذا السؤال يتوافق مع أسئلة كثيرة، مثل: لماذا خلق الله تعالى الذباب؟ ولماذا خلق الله تعالى كل ما فيه ضرر على الإنسان، أو ما تأمرنا الشريعة بالتخلص منه، أو الاحتراز عنه؟

فقال:

في الحقيقة أن الخنزير مخلوق كريه من مختلف الجوانب، فهو كريه المنظر، كريه الرائحة، كريه الاسم أيضاً، فحروفه فيها نشاز، لكنه في النهاية يبقى خلق من خلق الله، وكل مخلوق لا بد من وجود حكمة له، سواء علمنا هذه الحكمة في ضوء ما توصل له العلم في العصر الحاضر، أو لم نعلمها.

وبخصوص هذا المخلوق يمكننا أن نقول: إن الله سبحانه وتعالى خلق الخنزير لأغراض ثلاثة:

الأول: غرض بيئي.

الثاني: غرض طبي.

الثالث: غرض علمي.

أولاً: الأغراض البيئية: فالخنزير حيوان قمامة! وهذه ليست صفة ذم فيه، بل هذا مدح له، فهذه وظيفته! فخنازير العالم تأكل في السنة أكثر من مئة ألف طن من المخلفات العضوية!! فإذا قضينا على الخنازير، فمن الذي سيخلصنا من هذه المخلفات العضوية؟! فله دور مهم في تنظيف البيئة. هذا الجانب الأول في العوامل البيئية.

الجانب الثاني: أن الخنزير مثله كمثل أي مخلوق مؤذي، فلماذا خلق الله الثعبان؟ ولماذا خلق الله البومة؟ ولماذا خلق الله العقرب؟ ولماذا خلق الله الذباب؟

القاعدة الكلية في الإجابة على ذلك:

أن كل كائن سواءً عرفنا وظيفته، أم لم نعرفها، خلقه الله تعالى كي يكون أداة من أدوات التوازن البيولوجي في بيئته الطبيعية، وإذا قضي على هذه الأداة، ترتب على ذلك أخطار أكبر بكثير من التي كانت موجودة أثناء وجوده.

ولنضرب بذلك الأمثال:

لماذا الحياه مستمرة؟ الجواب: نتيجة اتزان: اتزان فيزيائي، واتزان كيميائي، واتزان بيولوجي، واتزان جيوموغرافي، والذي يهمني في هذا المقام هو الاتزان البيولوجي، فتعال لنرى ماذا سوف يحدث إذا حدث خلل في الاتزان البيولوجي؟

وسنأخذ أمثلة من دول مختلفة، ونرى الجواب، وهي كالتالي:

المثال الأول: من جامايكا، والثاني: من أمريكا، والثالث: من أستراليا، والرابع: من الصين، والخامس: من مصر.

أولاً: جامايكا: كان هناك توازن بيولوجي بين الفئران والقطط، وبعد ذلك لسبب ما قلّ عدد القطط، فكانت النتيجة كثرة الفئران، فاخترقت حاجز التوازن البيولوجي، وتحولت إلى آفة طارئة، فأتلفت المزارع، وخاصة المحصول الرئيسي في البلاد، وهو قصب السكر، فقضي عليه، فما الحل عندئذ؟ حاولوا مقاومة الفئران بمختلف الطرق وشتى الأساليب، ولكن هذا لم يزد الفئران إلا رواجاً! فقالوا: لا حلّ إلا بمحاربة حياة بحياة أخرى، أي مقاومة بيولوجية، فمن هو العدو الطبيعي للفئران؟ قالوا: النمس! فقاموا باستيراد النمس بأعداد كبيرة، وتركوها في المزارع، وما هي إلا سنوات ثلاث حتى قضي على الفئران تماماً، وانتهت مشكلة الفئران، ولكن طرأت مشكلة جديدة وهي زيادة أعداد النمس، حيث بدأت تتكاثر وتتكاثر، وتحولت إلى آفة طارئة! فقضت على جميع الدواجن الموجودة في الجزيرة، ومن ثم الطيور!!

فإذا كانت الفئران ستخسرهم ملياراً، فإن النمس سيخسرهم عدة مليارات! فما الحل إذن؟

قاموا بتنظيم حملة قومية شعارها: نمس لكل مواطن! فقضوا على النموس، وما هي إلا سنوات ثلاث حتى رجعت الفئران مرة أخرى!!

ثانياً: أمريكا: كان هناك توازن بيولوجي في الصحاري الأمريكية بين الأُسود في كفة، والغزﻻن في كفة أخرى، وإذا بالرئيس الأمريكي يستصدر قراراً ينص على قتل الأسد لأنه يفترس الغزلان!! والذي يأتي برأس الأسد فله ألف دولار!!

فذهب الصيادون وتفننوا في قتل الأسود، وما هي إلا فترة بسيطة وإذا بقطعان الغزلان تظهر بها أمراض فتاكة، وأوبئة، خاصة في المناطق التي أُبيد فيها الأسود، فأحضروا خبراء الثروة البرية في أمريكا، فقالوا: إن الأسد كان له دور مهم جداً في الحفاظ على قطعان الغزلان؛ لأنه كان يأكل المريض والضعيف منها! أما السليم فلا يقدر عليه، فكان يجعل قطيع الغزلان مكوناً من أحسن الأفراد، وأقواها، فلما غاب الأسد، انتشرت الأمراض والأوبئة بينها، فكان الحل: أنه لا بد من استصدار تشريع جديد يحرم ويجرم صيد الأسد، بعد معرفة قيمته في الحفاظ على التوازن البيولوجي في الصحاري الأمريكية.

ثالثاً: أستراليا: كان هناك توازن بيولوجي بين الجيلي فيش وهو قنديل البحر في كفة، وبين السلاحف المائية الخضراء في كفة أخرى، فكلاهما عدو للآخر، ثم بدأت إحدى الكفتين وهي السلاحف الخضراء تغيب وتقلّ، وحصل أن قناديل البحر كثرت، وكثرت، وتوحشت، فاستدعوا خبراء البيئة لدراسة الأمر، فتبين لهم ما يلي:

أن الأهالي في الشواطئ الأسترالية كانوا يربون الخنازير لكي تأكل بيض السلاحف! فكانت النتيجة أن السلاحف قلت كثيراً، وزادت قناديل البحر، واخترقت حاجز التوازن البيولوجي، وتحولت إلى آفة طارئة، وأصبحت قنبلة بيولوجية لا طاقة لهم على احتمالها، فكان الحل هو القضاء على جميع الخنازير الموجودة على الشواطيء.

قلتُ:

إذن الإنسان هو الذي يدمر البيئة، ويخربها؟

فقال:

بالتأكيد، فهناك مبدأ بيئي يقول: إن البيئات الطبيعية في توازن دائم، ما لم تمتد إليها يد الإنسان لتخل بهذا التوازن!

قلتُ:

ألا يذكرك هذا بقول الله تبارك وتعالى: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس}؟

فقال:

بلا شك، ويذكرني كذلك بالآية 19من سورة الحجر، وهي قول الله تعالى: {والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون}.

قلتُ:

دعنا نذهب للمثال الرابع وهو الصين.

فقال:

رابعاً: الصين: كان هناك توازن بيولوجي بين العصافير الدودية في كفة، والديدان في كفة أخرى، وكان ذلك في أواخر الستينيات، فقال بعض المسؤولين: لماذا كل هذه العصافير، وما هي فائدتها؟ فهي تأكل القمح، والشعير، وتسبب لنا الخسارة! فأصدروا قراراً بالقضاء على هذا العصفور الدودي، بناء على أنه لا يستطيع أن يطير طيراناً متصلاً لأكثر من نصف ساعة، ثم يسقط، ويموت!

وفي يوم قاهر مرير خرج مليار من البشر من الشعب الصيني، أو يزيدون، يقرعون الطبول، ويضربون الدفوف، فطارت العصافير، وتعبت من كثرة الطيران، فسقطت، وماتت! فظنوا أنهم بذلك قد حلوا المشكلة، وما هي إلا سنوات خمس وإذا بالديدان تكشف عن وجهها البشع، فالذي كان يحد من تأثير هذه الديدان هو وجود تلك العصافير، فأتلفت المزروعات، فكان القرار الحكيم استيراد العصافير مرة أخرى لتعيد التوازن إلى تلك البيئة.

خامساً: مصر: كان هناك توازن بيولوجي في مصر بين العصافير الدورية المصرية من جهة، وبين الطيور الجوارح: الصقور، والحدأة، من جهة أخرى، والذي حدث أنه يوجد في مصر دودة ورقة القطن، وهي آفة كبيرة جداً، والإنسان في صراع معها منذ القدم، فكان الحل للقضاء على هذه الآفة هو استيراد طيارات من نيوزيلاندا تقوم برش هذه الدودة بالمبيدات الكيميائية، مثل التوكسافين وغيرها، فكانت النتيجة أن الطيور الجوارح أكلت فرائس مسمّمة بهذه المبيدات الكيميائية وهي تلك الديدان فماتت، وبدأت تقل وتقل، فكانت النتيجة أن العصافير زادت، وزادت، واخترقت حاجز التوازن البيولوجي، وأصبحت آفة طارئة، يفوق خطرها خطر دودة ورقة القطن بمرات كثيرة.

قلتُ:

المشكلة يا دكتورنا الفاضل أن كثيراً من المثقفين، أو من الملحدين، أو المتشككين، يجعل من جهله بعدم معرفته علة أو سبب أو حكمة خلقٍ معين، إنكاراً للحكمة المطلقة، والاعتراض عليها!! فمثلاً: قبل فترة قرأنا في الصحافة، وفي الدوريات الطبية أنه اكتشفت أهمية الزائدة الدودية، وتبين أن لها وظيفة تقوم بها، كغيرها من الأعضاء، فهؤلاء جعلوا من جهلهم منطلقاً لإنكار الحكمة الإلهية! فماذا تقول؟

فقال:

كما تفضلتَ فالجهل والقصور، قصور الرؤية، هي السبب الرئيس في ذلك، فمثلاً: لو عندك لوحة، فهذه اللوحة لو نظرتَ إليها من بعيد، رأيتها جميلة جداً وفاتنة، ولكنك لو اقتربت منها، فلربما تشاهد نقطة معينة هي عبارة عن لطخة، ليس لها قيمة، ولا معنى، فهل تحكم على هذه اللوحة من خلال هذه النقطة، أم أنك تنظر إليها بشكل تكاملي؟

 

قلتُ:

في ظني أن كل ملحد ينظر إلى لوحة الحياة نظرة قاصرة، ومن زاوية واحدة فقط، لا سيما في مشكلة الشر.

ولكن ماذا عن الأغراض الطبية في وجود الخنزير في الأرض؟

فقال:

الهرمونات كثيرة جداً، وأنواع مختلفة، وأجود هذه الأنواع هي المأخوذة من الخنزير!!

فعلى سبيل المثال: هرمون الأنسولين لعلاج المصابين بالسكر: فأجود نوع من الأنسولين هو المستخرج من بنكرياس الخنزير، فهو قريب جداً من أنسولين الإنسان، وليست له أية مضاعفات، ولا يفسد بطول الاستعمال!

أمر آخر: هناك نوع من الهرمونات اسمه كالسوتيونين، فهناك أناس عندهم آلام رهيبة في العظام، لا يستطيعون النوم بسببها، وقد عجز الطب عن إيجاد علاج لها إلا في استخراج الكالسوتيونين من بعض غدد الخنازير.

هذه بعض الأمثلة على الفوائد الطبية لهذا الخنزير.

قلتُ:

ننتقل للأغراض العلمية لوجود وخلق الخنزير، فما هي الأهمية العلمية في ذلك؟

فقال:

هناك حيوانان من أنسب الحيوانات التي أجرت عليها التجارب العلمية قبل أن تطبق العلاجات على الإنسان، هي: الفأر والخنزير! والخنزير أفضل من الفأر في نقل الأعضاء وزراعتها.

قلتُ:

نحن كمسلمين نسلّم بحكمة التشريع ولو لم نعرفها، ولكن استنطاق الشريعة، وتلمس الحكمة، يزيد اليقين، ويفرح القلب، ويقنع الآخر، وعليه نقول: لماذا حرّم الله تعالى أكل لحم الخنزير لمن يدين بدين الإسلام؟ كما في قوله تعالى في سورة المائدة: {حرّمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق}.

فقال:

الميتة هي التي ماتت حتف أنفها، والدم لا يزال بداخلها في جوفها، وفي أعضائها، فهذه محرمة، لماذا؟ يكشف لنا علم الميكروبات الحديث في القرن العشرين أنه يوجد في الإنسان: في أنفه، وفي جلده، وفي كل جزء من أجزاء قنواته الهضمية من الفم، والبلعوم، والمريء، والمعدة، والأمعاء، ميكروبات وفطريات، وهي لا تؤذي ولا تضر في الأحوال العادية، ولكن عند الموت يكون لها شأن آخر، فالدم ينقلها، ويسبب مصائب داخل الجسم! فالذي يأكل هذه الميتة والدم فيها يحدث له تسمم في الجهاز الهضمي، ويموت إن لم يسعف، هذه بالنسبة للميتة.

أما الدم المحرم في الآية: فالمقصود به الدم المسفوح السائل، لأنهم في الجاهلية كانوا يأكلون هذه الأشياء: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، فنزل القرآن الكريم بتحريمها تحريماً قاطعاً.

أما لحم الخنزير: فإنه حرم لأسباب عديدة:

أولاً: وجود طفيليات البرازيتس في لحم الخنزير، ومن أهم هذه الطفيليات طفيل اسمه الدودة الشعرية الحلزونية، وهي تصيب الإنسان بمرض التيكونوس، المرض حيث تتخلل هذه الديدان عضلات الجسم، وتصل للعينين، وتدخل المخ!!

ثانياً: عندما تنظر للحم الخنزير تجده عبارة عن طبقات متبادلة ما بين اللحم والشحم، وأكثر اللحوم التي تحتوي على الشحم هو لحم الخنزير، هذا الشحم عبارة عن أحماض دهنية مشبعة جداً، بحيث تصيب الإنسان بأمراض خطيرة، من أهمها وأخطرها: مرض تصلّب الرئة، ومرض الحصوات في المرارة.

والذي يأكل لحم الخنزير نيئاً أسوأ بكثير ممن يأكله مطبوخاً، ولذلك نجد أن نسبة الإصابة بالتركينوس في بلد مثل أمريكا لا تقل عن 25 في المئة! فهي نسبة كبيرة بلا شك.

ثالثاً: أن الخنزير له صفات سيكولوجية نفسية، ينفرد بها عن سائر الحيوانات، فمثلاً: هو ديوث لا يغار على عرضه!! فالذي يأكله سوف يكون له نصيب من تلك الصفات ولا بد.

قلتُ:

في قوله تعالى في هذه الآية: {وما أهل لغير الله به}، يذكر الأستاذ سيد قطب في تفسير الظلال: أن العلة في التحريم هنا ليست ذاتية، وإنما العلة عقائدية لصفاء الضمير، وسلامة الاعتقاد، وطهارة الروح! فهو حرام لأنه ينقض الإيمان من أساسه، ولا يصدر ابتداء عن إيمان، فهو خبيث من هذه الناحية، يلحق بالخبائث الحسية من الميتة والدم ولحم الخنزير!

وهذا من عظمة العقيدة الإسلامية أن النجاسة الحسية تلحق بها النجاسة العقائدية.

وماذا عن تحريم المنخنقة؟

 

فقال:

للعلة نفسها في تحريم الميتة، حيث الدم ما يزال في جوفها وأعضائها.

قلتُ:

وما هو الضرر إذا كان الدم في جوفها وأعضائها؟

فقال:

قلنا: إن الدم يقوم بنقل كل الفطريات والميكروبات التي كانت تنفعه في حياته بعد موته، وتصيبه بالتسمم، فمن أكل منها يصاب بالتسمم.

قلتُ:

والموقوذة؟

فقال:

الموقوذة هي التي ضربت بعصا، أو بحجر، فماتت، وهذه محرمة أيضاً للعلة نفسها: أن الدم ﻻ يزال في جوفها وفي أعضائها.

قلتُ:

والمتردية؟

فقال:

المتردية هي التي وقعت من أعلى، من جبل، أو شيء من هذا القبيل، وماتت، فتحريمها لنفس العلة في تحريم الميتة.

قلتُ:

والنطيحة؟

فقال:

النطيحة هي التي نطحتها بهيمة أخرى فماتت، وعلة تحريمها هي علة تحريم الميتة كذلك.

قلتُ:

نلاحظ في جميع هذه الأصناف: المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، أن علة تحريمها لأن الدم محبوس، أليس كذلك؟

فقال:

بلا شك.

قلتُ:

وماذا عن قوله تعالى: {وما أكل السبع إلا ما ذكيتم}، أي إسالة الدم بالذبح؟

 

 

فقال:

السبع هو كل حيوان كاسر، ولماذا لا بد من سيلان الدم؟

فسيولوجياً لأن هناك دورة تنفسية، ودورة دموية، إذا لحقت وسال الدم خلاص، لكن ملحقتش بردة يقع التحريم.

قلتُ:

وما ذبح على النصب؟

فقال:

النصب هي عبارة عن الأصنام، والحجارة التي كن الكفار يعبدونها من دون الله تعالى، وكانوا يذبحون لها القرابين تقرباً إليها، فجاء القرآن وحرّم هذا.

قلتُ:

أذكر أنك ألقيتَ محاضرة في كلية التربية في جامعة الكويت، وكان عنوانها: (أنفلونزا الخنازير بين التهوين والتهويل)، والعنوان له دلالته، فلماذا هذا العنوان بالذات؟

فقال:

لقد صدعوا رؤوسنا بأمراض لا طاقة لنا بها، بدأنا بجنون البقر، وبعد ذلك الحمّة القلاعية، ثم حمى الوادي المتصدع، وبعدها الجمرة الخبيثة، ثم السارس، ثم أنفلونزا الطيور، ثم أنفلونزا الخنازير، وقد يكون غداً أنفلونزا الصراصير، وأنفلونزا الحمير، وهكذا!!

قلتُ:

قد يقال لك: إن هذا أمر واقع، والذي يقول به أطباء، ومنظمة الصحة العالمية، فما هو ردك؟

فقال:

أقول: هناك أمراض كثيرة منتشرة، وتحصد الآلاف سنوياً، ولا تجد أحداً يتحدث عنها!! فمثلاً: مرض الملاريا، يحصد سنوياً مليوني نفس! فأين من يتحدث عنه؟

وللعلم فإن أنفلونزا الخنازير أعلن عنه يوم 20 مارس سنة 2009، وخلال فترة قد تبلغ الستة أشهر مات بسببه ما يقارب 500 إلى 600 شخص، في حين مات خلال الفترة نفسها بمرض السل الرئوي ما يقارب 36 ألف شخص، ولم يتحدث عنهم أحد!

كذلك الأنفلونزا العادية التي تأتي في الشتاء فهذه تحصد ما بين ربع ونصف مليون نفس كل سنة! منهم في أمريكا لوحدها 36 ألفاً، ولا أحد يتحدث عنها!

كذلك مرض النوم في إفريقيا الوسطى، فإنه يحصد ما يقارب نصف مليون شخص كل عام! ولأن هؤلاء فقراء لا يستطيعون شراء اللقاح، فإنهم يموتون كما تموت الأنعام، بل لعل الأنعام تجد من يسأل عنها، ويعمل على رعايتها، والعناية بها! وحتى نقف على مدى إجرام هذا العالم الذي يدعي الإنسانية، والحفاظ على حياة الناس، يكفينا أن نعلم أن لهذا المرض لقاحين موجودين في السوق، هما: التاميفلو، والريليزينا، أما التاميفلو فقد عرضته منظمة الصحة العالمية بمئة دولار أمريكي، في حين أن البرازيل عرضته بـ 14 دولار، وتايوان بـ 13 دولار، والهند بـ 12 دولار، لكن الأمريكان رفضوا هذه الأسعار، وأصروا على بيعه بـ 100 دولار!!

قلتُ:

هذا البعد الاقتصادي الذي يغفل عنه كثير من الناس، ولا يلتفتون إليه، هو الذي يحرّك هؤلاء التجار، ويجعلهم يتحكمون في مصائر الناس، وحياتهم، ولا يلقون بالاً للبعد الإنساني، ومن يقول خلاف ذلك فهو يضحك علينا وعلى نفسه!

دكتورنا الفاضل لو أتينا إلى أهم أعراض هذا المرض، فماذا يمكن أن تقول؟ وكيف يمكن للواحد منا أن يعرف هذا المرض؟

فقال:

بداية أحب أن أطمئن الناس أن هذا الفيروس من الضعف بمكان، لأننا عندما قرأنا الخريطة الوراثية له، عرفنا أنه يصيب القناة التنفسية، ولا يصيب الرئة، أو ربما يصيب الرئة ولكن بشكل ضعيف، ولا يؤثر بقوة في الجهاز المناعي، والرئيس الأمريكي نفسه أعلن أن هذا الفيروس من الضعف بمكان، والأخطر منه هو فيروس أنفلونزا الطيور، مع العلم أن فيروس انفلونزا الطيور أعلن عنه في 2006، وإلى وقتنا هذا لم يحدث وباء، ولم تحدث كوارث، ولذلك يقولون: إن الفيروس سيعود في شهر مرة أخرى؛ لأن من عادته أن يهاجم، ثم يتراجع، ثم يعود بشراسة، حتى ينتقم من اللقاحات التي أخذها الجسم، والتي عملت له أجساماً مضادة، فيرجع مرة أخرى بتركيب جيني جديد، ويغير نفسه بنفسه، ويقولون – وهذا كله تهويل في تهويل -: إن ربع سكان الأرض، أو ربما الثلث أو ربما النصف، سيموتون بسبب ذلك!!

قلتُ:

بمعنى أن كل واحد يتدارك نفسه، ويسرع في شراء العقاقير والأدوية، وكل ذلك الهدف منه تسويق الدواء، ليس إلا.

فقال:

تماماً هذا هو الهدف، وبالذات شراء عقار التاميفلو؛ لثمنه الباهظ.

أما بالنسبة للأعراض، فإن المصاب بهذا المرض يمر بثلاث مراحل:

أولاً: أنه يشعر بعطس، وسعال، وارتفاع في درجة الحرارة، والميل الشديد إلى النوم، وفقد الرغبة في الطعام.

ثانياً: يشتد المرض عليه، فتتغير الأعراض، ويصبح هناك قيء، وزكام، وإسهال، وألم في الحلق، وصداع في الرأس، وألم في المفاصل.

ثالثاً: احتقان في الرئة، وألم شديد جداً في الجهاز التنفسي، وكثير من الناس يموتون عن طريق الجهاز التنفسي.

وهذا يأخذنا إلى قضية كيفية حدوث الإصابة بهذا المرض؟

والجواب: أنها تحدث عن طريقين:

  • إما عن طريق الجهاز التنفسي: كأن يعطس أحدهم، أو يسعل، فينتقل الفيروس للآخر.
  • أو عن طريق التلامس: لأن الفيروس من طبيعته أن يبقى على السطوح لمدة ثلاث ساعات، وهذه مشكلة، فلو أن عندك لوحاً زجاجياً، أو مقبض باب، فعطس أو سعل عليه أحدهم، وجاء آخر ليفتح الباب، أو ليلمس الزجاج، دون أن ينتبه، ثم وضع يده على فمه، أو أنفه، أو عينه، فإن المرض ينتقل إليه مباشرة!! وأول طفل مات بأنفلونزا الخنازير هو ادجر هرنان ديس، وأول ما ظهر المرض ظهر في المكسيك.

قلتُ:

قبل أن نتكلم عن الوقاية من هذا المرض، وكيف تكون؟ نريد التعريف به عن قرب، وباختصار.

فقال:

الفيروس هو كائن لا هو حي ولا غير حي! بل يقف على عتبة الحياة، فما دام أنه لم يدخل خليه حية فهو غير حي، أما إذا دخل خلية حية فتجده ينشط، ويفعل فيها فعلته، وربما يدمرها في النهاية.

والفيروس دائماً يتكون من جزأين: جزء يسمى اللب الداخلي، وجزء فيه غلاف خارجي، هذا بصفة عامة.

قلتُ:

وهل لهذا الفيروس من خصوصية؟

فقال:

بالتأكيد له خصوصية، وفي البداية أريد أن أقول: إن هذا الفيروس وهو AH1N1 شرارة من شرار من شرار! فهو من عائلة من أسوأ عائلات الفيروسات، عائلة سمعتها سيئة جداً، هذه العائلة فيها فخذان وأربع بطون، الفخذان هما:  A و B، والفرق بين  A و B أنB  لا يمكن أن يتسبب في وباء، فهو مسالم، أماA  فهو يتسبب في وباء.

وأما البطون الأربعة فهي: H1N1  ، وH1N2  ، وH3N1  ، و H3N2 ، فالثلاثة الأخرى لا تستطيع أن تكيف نفسها، أو تغيير نفسها، فيمكن القضاء عليها، إنما فيروس انفلونزا الخنازير فإنه يشكل نفسه، ويحول الجسم، وفيه مرونة، وقد سمّي بهذا الاسمAH1N1 ، لأنA  تمييزاً له عن B ، والفيروس عبارة عن اللب الداخلي، وهذا هو السطح، وعلى السطح يوجد اثنان من البروتينات: الأول اسمه الهيماجلوتينين فأخذوا من الH، والثاني اسمه نورا ميني داز، فأخذوا منه الN ، ثم تصنيفه N1 فهذه بحسب الأجيال.

ماذا يفعل فيروس أنفلونزا الخنازير؟

عندك الهيماجلوتينين هذه الزرقاء الواضحة في الشكل مدببة أما الحمراء المكورة فهي النورا ميني داز، فهو يغيرهم، فالجسم ﻻ يعرف اللغة الجديدة له وﻻ يعرف أن يتعامل معه أو يخفق في التعامل معه، ويصاب الإنسان بانفلونزا الخنازير نتيجة أن الفيروس بيلعب بهذين الإثنين: بالبروتين الأول الهيماجلوتينين، والثاني وهو نورا ميني داز.

قلتُ:

هذا بالنسبة لتركيبته، ولكن ما هي آلية ميكانيزمية فيروس أنفلونزا الخنازير؟

فقال:

الميكانيزم يتم على أربع خطوات:

أولاً: يأتي الهيماجلوتينين ويقوم باقتحام خلية إنسان في حنجرته، أو في جهازه التنفسي، وهذه هي منطقته، وهي الجهاز التنفسي فقط.

ثانياً: ينتقل هذا الحمض إلى الجهاز التنفسي للإنسان المصاب.

ثالثاً: يأمر الجسم الذي أصابه أن يستنسخ الفيروس رغماً عنه، فيتم ذلك.

رابعاً: يأتي البروتين الثاني وهو نورا ميني داز ويقوم بالقضاء على الخلية، ويتسبب في إطلاق سراح الفيروس المستنسخ، لكي ينتقل عن طريق العطس والسعال إلى شخص آخر.

هذه هي الميكانيزم.

قلتُ:

وهل يمكن عزل الفيروس طبياً، أو علاجه؟

فقال:

حتى الآن لا يوجد لهذا الفيروس علاج اسبيسفك نوعي، وكي نعمل له علاجاً ناجعاً، يجب أن ندرس التركيب الجيني له، فالكنديون توصلوا الآن للتركيب الجيني له، ولكن حتى تحول التركيب الجيني إلى دواء، ويباع في الصيدليات، يجب أن يمضي عليه ستة شهور، ولذلك لا يوجد دواء نوعي لهذا الفيروس ربما قبل خمسة، أو ستة شهور في العالم كله، أما دواء التاميفلو فهذا لعبة شركات، لأن التاميفلوا هذا علاج للأنفلونزا العادية فقط.

 

 

قلتُ:

سمعتُ كلاماً من بعضهم، بل حتى من بعض الأطباء: أن هذا الفيروس مخلق، أي مصنوع، فما مدى صحة ذلك؟

فقال:

هذه صحيح، ولكن كيف يتم ذلك؟

أخذوا جينز من ثلاث أنواع من فيروس أنفلونزا الطيور، وأنفلونزا البشر، وأنفلونزا الخنازير، وهذه جريمة تعتبر.

قلتُ:

هذا خبث، وجريمة في حق الإنسان، وهذا كله بعد اقتصادي.

فقال:

في حدود ما نعلم أنه مخلق لهذا البعد الاقتصادي، أما الحقيقة فالله أعلم بها.

 

قلتُ:

ومن هو المؤهل للإصابة بأنفلونزا الخنازير؟

فقال:

للأسف الشديد أنه لا يصيب إلا الشباب! وخاصة الشباب الأقوياء الأصحاء! فهو بعكس كل فيروسات الأوبئة فهي لا تصيب إلا كبار السن، أو الأطفال الصغار، وذلك لضعف الجهاز المناعي عندهم.

قلتُ:

وما هو السبب في ذلك؟

فقال:

لأن الفيروس إذا كان قوياً فإنه يضغط على الجهاز المناعي، حتى يعمل ردة فعل واستجابة، فردة الفعل والاستجابة تقتل الفيروس، ولكنها تدمر معها خلايا الرئة والحنجرة، وهذا ما يحدث عند الشباب فيكون جهاز المناعة عنده قوياً، فتكون ردة الفعل والاستجابة على الفيروس أقوى ما يمكن، فتقتل الفيروس، لكنها تدمّر جهازه التنفسي.

قلتُ:

وما هو تاريخ هذا المرض؟

فقال:

ليس صحيحاً أن هذا المرض وجد لأول مرة سنة 2009، وإنما وجد سنة 1918، ومات فيها ما يقارب أربعين مليوناً!! أي ضعف عدد الذين قتلوا في الحرب العالمية الأولى!

وفي فبراير 1976 كانت هناك قاعدة أمريكية اسمها فور ديكسي، هذه القاعدة أصيب فيها 14 جندياً بأنفلونزا الخنازير، ومات واحد منهم، فأُصدِر قرار أنه لا بد من تطعيم الشعب الأمريكي جميعه، لكن يبدو أنه حصل تباطؤ في تطبيق البرنامج، فلم يتم تطعيم سوى 25 في المئة من مجموع الشعب.

بعد ذلك في سنة 77 – 78  في روسيا أصاب الشباب الذين هم دون ال 23 سنة بشكل ملحوظ؛ لأن كبار السن كانوا قد أخذوا عقاراً مضاداً له، حيث كان المرض قد انتشر في روسيا من بين عامي 47 و 57.

وبعد ذلك في سبتمبر 1988 أصيبت امرأة في أمريكا بأنفلونزا الخنازير، وكانت حاملاً، وماتت، فانتقل المرض إلى زوجها، إلا أنه من حسن الحظ قد شفي لاحقاً.

الذي أريد قوله أن هذا الفيروس لم نعرفه لأول مرة عام 2009، بل هو سابق على ذلك، ولكن المختلف في الموضوع أنه يأتي بتركيب جيني جديد؛ لأن من خصائص AH1N1 أنه دائم التغير.

قلتُ:

لو أردنا فرقاً دقيقاً بين أنفلونزا الطيور وأنفلونزا الخنازير، فما الجواب؟

فقال:

الفرق الدقيق، أن أنفلونزا الطيور يتم مثلاً بين دجاجة تحمل الفيروس، والشخص الذي يتعامل معها، كالذي يبيعها، أو يربيها، فينتقل الفيروس إليه نتيجة هذه المخالطة، فيصبح عندنا مصابان: الدجاجة والإنسان الذي أصيب، فإذا مات هذا الإنسان؛ توقف المرض عند هذه الحدود، لأنه لم يثبت حتى الآن أن فيروس أنفلونزا الطيور ينتقل من إنسان لإنسان!

أما فيروس أنفلونزا الخنازير فلأن أصله عبارة عن فيروس من أنفلونزا البشر، فيكون عندنا خنزير مصاب، ثم إنسان مصاب به، ومن الممكن أن ينتقل هذا المرض لبشر كثيرين عن طريق العطس، والسعال، أو الملامسة، ولذلك فإن بعض الدول اتخذت قرارات بضرورة قتل الخنازير! والحقيقة أن هذا الأمر يشمل ثلاثة أخطاء كبرى:

أخطاء بيئية، وأخطاء دينية، وأخطاء اقتصادية.

أما الأخطاء البيئية: فقد قلنا إن الخنزير خلقه الله تعالى ليعمل دور كناس وزبال، فيأكل القمامة ويخلصنا من مئات الأطنان من النفايات كل سنة، فلو قضينا عليه، أين ستذهب هذه النفايات؟ ومن سيقضي لنا عليها؟!

وأما الأخطاء الدينية: فهؤلاء قاموا بقتل الخنزير بغير رحمة، حيث حفروا حفرة، وساقوا فيها المئات، بل الآلاف، وبعد ذلك أتوا بحمض الكبريتيك، وسكبوه عليها! حتى احترقت، وسُمِع لها صوت فرقعة، ثم قاموا بتغطية الحفرة بالجير الحي! وهذا فعل محرم بكل المقاييس.

وأما الأخطاء الاقتصادية: فإن نسبة كبيرة جداً من المسيحيين يقومون بتربيته، والاتجار به فيما بينهم، فبهذه الطريقة يكونوا قد قضوا على رزق هؤلاء.

قلتُ:

هل يمكننا تحديد وقت انتشار هذا الفيروس؟

فقال:

الحقيقة أنه ينتشر في أي وقت، إلا أن أنسب الأوقات لانتشاره هو الخريف والشتاء، مثل الأنفلونزا العادية.

قلتُ:

بقي علينا الحديث عن أهم نقطة في هذا الموضوع ألا وهي الوقاية، ليس من منطلق أن هذا واجب الدولة فقط، بل واجب الفرد كذلك، فإذا لم يتعاون الفرد فهذه مشكلة، وإذا فرطت الدولة فالمشكلة أعظم، فما هي الرسالة التي توجهها للجميع؟

فقال:

أولاً: بالنسبة للفرد فأول ما يطلب منه هو النظافة الشخصية، وبالذات نظافة اليدين بالماء والصابون، أكثر من مرة على قدر المستطاع.

ثانياً: أن يتجنب التعامل بشكل مباشر مع أمرين: الطيور، والخنازير.

ثالثاً: أن يتحاشى التعامل مع إنسان يشتبه أن عنده إصابة بأنفلونزا الطيور، أو أنفلونزا الخنازير، ويستحسن أن يضع كمامة على الفم والأنف، وعندما يعطس أو يسعل فيجب عليه أن يستخدم المحارم الورقية مرة واحدة، ويرميها، ولا يستخدمها مرة أخرى، وإذا شعر بأي من الأعراض التي ذكرناها سواء أكان قيئاً، أو إسهالاً، أو زكاماً، أو وجعاً في الحلق، أو صداعاً في الرأس، أو آلاماً في المفاصل، فالواجب عليه الذهاب فوراً إلى طبيب متخصص في الأنف، والأذن، والحنجرة، أو مستشفى متخصص.

هذا بالنسبة للفرد.

أما بالنسبة للدولة:

فأولاً: لا بد من التوعية، تليفزيونياً، وإذاعياً، وإعلامياً.

ثانياً: تركيب كاميرات حرارية، لأن من أهم أعراض هذا المرض ارتفاع درجة الحرارة.

ثالثاً: عزل المشتبه بهم.

رابعاً: بنقل حظائر الخنازير ومزارعهم إلى منطقة بعيدة جداً عن الكتلة السكانية.

قلتُ:

أختم هذا الحوار الممتع الشيق مع فضيلة الدكتور صبري الدمرداش بدعاء الله تعالى أن يكفينا شر الأمراض صغيرها وكبيرها. اللهم آمين.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى