بيني وبينكم 2009

بينى وبينكم 2009 الحلقة الثامنة عشر امير محدث ج 1

أمير محدث ج1

بالرغم من أن صورة العالم الإسلامي أصبح يغلب عليها الجانب السلبي في تمزقاته الاجتماعية، وتراجعه العلمي، والحروب الدامية التي تنشب فيهه، حتى غدا محطة تجارب للآلام، والكوارث، رغم قتامة هذه الصورة وسوداويتها إلا أن الناس لا يزالون يدخلون في دين الله أفواجاً، وأي أناس أتحدث عنهم؟

إنه الغرب المتقدم!

إنه الغرب المدني!

إنه الغرب الحقوقي!

إنه الغرب الذي يمتلك قوة السلاح، وقوة القرار!

 ولكن لماذا؟

إليك أخي القارئ هذه القصة العجيبة:

قبل رمضان بأسبوعين اتصل بي شاب كويتي، قال لي: يا دكتور محمد، هل سمعت بمغني الراب الأمريكي المعروف لون Loon؟

فقلت له: اسمح لي، فثقافتي في غناء الراب ضعيفة!!

فقال لي: لا بد أن تتعرف عليه؛ لأنه أسلم قبل سبعة شهور، وطلّق الغناء بالثلاثة، وأحب أن يصوم رمضان في بلد عربي، فاختار الكويت، فما رأيك باستضافته؟

فقلت له: أهلاً وسهلاً.

وفعلاً قمت باستضافته في أحد البرامج، ليحدثنا عن حياته، ومشواره، فكانت قصة غريبة! فله بصمة خاصة، ولكل تجربة طعمها الخاص، تعالوا بنا نقف مع هذا المغني، وكيف استطاع الانخلاع من عالم الغناء، والشهرة، والمال، والحضور العالمي، إلى عالم القيم، والأخلاق، وتربية الذات، ومجاهدة النفس، فهذا أمر ليس بالسهل أبداً.

اسمه الحقيقي: تشوسي هوكنز، لون سابقاً، سمّى نفسه أمير جنيد محدث.

رحبتُ به في البداية، ثم قلتُ له:

رمضان صعب! أليس كذلك؟

فقال:

كلاّ، بل رمضان جميل جداً، وفي هذه الأيام أحاول أن أتعلم القرآن، وأن أكون أقرب إلى التقوى.

 

قلتُ له:

أخ أمير، قبل الحديث عن تفاصيل حياتك الإسلامية الجديدة، والشهور السبعة التي عشتها في ظل الإسلام، أود سؤالك عن أمر شخصي: أنت مغني موهوب، ونجم في غناء الراب، كيف بدأت معك موهبة الغناء؟ والدخول إلى ذلك العالم؟

فقال:

ولدت، وترعرعت في نيويورك في هالم، وهي مدينة معروفة بمعدل الجريمة الكبير فيها، وكذلك المخدرات، وغيرها، وواقع الحياة الذي كنا نواجهه هناك صعب للغاية، ولأجل التأقلم مع ذلك الوضع وجدت نفسي أكتب مذكراتي، وأستخدم خيالي للتغلب على هذه الصعوبات التي كنت أعانيها، وداومت على هذه الكتابة فترة من الزمن، إلى أن تطورت تلك الكتابة إلى كلمات للأغاني، وهذه الأغاني التي أستخدمها لكي أنأى بنفسي عن هذا الواقع الصعب المليء بالجريمة، والمخدرات، والكثير من الأشياء الصعبة…

قلتُ:

إذن لديك أيضاً موهبة الشعر، كونك تكتب المذكرات للغناء؟ فأنت مغني، وشاعر؟

فقال:

هذا صحيح.

فقلتُ:

ولماذا اخترت أغاني الراب؟ وهذا النوع من الغناء تحديداً؟

فقال:

الراب كان أسهل طريقة تساعدني في التعبير عن نفسي، ففيها صوت غناء جميل جداً، فالراب أعطاني الفرصة لأن استخدم صوتي بطريقته الطبيعية، مع استخدام النغمات، والكتابات الشعرية، فالموسيقى تحتاج إلى مكونات أخرى بحيث تقوم بتكرار أو إلقاء الشعر مع الموسيقى، وبهذا يعطيك نوعاً من التناغم، والتناسق بينها، وكنت أستخدم هذه المنهجية للتعبير عن بعض الأشياء التي كنت أفكر بها، والتي لا أستطيع أو ليس لدي الشجاعة أن أطرحها أمام الآخرين!

قلتُ:

هي بالفعل موسيقى سهلة، وحتى الذي يطلع عليها يعرف أنها عبارة عن كلمات سهلة يفهمها كل أحد.

ولكن ألا ترى أنها تستلزم رياضة، ومهارة جسدية؟

 

فقال:

بالطبع، فيجب أن يكون لديك القدرة على جمع الأشياء التي تتكرر، فإذا حدث شيء في العالم، أو خبر من الأخبار مثلاً، فأنا كمغني راب أقوم بجمع المعلومات عنه، ومن ثم تحويله إلى أغنية، فهي فرصة لنا عندما يحدث شيء ما في مدينة ما أن نعبر عنه من خلال طريقة واقعية جداً عن طريق الغناء لهذه الأحوال الواقعية، دون أن يكون هناك كثير من التدخل من الجوانب الإعلامية، والخدع الإعلامية، وغيرها..

فالراب هي عبارة عن طريقة للتعبير عن أي شيء كان يجري في الشوارع في ذلك الوقت بأن يتم تحويله إلى أغنية.

قلتُ:

لا شك أن الذي يشاهدك بعد الإسلام يجد الفرق الكبير في الشكل الظاهري، عما كنت عليه في الماضي، فمن مشاهد الغناء، والرقص، والصخب، إلى هذا الوقار، واللباس المتناسق، واللحية، فماذا تقول؟

فقال:

لا شك أن الصورة مختلفة بالكامل، فبعد أن تحولت إلى الإسلام وجدت نوعاً من راحة البال، وتخلصت من كل تلك العجرفة، وذلك الزهو الذي كنت أحمله بين جنبي، وحاولت أن أضبط نفسي، وأن أكون أكثر هدوء، وأكثر استقراراً، هذه هي الطريقة التي حولت حياتي، وجعلتني أنتقل من عالم الموسيقى، والغناء، وعالم الزهو بالنفس، إلى عالم راحة البال.

قلتُ:

لو سألتك عن تقييمك لتجربتك الغنائية فماذا تقول؟

فقال:

سأصفها على أنها أول شيء بدأت به لتأسيس شيء، وكان شيئاً مثيراً جداً؛ لأنني كنت أبحث عن طريقة للحياة لأنجو، وأنأى بنفسي عن صعوبات الحياة والواقع الذي أعيشه، فالواحد منا عندما يحقق شيئاً فإنه يشعر بأنه فخور بما حققه كشاب، ويشعر بالتميز، ولكن وبعد فترة، ونتيجة عملية التكرار لهذا الغناء، تبدأ تدرك أنك لا تحقق فائدة كبيرة منه، ولا تحقق فائدة حقيقية لنفسك، وتبدأ بالإدراك بأن التأثير الذي تتركه على الناس أو الجمهور، أصبح ينعكس على نفسك أيضاً؛ لأن هذا الشيء يسحبك باستمرار، ويدفعك ليتطلب منك الوقت، والجهد، والكثير من الطاقة، والكثير من الشجاعة التي لديك، وبعد فترة تبدأ بتطوير ذلك لكونك مسحوب أو مجرور، وهل أنت منجذب له، أو لست منجذباً، وغير ذلك، فلن يكون لديك راحة أبداً، ولا طمأنينة، ولذلك فقد بدأت أشعر بأن هذه الأغاني مثل لعبة مدينة الملاهي تصعد لأعلى، ومن ثم تهوي جداً.

قلتُ:

هل لك تجربة في عالم التمثيل؟

فقال:

شاركت في فيلمين، أحدهما فيلم العراب، وكنت وقتها مراهقاً، وكنت مع الكثير من ممثلي هوليود مثل: أنجلينا جولي، والكثير من الممثلين، والممثلات الناجحين في هوليود، وفي عالم الأفلام، وعالم السينما.

هناك شيء كنت أبحث عنه عندما كنت شاباً صغيراً، وانتهى بي الأمر في النهاية إلى عالم الموسيقى بهذا الشكل، ولكنني حصلت على فرصة التمثيل، والشكر لدين داش الذي أشركني في الفيلمين اللذين شاركت فيهما  فبدأ الأمر على أنه نوع أو شيء من الكلاسيكيات، والأعمال الكلاسيكية الجيدة.

قلتُ:

نحن في جيلنا في سبعينات القرن الماضي أدركنا فيلم العراب الأمريكي، الذي كان يمثل فيه مارلين براندو، فهل هو نفس الفيلم الذي شاركت فيه أم هو غيره؟

فقال:

كلاّ، فالعراب كان أحد اقربائي، وفي ذلك الوقت كان فيلم العراب يتطرق إلى موضوع المافيا، وكان له تأثير كبير جداً على الحي الذي كنت أعيش فيه، وعلى الشباب في أمريكا، والكثير من تلك الأفلام كان لها تأثير كبير جداً، وربما أعطت نوعاً من الانطباع الخاطئ للشباب في ذلك الوقت، فقد دفعت الكثير منهم الآن ليحاولوا أن يكافحوا، ويسعوا إلى هذه الأفكار مثل الجد فيس، والجد فاذر، وفيلم العراب، ووجه الإله، وغيرها.

قلتُ:

وهل أسلم غيرك من مغني الراب، أو الروك، أو غير ذلك من المغنين المعروفين في أمريكا؟

وهل هناك إقبال على الإسلام من عالم الفن؟

فقال:

كثير من الفنانين المشهورين مثل ريكموف، وموتوريكلين، وسكار فيش، وفري واي، وجود براذر مان، وموتابن، تحولوا إلى الإسلام، وهناك الكثير من الفنانين في أغاني الهيب هوب دخلوا في الإسلام قبلي بوقت طويل، وأعتقد أن الإسلام له تأثير كبير جداً حتى على نوع الموسيقى التي اختاروها في ذلك الوقت، ولا يزال الكثير من هؤلاء الفنانين مستمرين في الغناء، وهم يجاهدون بين عملهم الواقعي في الحياة الحالية بأغانيهم، مع محاولتهم المحافظة على التزاماتهم تجاه الله تعالى، فهم يصومون، ويقومون، ويخرجون الزكاة، وغير ذلك.

قلتُ:

لو سألك سائل: وما المانع أن تكون مثلهم فتستمر في الموسيقى، وتؤدي رسالتك في الراب، ومع ذلك تصوم، وتصلي، وتحج، وتقرأ القرآن، وتتصدق، إلى آخر الشعائر التعبدية، والأخلاقية؟

فقال:

يجب أن يفهم الناس أن نمط الحياة الذي يأتي من خلال الموسيقى مختلف تماماً عن نمطها بدون موسيقى، فأنا أعتقد أن الغناء يزيل كل راحة البال التي شعرت بها أو تعرضت لها، فالمريض مثلاً عندما يجد العلاج، فإنه لن تعود إلى أسباب المرض مرة أخرى، وإلا كان غير عاقل، وكذلك الحال معي بالنسبة للإسلام، فأنا وجدت العلاج في الإسلام، فكيف أعود إلى المرض بيدي؟!!

قلتُ:

جوابك دقيق، وثقافي جداً؛ لأنك قلت كلمة ثقيلة، يعرفها الذين يدرسون العلوم الإنسانية، وهي أن الموسيقى نمط حياة، وأن الغناء ثقافة، وهذه الثقافة تنعكس بالتالي على سلوك الإنسان، ونظرته للحياة، وحركته الاجتماعية، هذا شيء يعرفه الناس، لا سيما أن الموسيقى اليوم خرجت عن دائرتها المعروفة إلى ثقافة الجسد، وابتذال الإنسان، إلى آخر التطورات التي أخذتها الموسيقى، فهل أنت معي في هذا الكلام؟

فقال:

هذا صحيح، فنمط الحياة يسير مع الموسيقى، ولا يمكنك أن تحصل على واحدة، وتحتفظ بها، وتتخلى عن الأخرى؛ لأن كليهما مترابط، ففي مرحلة معينة يصبح من الصعب عليك أن تتخلى عن واحدة منهما.

قلتُ:

كلامك جميل، وفيه رسائل تربوية لنا، ولأبنائنا.

نحن نعلم أن من أشهر أغانيك أغنية: I need a girl، وهذه مشكلة الشباب، فالكل منهم عنده الميل للجنس الآخر، ولكن ماذا صنع الغناء بصورة الآخر وهي البنت، أو الفتاة، في أذهان الشباب؟ والناس؟

فقال:

بقراءة تلك الأغنية شعرت بأن جمهور البنات هو أفضل جمهور أستطيع من خلاله أن أمارس قدرتي على كتابة الأغاني، ونجاح أغنية أنا أريد فتاة في ذلك الوقت كان دليلاً قوياً على أن معظم الرجال الذين ليسوا مسلمين يحتاجون لفتاة كعلاقة حقيقية، فأنا لم أتكلم في تلك الأغنية عن ارتكاب الزنى مثلاً، أو القيام بأي أشياء لفترة قصيرة؛ بل كانت الأغنية مبنية على محاولة تأسيس علاقة طويلة الأمد مع الفتاة، وهو شيء شبيه جداً بالزواج، وكما قلت: إن هذا كان أفضل شيء يمكن أن أقوم به في ذلك الوقت الذي لم أكن أعرف فيه الكثير، وانتهى الأمر إلى أن تكون أغنية ناجحة جداً، وعندما سافرت إلى بلدان العالم فإن الكثير من النساء كن يهنأنني على نجاحي، ولم أتوقع بأن تأتي فتيات فيقدمن أنفسهن لي بسبب هذه الأغنية، فلم أفكر في ذلك الوقت بأن النساء ستتصرف بهذه الطريقة بناءً على نجاح تلك الأغنية، واعتقدت بأنني كنت أقوم بالشيء الصحيح؛ ولكن بعد أن تمخضت عن هذه النتائج شعرت بألمها، وأساها.

قلتُ:

هذا لأن عندك ضمير، وعندك إنسانية، وشعرت بالمسؤولية، وعرفت الأثر، ولذلك اتخذت قرار التراجع، وهذا القرار ليس سهلاً، وإنما يحتاج إلى مجاهدة، وهذا دليل على قوة شخصيتك، ودليل صدقك في الإقبال على الإسلام، وطي الصفحة القديمة، وبداية صفحة جديدة، وهكذا تكون التوبة الصادقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى