بيني وبينكم 2009

بينى وبينكم 2009 الحلقة الثانية عشر لسنا في معسكر يزيد ج 1

لسنا في معسكر يزيد

 

ما من مجتمع إلا ويتكون من أناس، وهؤلاء جميعاً لهم انتماءاتهم المختلفة، التي تتوزع بين: انتماءات عرقية، وانتماءات دينية، وانتماءات سياسية، وغيرها.

وقد تكون هذه الانتماءات شبه جبرية، لأن صاحبها ولد في بيئة هذا مذهبها، وقد تكون الانتماءات اختيارية، لأن صاحبها ينتمي إلى تيار سياسي متفتح، وهناك انتماءات تجمع بين أكثر من توجه، فيكون صاحبها منتمياً لقبيلة معينة، ولتيار سياسي معين، ولمذهب، أو طائفة دينية معينة.

هكذا هي فسيفساء المجتمعات عموماً، فالانتماء في حد ذاته حاجة أساسية لكل شخص، إلا أن هناك حاجتين كبيرتين حسب بعض مدارس علم النفس، والتي ننطلق فيها من قول الله تبارك وتعالى: {قال هل أدلك على شجرة الخلد وملك ﻻ يبلى} [طه/120]، هي: الخلود، والملكية.

فالإنسان يحب في هذه الحياة أن يكون دائماً أبدياً، وهو يتحرك بناء على هذا الخلود، وهذه النزعة، وهو كذلك يحب أن يمتلك، وأن تكون له خصوصية، فيتحرك بناء على هاتين النزعتين الكبيرتين، ولكن ذلك لا يمنع من وجود حاجات أخرى، كالانتماء.

خطورة الانتماء وإيجابياته:

في الدولة الإسلامية وجهت، ووظفت الانتماءات توظيفاً إيجابياً، فعندما تقرأ عن معارك المسلمين سواء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، أو ما بعده، فإنك تجد الجيش إلى ألوية بحسب القبائل: فَلِبَني تميم راية، ولبني تغلب راية، ولبني مخزوم راية، وهكذا، فلماذا يقسم الجيش حسب الانتماءات العرقية، والقبلية؟

والجواب: أن لهذا التقسيم توظيفين:

التوظيف الأول: الحماية، بحيث يتعاهد هؤلاء القوم على حماية المنطقة، والموقع الذي وُضعوا فيه، فلا يأتي العدو من قِبَلهم، فيكونوا سبب غلبة العدو، وسبب الخيبة، وهذا يصنع جواً من المنافسة، والتسابق، والتفاني في الدفاع عن الوطن، والمال، والأهل، فهذا توظيف ايجابي للانتماء.

التوظيف الثاني: الأمن، بحيث تكون هناك صعوبة في اختراق الجواسيس للرايات المفروزة بناء على انتماءات معينة، فاللغة لها دور، والعرق، والقبيلة كذلك، والناس يعرفون بعضهم البعض، فبمجرد اللحن في الكلام يُعرَف الشخص المدسوس أنه ليس من هذه القبيلة، فيتم القبض عليه.

أما الخطورة الكبيرة للانتماء فهو في توظيفه توظيفاً سلبياً في إحياء ثقافة البغضاء، ونزعة الكراهية، وإحياء الفتنة بين الناس!

وكذلك أن يكون هناك من عباقرة الشياطين، والأذكياء من يوظفون الانتماء لأغراض مصلحية، فيوظف التيار توظيفاً مصلحياً، أو يوظفه توظيفاً سياسياً، بعيداً عن المصلحة العامة للمجتمع، وهذا يقع في تاريخ الأفراد، والجماعات، بمختلف توجهاتهم.

إلا أن الخطورة الأشد في هذا الانتماء إن كان منطلقاً من خلفية دينية، أو تراثية، أو يكون مبنياً على أسطورة، أو على سماع ثقافي، فيكون متوارثاً من غير مراجعة، أو دراسة للأخطاء التي تقع.

ولذلك عندما تقرأ في ثقافة المستشرقين، تجد أنهم درسوا العرب والمسلمين قبيلة قبيلة، وجغرافيا جغرافيا، وبلداً بلداً، ولغة لغة! لماذا؟

لأن المستشرقين هم طليعة المستعمرين، فهم الذين يكتبون التقارير، ويعطون الخريطة الثقافية للمستعمر، حتى إذا جاء ذلك المستعمر، فإنه يعمل عهداً مع هذا، ويفتت بذاك، ويستميل ذلك، ويضرب هذا بذاك، وكل ذلك بناء على دراسات هؤلاء المستشرقين لتاريخنا، وثقافتنا، وعاداتنا.

وعليه؛ لا تلومني إذا فتحتُ التاريخ لكي أقرأه من جديد، قراءة واعية، فاحصة، ممحصة، لأحداثه، ومروياته، ومسلماته عند البعض.

لأن التاريخ عندما يُحيا، ويتنازع عليه، ويوظف توظيفاً خاطئاً، ويحدث فتنة، ويشحن النفوس، ويربك العلاقات الاجتماعية، ويدفع به دفعاً إلى ما بعد ذلك، فهنا تكمن الخطورة، ولا بد أن ندق ناقوس الخطر، للإسراع في العلاج، والسيطرة على الوضع قبل تفاقمه.

قد يقال لي: تقولي: لماذا الكلام على يزيد في هذا الوقت، ولماذا تفتح أوراقاً سابقة انتهت؟

فأقول: يجب فتح هذا الملف، لأنه في كل سنة في مواسم دينية يفتح الموضوع، ويثار، ويتجدد الجدل مرة بعد مرة، ونحن مأسورون لعواطفنا، مغلوبون في انتماءاتنا، يصعب علينا أن نتحرر منها بالكلية، إلا من رزق العقل، وقدر المصلحة العامة، واستطاع أن يتخلص من موروث كبير، وكانت عنده مصالح كثيرة، نسأل الله أن يرزقنا ذلك، ومع ذلك نظل في بشريتنا.

أطرح موضوع يزيد بن معاوية، ومأساة آل البيت، والحسين الشهيد، وأهل الحرّة، كل ذلك خلال ثلاث سنوات وشهور من حكم يزيد، بدأ دولته بدماء، وأنهاها بدماء، وهي دماء أطهر أناس في المجتمع الإسلامي، وأزكاهم، وأصدقهم.

في إحدى الدول الخليجية، وفي موسم محرم، قرأتُ لافتة معلقة، عملت بلبلة وضجة كبيرة، مكتوب عليها: (معركة كربلاء قائمة بطرفيها اليوم، وغداً في النفس، في البيت، في كل ساحات الحياة، والمجتمع، وسيبقى الناس منقسمين إلى معسكرين: معسكر مع الحسين، ومعسكر مع يزيد! فاختر معسكرك؟).

هذا الإعلان، أو هذه اللافتة، أثارت فتنة أنكرتها – ولله الحمد- جميع المذاهب، لأنه ما هكذا تورد الإبل، وما هكذا ينظر إلى التاريخ، ولا هكذا يتم إسقاطها على الواقع المعاصر.

هذه القسمة ذكرتني بمقال كتبه رمز مشهور في بلد خليجي مفاده: إلى متى يظل أتباع الحسين يختلفون مع أتباع يزيد؟!!

فجعل أهل السنة من أتباع يزيد، وجعل الشيعة الإمامية  من أتباع الحسين!!

ولا شك أن هذا خطأ محض، كما سيأتي معنا.

ولذلك كان لا بد لي من طرح هذا الموضوع، وهو موضوع يزيد: كيف نقرأه؟ وكيف نتفاعل معه؟ وكيف  نفهمه؟ وكيف نتناوله تناولاً صحيحاً لو طرح في أي يوم من الأيام؟

وأرجو أن نلج فيه بهدوء، فنحن لا نتكلم عن مقدس، وإنما نتكلم عن تاريخ اشتمل على الحسن والسيء، والخير والشر، والصلاد والفساد، والتحسس من الحديث عنه ليس لأنه مقدس؛ ولكن لانتماءاتنا، وللجو المشحون في العالم كله.

سوف أطرح الموضوع بكل صراحة، ومن غير مجاملة لأحد.

نتكلم عن يزيد بن معاوية، والفترة القصيرة التي حكم بها، وكان لهذه الفترة التي ملأت بالمفاسد، والمظالم، أثرها السلبي على الفكر، وعلى التاريخ، وعلى الإنسانية، لأن الظلم ﻻ يأتي بخير.

فأنا أريد أن أصحح مفهوماً للإمامية الاثني عشرية، ولأهل السنة كذلك، ألا وهو: ذلك التقسيم الوهمي، والخاطئ، الذي نشأ في عقول البعض من أن الحسين محسوب على التيار الفلاني، ويزيد محسوب على التيار العلاني!!

وأقول: وهذا القول نيابة عن كل مسلم بفطرته من أن المسلمين جميعاً يحبون الحسين عليه السلام، ويوالونه، ويدعون له، ويرونه سيد شباب أهل الجنة، وأنه قتل شهيداً، مظلوماً، مجاهداً، ويرون ظُلْم قاتله، وفجوره، بل نقول في ذلك كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاواه وأما من قتل الحسين، أو أعان على قتله، أو رضي بذلك، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً. ويقول في موطن آخر: والحسين رضي الله عنه أكرمه الله تعالى بالشهادة في هذا اليوم، وأهان بذلك من قتله، أو أعان على قتله، أو رضي بقتله، وله أسوة حسنة بمن سبقه من الشهداء، فإنه وأخوه سيدا شباب أهل الجنة، وكانا قد تربيا في عز الإسلام، لم ينالا من الهجرة والجهاد والصبر على الأذى في الله ما ناله أهل بيته، فأكرمهما الله تعالى بالشهادة تكميلاً لكرامتهما، ورفعاً لدرجاتهما، وقتله مصيبة عظيمة.

انتهى كلامه رحمه الله تعالى، وهذا أمر متفق عليه بين عامة المسلمين، فمن أين جاءت تلك القسمة التاريخية الظالمة؟!

ومثل هذا التقسيم هو الذي ولّد ردة الفعل، وأخطر ما في الانتماءات هو ردّات الأفعال، التي تجعل الطرف المبطل يتمسك بباطله مع علمه بذلك، ليس لشيء إلا حمية، وأنفة، وتعصباً!!

فعندما يأتي طرف ما ويثير موضوع يزيد، ويتكلم عليه على أنه ينتمي إلى تيار معين، فيسقط هذا التيار بناء على ذلك، يأتي من ينتمي لذاك التيار المُسقَط يريد الدفاع عن نفسه، فيقول الباطل! فيزيد لم يفعل شيئاً، ولم يأمر بقتل الحسين، أو أنه لم يكن يعلم، أو غير ذلك من المبررات الباهتة والساذجة، ويطبع ذلك بمواقف ردة فعل بعقليات شعبية، لا علاقة لها ﻻ بالعلم، ولا بقراءة التاريخ.

ومن المعلوم لدى أهل الاختصاص أن من أصعب الأمور تقييم التاريخ! فهناك روايات الإخباريين، وروايات المؤرخين، وروايات المحدثين، وروايات القصاص، وتجد تناقض الروايات في القصة الواحدة، فهذا أخذ بهذه الرواية لأنها وافقت هواه ومذهبه، وذاك يلعب الدور نفسه، فتحدث ربكة كبيرة، واضطراب، وخلل.

فمن الذي يفرز تلك الروايات ما بين صحيحة وضعيفة وباطلة؟

ومن الذي يمحص، ويفحص، ويكون موضوعياً في الحكم؟

وقد يقال: ولماذا تصدر حكمك من البداية على يزيد أنه ظالم، أو مجرم، أو فاسق؟

فأقول: لأن هذا ما أجمعت عليه الأمة، وسوف أنقل الإجماع لمن يظن أنه محسوب عليهم، أعني إجماع أهل السنة من الفقهاء، والمحدثين، والمتكلمين، والمفسرين، والمؤرخين، لكي يعلم البعض أنه يعيش في وهم من أن يزيد ﻻ علاقة له بتلك الحوادث المأساوية! بل هو أحد مجرمي التاريخ، وطواغيته، وما المشكلة في اعتقاد ذلك؟!

قد يجيب البعض: بأنك بهذا القول تخدم التيار الآخر، وتجرؤهم علينا!!

فأقول: مقصودي من ذلك كله تصحيح ما في رأسك، ورأسه من معلومات مغلوطة، واعتقادات باطلة، وتصورات خاطئة. لماذا؟

لأن دائرة المفكر، أو الناقد، أو المحلل، في عدم استسلامه للواقع، والرضوخ لضغوطه، بل إنه يعتلي عليه، ويسلط عليه أشعة العقل، وأدوات الجرح والتعديل، والنقد، ثم يقول رأيه بعد ذلك الذي يدين الله تعالى به، رضي من رضي، وغضب من غضب.

فمن هو يزيد الذي نتحد عنه؟

هو: يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية القرشي الأموي الدمشقي، يكنى بأبي خالد، وأمه ميسون بنت بحدل الكلبية، طلقها معاوية، وهي حامل فيه.

قال الإمام الذهبي: كان ضخماً، كثير الشعر، شديد الأدمة، بوجهه أثر جدري، وكان قوياً، شجاعاً، ذا رأي، وحزم، وفطنة، وفصاحة، وله شِعْر جيد.

انظر إلى إنصاف علماء المسلمين!

ثم بماذا ختم الإمام الذهبي كلامه عنه؟

قال: وكان ناصبياً، فظاً، غليظاً، جلفاً، يتناول المسكر، ويفعل المنكر!!

قوله: كان ناصبياً! ما معنى ناصبي؟

بالرجوع إلى معاجم اللغة نجد أن النواصب: هم المتدينون ببغض سيدنا أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه؛ لأنهم عادوه، وأظهروا له الخلاف، وهم طائفة من الخوارج.

فالناصبة يتعبدون بكره وبغض آل البيت!!

فيزيد بن معاوية يصنف في دائرة الناصبة كالحجاج بن يوسف الثقفي، كما نص على ذلك شيخ الإسلام في كتاب منهاج السنة النبوية.

تولّيه للحكم:  

عقد له أبوه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ولاية العهد من بعده، فتسلم الملك عند موت أبيه، في رجب سنة 60 للهجرة، وعمره 33 سنة.

دولته:

قال الذهبي: افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسين رضي الله عنه، واختتمها بواقعة الحرة، فمقته الناس، ولم يبارك في عمره، وخرج عليه غير واحد بعد الحسين، كأهل المدينة قاموا لله، وكمرداس بن أدية الحنظلي البصري، ونافع بن الأزرق، وطواف بن علي السدوسي، وابن الزبير بمكة.

قال: فكانت دولته أقل من أربع سنين، ولم يمهله الله على فعله بأهل المدينة لما خلعوه.

وفاته:

توفي يزيد في نصف ربيع الأول سنة 64.

الموقف من يزيد:

هناك ثلاثة مواقف من هذا الرجل، وكلها اجتهادات:

الموقف الأول: أنه كافر منافق، وما فعله بالحسين إنما هو تشفٍّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهناك روايات، وأشعار، ومواقف تدل على ذلك، وممن قال بذلك: الإمام ابن عقيل الحنبلي، والإمام الألوسي صاحب تفسير روح المعاني.

الموقف الثاني: أنه رجل صالح، وإمام عادل! بل خلط بعضهم خلطاً عجيباً حين عدّه من الصحابة!!

والصواب خلاف ذلك كله، وأن الصحابي هو عمه يزيد بن أبي سفيان.

الموقف الثالث: أنه ملك من ملوك المسلمين، له حسنات وسيئات، لكن سيئاته طغت على حسناته، وانتهى الأمر به إلى الفسق، والظلم، ومن ثم ﻻ نتولاه، ونتبرأ منه، وليس هو عدلاً في أن يروى عنه الحديث.

وأنا مع هذا الرأي: فأنا لا أكفره، و لا ألعنه، علماً أن اللعن مسألة اجتهادية كما قال الفقهاء، وقد لعنه من كل المذاهب أناس، لكن المسألة ترتبط بجانب ذوقي، وأخلاقي، وتربوي، فاللعن لا يقدم، ولا يؤخر شيئاً.

وممن قال بجواز لعنه من الأئمة والعلماء: القاضي أبو يعلى، وابنه أبو الحسين، والقاضي الخلال الحنبلي، وغلامه عبد العزيز، وابن الجوزي، وسبطه، وابن محب الدين الحنفي، والإمام التفتازاني، والإمام السيوطي.

أما أصحاب الرأي الأول الذين قالوا عنه: كافر، ومنافق، فنحن نقول: هو ظالم، وفاسق، ولكن لا نستطيع الجزم بكفره، ونفاقه، فهذا أمره إلى الله تعالى.

ولا يشترط في الكافر أن يكون سفاكاً للدماء، مجرماً، عنيداً، عتيداً، لا يقيم وزناً للحرمات، فقد يوجد من المسلمين من يفعل أشد من ذلك، وأخبث!!

موقف العلماء من يزيد:

لو استعرضنا أقوال جمهور العلماء فإننا نجدهم يتهمونه بالفسق، والظلم، وهذا ما اتفقوا عليه، أما مسألة اللعن:

فيقول ابن كثير: وقد استدل بهذا الحديث وأمثاله من ذهب إلى الترخيص في لعنة يزيد بن معاوية، وهو رواية عن أحمد بن حنبل، اختارها الخلال، وأبو بكر عبد العزيز، والقاضي أبو يعلى، وابنه القاضي أبو الحسين، وانتصر لذلك أبو الفرج ابن الجوزي في مصنف مفرد، وجوّز لعنته.

ومنع من ذلك آخرون، وصنّفوا فيه أيضاً، لئلا يجعل لعنه وسيلة إلى أبيه، أو أحد من الصحابة، وحملوا ما صدر عنه من سوء التصرفات على أنه تأول وأخطأ، وقالوا: إنه كان مع ذلك إماماً فاسقاً.

أما بعض المتأخرين فقد خلط بين مسألتين:

الأولى: حال يزيد، فقد حسمها أهل الجرح والتعديل، ونقاد الحديث، أنه ليس أهلاً للرواية، وأنه محكوم عليه بالفسق، والظلم، فلا نحبه.

الثانية: حكم لعنه، فقد اختلفوا في ذلك كما بين الحافظ ابن كثير.

ولهم في ذلك قاعدة مشهورة يقولون فيه وفي أمثاله: لا نحبه، ولا نسبّه.

ومن الروايات المهمة والجميلة في هذا المقام ما ذكره الحافظ ابن حجر في كتابه تهذيب التهذيب: عن يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية أحد الثقات، قال: حدثنا نوفل بن أبي عقرب ثقة، قال: كنت عند عمر بن عبد العزيز، فذكر رجل يزيد بن معاوية، فقال: أمير المؤمنين يزيد! فقال عمر: تقول أمير المؤمنين يزيد!! وأمر به فضرب عشرين سوطاً.

فهذا أحد المشاهير الكبار: عمر بن عبد العزيز، الخليفة الأموي، الزاهد العابد، الفقيه مجتهد، يقول ذلك.

وهذا نوع من التعزير، والتأديب؛ لأنه قال ذلك على سبيل الثناء، والتمجيد.

أما موقف الإمام أحمد بن حنبل، إمام أهل السنة، من يزيد، فكان واضحاً تماماً:

قال صالح بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: إن قوماً يقولون: إنهم يحبون يزيد. قال: يا بني؛ وهل يحب يزيدَ أحد يؤمن بالله واليوم الآخر؟! فقلت: يا أبت فلماذا لا تلعنه؟ قال: يا بني؛ ومتى رأيت أباك يلعن أحداً؟

وروي عنه أنه قيل له: أتكتب الحديث عن يزيد بن معاوية؟ فقال: لا، ولا كرامة. أوليس هو الذي فعل بأهل المدينة ما فعل؟!

وضوح ما بعده وضوح، ولكن الهوى يعمي صاحبه.

وهذا مهنا أحد تلاميذ الإمام أحمد يقول: سألت أحمد عن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، قال: هو فعل بالمدينة ما فعل؟ قلت: وما فعل؟ قال: قتل بالمدينة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وفعل. قلت: وما فعل؟ قال: نهبها. قلت: فيُذكر عنه الحديث؟ قال: لا يذكر عنه الحديث، ولا ينبغي لأحد أن يكتب عنه حديثاً.

أما موقف الإمام ابن تيمية الذي فُهم فهماً خاطئاً، فإنه يفرق بين الحكم على المعين بالكفر، أو الفسق، وبين لعنه، فهو يجوّز اللعن المجمل المطلق، كقولك: ألا لعنة الله على الظالمين، أما تعيين فلان باللعن فلا ينبغي، لأن مآلات الأمور عند رب العالمين، ولا تدري بما يختم للإنسان، ومع ذلك يبين أن لعن المعين مسألة يسوغ فيها الاجتهاد.

يقول في منهاج السنة النبوية مناقشاً القائلين بجواز اللعن: غاية يزيد وأمثاله من الملوك أن يكونوا فساقاً، فلعنة الفاسق المعين ليست مأموراً بها.

ويقول أيضاً: لكنه مع ذلك ما انتصر للحسين، ولا أمر بقتل قاتله، ولا أخذ بثأره.

أي أنه عطل حكم الله تعالى في هؤلاء القتلة، الذين قتلوا سيد شبال أهل الجنة، وريحانة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

ويقول في موضع آخر: وأما ترك محبته – أي يزيد – فلأن المحبة الخاصة إنما تكون للنبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين؛ وليس واحداً منهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: {المرء مع من أحب}، ومَن آمن بالله واليوم الآخر لا يختار أن يكون مع يزيد، ولا مع أمثاله من الملوك؛ الذين ليسوا بعادلين.

ويقول أيضاً: وجرت في إمارته أمور عظيمة: أحدها مقتل الحسين رضي الله عنه، إلى أن قال: فإن أهل المدينة النبوية نقضوا بيعته، وأخرجوا نوابه وأهله، فبعث إليهم جيشاً، وأمره إذا لم يطيعوه بعد ثلاث أن يدخلها بالسيف، ويبيحها ثلاثاً، فصار عسكره في المدينة النبوية ثلاثاً، يقتلون وينهبون ويفتضون الفروج المحرمة، ثم أرسل جيشاً إلى مكة المشرفة، فحاصروا مكة، وتوفي يزيد وهم محاصرون مكة، وهذا من العدوان والظلم الذي فعل بأمره.

هذا رأي ابن تيمية واضحاً صريحاً، فلماذا ﻻ يبرز، ولا يُظهر؟ ومن الذي دفنه وأخفاه عن الناس؟

وهذا الحافظ ابن كثير يسير في يزيد على النسق نفسه، حيث يقول كما في كتابه البداية والنهاية: يزيد بن معاوية أكثر ما نقم عليه في عمله شرب الخمر، وإتيان بعض الفواحش.

وقال في موطن آخر: فإنه – أي يزيد – لم يمهل بعد وقعة الحرة، وقتل الحسين، إلا يسيراً، حتى قصمه الله الذي قصم الجبابرة قبله وبعده، إنه كان عليماً قديراً.

ومن هؤلاء الأئمة والعلماء الذين تكلموا في يزيد: الحافظ ابن حجر العسقلاني، ففي شرحه لحديث البخاري: عن عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد، قال: أخبرني جدي، قال: كنت جالساً مع أبي هريرة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ومعنا مروان، قال أبو هريرة: سمعت الصادق المصدوق يقول: «هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش». فقال مروان: لعنة الله عليهم، غلمة. فقال أبو هريرة: لو شئت أن أقول: بني فلان، وبني فلان، لفعلت.

قال عمرو: فكنت أخرج مع جدي إلى بني مروان حين ملكوا بالشام، فإذا رآهم غلماناً أحداثاً قال لنا: عسى هؤلاء أن يكونوا منهم؟ قلنا: أنت أعلم.

قال الحافظ ابن حجر: قال ابن بطال: جاء المراد بالهلاك مبيناً في حديث آخر لأبي هريرة أخرجه علي بن معبد وابن أبي شيبة من وجه آخر، عن أبي هريرة رفعه: أعوذ بالله من إمارة الصبيان. قالوا: وما إمارة الصبيان؟ قال: إن أطعتموهم هلكتم، وإن عصيتموهم أهلكوكم.

وفي رواية ابن أبي شيبة: أن أبا هريرة كان يمشي في السوق، ويقول: اللهم لا تدركني سنة ستين، ولا إمارة الصبيان.

قال الحافظ: وفي هذا إشارة إلى أن أول الأغيلمة كان في سنة ستين، وهو كذلك، فإن يزيد بن معاوية استخلف فيها، وبقي إلى سنة أربع وستين فمات.

ثم قال: فإن يزيد كان غالباً ينتزع الشيوخ من إمارة البلدان الكبار، ويوليها الأصاغر من أقاربه.

وفي تقريب التهذيب، يقول ابن حجر في ترجمة يزيد: يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي، أبو خالد، ولي الخلافة سنة ستين، ومات سنة أربع وستين، ولم يكمل الأربعين، ليس بأهل أن يروى عنه.

وفي كتاب الإمتاع بالأربعين: لما سئل عن لعن يزيد، وماذا يترتب على من يحبه ويرفع من شأنه؟ فقال بعد أن ذكر الخلاف في لعنه: وأما المحبة فيه، والرفع من شأنه، فلا تقع إلا من مبتدع فاسد الاعتقاد، فإنه كان فيه من الصفات ما يقتضي سلب الإيمان عمن يحبه، لأن الحب في الله، والبغض في الله من الإيمان، والله المستعان.

وهذا إمام أهل الأندلس الإمام ابن حزم الظاهري يذكر فاجعة الحرة، وما وقع فيها من هتك للحرمات، وقتل لخيار الناس وأفاضلهم، على يد جيش يزيد، حتى قال: وهي أيضاً أكبر مصائب الإسلام وخرومه، ثم قال بعد ذلك: وأخذ الله تعالى يزيد أخذ عزيز مقتدر، فمات بعد الحرة بأقل من ثلاثة أشهر، وأزيد من شهرين.

وهذا الإمام ابن مفلح الحنبلي يقول في كتابه الفروع: من أصحابنا -أي الحنابلة-  من أخرج الحجاج عن الإسلام، لأنه أخاف المدينة، وانتهك حرم الله، وحرم رسوله، فيتوجه عليه: يزيد ونحوه.

أما أئمة الشافعية، فهذا سعد الدين التفتازاني يقول في العقائد النسفية: الحق أن رضى يزيد بقتل الحسين، وإهانته أهل البيت، مما تواتر معناه، وإن كان تفاصيله آحاداً، فنحن لا نتوقف في شأنه، بل في إيمانه، لعنة الله عليه، وعلى أنصاره، وأعوانه.

قال الزين العراقي: وقوله بل في إيمانه أي بل لا يتوقف في عدم إيمانه، بقرينة ما قبله وما بعده.

أما أئمة المالكية: فيقول عليش في فتح العلي المالك: وإذا علمت هذا -أي اللعن-  علمت بأنهم مصرحون بأنه لا يجوز لعن يزيد، وإن كان فاسقاً خبيثاً.

وأما السادة الأحناف: فهذا الفقيه أبو الليث الحنفي يقول: إن كان العامل مثل عمر بن عبد العزيز فشهادته جائزة، وإن كان مثل يزيد بن معاوية فلا. (لم أجد مصدرها)

فعدم قبول شهادته يعني سقوط عدالته عنده.

وهذا شهاب الدين الألوسي صاحب التفسير الشهير روح المعاني يقول: وأنا أقول: الذي يغلب على ظني أن الخبيث – أي يزيد – لم يكن مصدقاً برسالة النبي صلّى الله عليه وسلّم، وأن مجموع ما فعل مع أهل حرم الله تعالى، وأهل حرم نبيه عليه الصلاة والسلام، وعترته الطيبين الطاهرين، في الحياة وبعد الممات، وما صدر منه من المخازي، ليس بأضعف دلالة على عدم تصديقه من إلقاء ورقة من المصحف الشريف في قذر، ولا أظن أن أمره كان خافياً على أجلة المسلمين إذ ذاك، ولكن كانوا مغلوبين مقهورين، لم يسعهم إلا الصبر، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، ولو سلّم أن الخبيث كان مسلماً، فهو مسلم جمع من الكبائر ما لا يحيط به نطاق البيان، وأنا أذهب إلى جواز لعن مثله على التعيين، ولو لم يتصور أن يكون له مثل من الفاسقين، والظاهر أنه لم يتب، واحتمال توبته أضعف من إيمانه، ويلحق به ابن زياد، وابن سعد، وجماعة، فلعنة الله عز وجل عليهم أجمعين، وعلى أنصارهم وأعوانهم وشيعتهم، ومن مال إليهم إلى يوم الدين، ما دمعت عين على أبي عبد الله الحسين، ويعجبني قول شاعر العصر ذو الفضل الجلي عبد الباقي أفندي العمري الموصل وقد سئل عن لعن يزيد اللعين:

يزيد على لعني عريض جنابه … فأغدو به طول المدى ألعن اللعنا

وهذا الإمام الشوكاني يقول في كتابه نيل الأوطار: لا ينبغي لمسلم أن يحط على من خرج من السلف الصالح من العترة وغيرهم على أئمة الجور، فإنهم فعلوا ذلك باجتهاد منهم، وهم أتقى لله، وأطوع لسنة رسول الله، من جماعة ممن جاء بعدهم من أهل العلم، ولقد أفرط بعض أهل العلم كالكرامية ومن وافقهم في الجمود على أحاديث الباب – أي أحاديث حرمة الخروج على أئمة الجور – حتى حكموا بأن الحسين السبط رضي الله عنه وأرضاه باغٍ على الخمّير السكير، الهاتك لحرم الشريعة المطهرة يزيد بن معاوية لعنهم الله، فيالله العجب من مقالات تقشعر منها الجلود، ويتصدع من سماعها كل جلمود.

ولابن خلدون كلام طويل في هذه المسألة، وهو إن كان التمس العذر لمن كان مع يزيد من بعض الصحابة، لأنهم يرونه إماماً وإن كان فاسقاً، فلا يجوز الخروج عليه، إلا أن كلامه يصب في الإطار نفسه، وأن الحسين كان مجتهداً في خروجه، وأن الصحابة الكرام أنكروا عليه الخروج لا لشيء، وإنما خوفاً عليه من بطش يزيد وزبانيته، حيث يقول: وأمّا غير الحسين من الصّحابة الّذين كانوا بالحجاز، ومع يزيد بالشّام والعراق، ومن التّابعين لهم، فرأوا أنّ الخروج على يزيد وإن كان فاسقاً لا يجوز، لما ينشأ عنه من الهرج والدّماء، فأقصروا عن ذلك، ولم يتابعوا الحسين، ولا أنكروا عليه، ولا أثّموه؛ لأنّه مجتهد، وهو أسوة المجتهدين.

ثم قال: وقتال البغاة عندهم من شرطه أن يكون مع الإمام العادل، وهو مفقود في مسألتنا، فلا يجوز قتال الحسين مع يزيد، ولا ليزيد، بل هي من فعلاته المؤكّدة لفسقه، والحسين فيها شهيد مثاب، وهو على حقّ واجتهاد.

ثم أنكر قول ابن العربي المالكي وغلّطه، حيث ادعى أن الحسين قتل بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الآمرة بلزوم الجماعة، وعدم الخروج على الإمام، ولو أدى ذلك إلى قتل الخارج! فقال ابن خلدون: وقد غلط القاضي أبو بكر ابن العربيّ المالكيّ في هذا، فقال في كتابه الّذي سمّاه بالعواصم والقواصم ما معناه: إنّ الحسين قُتل بشرع جدّه!! وهو غلط، حملته عليه الغفلة عن اشتراط الإمام العادل، ومن أعدل من الحسين في زمانه، في إمامته وعدالته في قتال أهل الآراء؟!!

وفي فتاوى اللجنة الدائمة في المملكة العربية السعودية سؤال عن يزيد وحكم لعنه، فكان من جوابهم قولهم: وأما يزيد بن معاوية فالناس فيه طرفان ووسط، وأعدل الأقوال الثلاثة فيه أنه كان ملكًا من ملوك المسلمين، له حسنات وسيئات، ولم يولد إلاَّ في خلافة عثمان رضي الله عنه، ولم يكن كافرًا، ولكن جرى بسببه ما جرى من مصرع الحسين، وفعل ما فعل بأهل الحرة، ولم يكن صاحبًا، ولا من أولياء الله الصالحين.

ثم في نهاية الفتوى: وأما بالنسبة لترك المحبة، فلأنه لم يصدر منه من الأعمال الصالحة ما يوجب محبته، فبقي واحدًا من الملوك السلاطين، ومحبة أشخاص هذا النوع ليست مشروعة، ولأنه صدر عنه ما يقتضي فسقه وظلمه في سيرته، وفي أمر الحسين وأمر أهل الحرة.

وللشيخ عائض القرني كتاب بعنوان: مقامات القرني، ذكر فيه المقامة الحسينية، هذا طرف منها، حيث يقول:

أنا سني حسيني، جعلت ترحمي عليه مكان أنيني.

أنا أحب السبطين، لكني أقدم الشيخين، ليس من لوازم حب الشمس أن تكره القمر.

وموالاة الحسن، والحسين تقتضي موالاة أبي بكر وعمر.

لأنه يحبهم، ويحبونه، ويحترمهم، ويحترمونه.

قاتل الله عبيد الله بن زياد يحرج على رؤوس العظماء في سوق المزاد.

الحسين ﻻ يمجد بضريح، ولا بالإسراف في المديح.

لكننا نصدق في حبه إذا اتبعنا جده، وحملنا وده، وليس بأن نعكف عنده.

إلى آخر هذه المقامة الجميلة.

وهذا غيض من فيض، وقطرة من بحر، وإلا فهناك عشرات الأمثلة من العلماء الذين وقفوا الموقف نفسه من يزيد، وأفعاله الشنيعة.

ومن باب أمانة النقل، وذكر المخالف، فإننا وجدنا كتاباً لأحد السابقين في فضائل يزيد، لعبد المغيث بن زهير الحربي، إلا أن هذا الكتاب لم يجد رواجاً، وقام الإمام ابن الجوزي، وهو من عاصر عبد الحق، بالرد على كتابه بكتاب عنوانه: الرد على المتعصب العنيد المانع من دم يزيد.

قال الإمام الذهبي: وقد ألف جزء في فضائل يزيد، أتى فيه بعجائب وأوابد، لو لم يؤلفه لكان خيراً.

وقال الحافظ ابن كثير: وله مصنف في فضل يزيد بن معاوية، أتى فيه بالغرائب والعجائب، وقد رد عليه أبو الفرج بن الجوزي فأجاد وأصاب.

فكثير من العلماء أنكر هذا الكتاب، ولم يحمد فعل عبد المغيث في ذلك.

بقي مسألة لا بد من الإشارة إليها، وهي أن البعض يذكر أن من حسنات يزيد غزوه القسطنطينية، وفي هذه الغزوة يقول الرسول صلى الله عليه وسلم – كما في صحيح البخاري – : «أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم»، حيث إن يزيد كان أمير ذلك الجيش!

قلتُ: هذا الحديث الذي عول عليه البعض، وفهمه فهماً قاصراً، وطبقه تطبيقاً خاطئاً دعاية ليزيد، لا حجة فيه لهم!! لماذا؟!

لأن القاعدة تقول: يحكم على الرجل بما يغلب عليه.

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري نقلاً عن بعض العلماء، ردًّا على هذه الشبهة: لا يلزم من دخوله في ذلك العموم أن لا يخرج بدليل خاص، إذ لا يختلف أهل العلم أن قوله صلى الله عليه وسلم مغفور لهم مشروط بأن يكونوا من أهل المغفرة، حتى لو ارتد واحد ممن غزاها بعد ذلك لم يدخل في ذلك العموم اتفاقاً، فدل على أن المراد مغفور لمن وجد شرط المغفرة فيه منهم.

وهذا رد موفق.

فكون فلان مجرماً، وطاغية، وسفاحاً، وهادراً لحقوق الناس، ومع هذا السجل الإجرامي النكد عُرف عنه بِرّه بأمه، أو كثرة قراءته للقرآن، أو فعله لبعض الحسنات، فإن كل ذلك لا يرفعه إلى درجة الأولياء، والصالحين، ولا يكفر عنه تلك الشناعات، والقبائح، والموبقات، بل يبقى منظوراً إليه بالمنظار الشرعي أنه مجرم، آثم، ظالم، هاتك للحرمات، لا يمدح، ولا يُحَب، ولا يوالى.

يجب أن نكون عادلين في أحكامنا سلباً وإيجاباً.

ثم إن فتح القسطنطينية كان سنة 52هـجرية، وجرائمه كانت سنة 60 إلى 63 هجرية، فهل كان الحديث عصمة له؟!!

وأما رواية محمد بن الحنفية أنه سئل عن يزيد وأنه يشرب الخمر، ولا يصلي الصلوات، فأنكر ذلك.

فنقول: إن كثيراً من العلماء ذكر هذه الرواية – سواء صحت أم لا –  لكنهم لم يقفوا عندا، ولم يزكوا يزيد، ولم يمدحوه، ولم يثنوا عليه، بل وصفوه بالفسق، والفجور، والجرأة على الدماء، لأنهم يحكمون على الشخص بما يغلب عليه.

وعلى فرض صحة ذلك، فأين حكم الله تعالى في تلك الدماء الزكية، التي أريقت بغير وجه حق، وهو مسؤول عنها، لأنها كانت في دولته؟!

لقد عطّل حكم الله تعالى في أكبر المجرمين المفسدين في الأرض في وقته: عبيد الله بن زياد لعنه الله، الذي ولاه البصرة!! هذا المجرم الخبيث الذي كان يلعب برأس الحسين بالعود!! فقد جاء في الحديث الصحيح عن أنس بن مالك قال: كنت عند ابن زياد، فجيء برأس الحسين عليه السلام، فجعل يقول بقضيبه في أنفه، ويقول: ما رأيت مثل هذا حسناً، قلت: «أما إنه كان أشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم».

فعاقبه الله تعالى أليم العقاب، وأذاقه من الكأس نفسها، قال أبو الطفيل: عزلنا سبعة أرؤس، وغطينا منها رأس حصين بن نمير، وعبيد الله بن زياد، فجئت، فكشفتها، فإذا حية في رأس عبيد الله تأكل.

وفي رواية عن عمارة بن عمير، قال: جيء برأس عبيد الله بن زياد وأصحابه، فأتيناهم وهم يقولون: قد جاءت، قد جاءت، فإذا حية تخلل الرؤوس، حتى دخلت في منخر عبيد الله، فمكثت هنية، ثم خرجت، وغابت، ثم قالوا: قد جاءت، قد جاءت، ففعلت ذلك مرتين، أو ثلاثاً!!

وما ربك بظلام للعبيد.

وأختم بهذا النقل الجميل عن شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو يناقش مقدم المغول بولاي، حيث قال: وبذلك أجبت مقدم المغل بولاي؛ لما قدموا دمشق في الفتنة الكبيرة، وجرت بيني وبينه وبين غيره مخاطبات؛ فسألني فيما سألني: ما تقولون في يزيد؟ فقلت: لا نسبه ولا نحبه، فإنه لم يكن رجلاً صالحاً فنحبه، ونحن لا نسب أحداً من المسلمين بعينه. فقال: أفلا تلعنونه؟ أما كان ظالماً؟ أما قتل الحسين؟ فقلت له: نحن إذا ذكر الظالمون كالحجاج بن يوسف وأمثاله نقول كما قال الله في القرآن: ألا لعنة الله على الظالمين، ولا نحب أن نلعن أحداً بعينه؛ وقد لعنه قوم من العلماء؛ وهذا مذهب يسوغ فيه الاجتهاد؛ لكن ذلك القول أحب إلينا وأحسن. وأما من قتل الحسين، أو أعان على قتله، أو رضي بذلك، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين؛ لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً.

قال: فما تحبون أهل البيت؟ قلت: محبتهم عندنا فرض واجب، يؤجر عليه، فإنه قد ثبت عندنا في صحيح مسلم، عن زيد بن أرقم قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بغدير يدعى خمًّا، بين مكة والمدينة، فقال: أيها الناس إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، فذكر كتاب الله، وحض عليه، ثم قال: وعترتي أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي.

قلت لمقدم: ونحن نقول في صلاتنا كل يوم: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

قال مقدم: فمن يبغض أهل البيت؟ قلت: من أبغضهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً.

ونحن نقول: ألا لعنة الله على قاتل الحسين، وعلى من رضي بقتله، وعلى من أعان على هذا القتل، وعلى من لم يقتص له، وهو كان قادراً على هذا الاقتصاص.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى