بيني وبينكم 2009

بينى وبينكم 2009 الحلقة السابعة الحجاب

الحجاب

ما من أمة من الأمم أو مجتمع أو مجتمع من المجتمعات إلا وينطلق من معتقد أو فلسفة أو نظرية أو نظام مل، سواء أكان نظاما اجتماعيا، أو فكريا معرفيا، أو سواه، ومن ثم يؤسس هذا المجتمع بقوانين تكون هو الضامن، والتي يحتكم إليها في شتى المجالات، وقد يسميه البعض دستورا، أو عقيدة عند البعض الآخر، أو تشريعا عند غيرهم.

وتكمن الخطورة بالنسبة لنا نحن كمسلمين حين يؤتى إلى الأصول والثوابت ويبدأ التشكيك بها، والطعن فيها، ومحاولة زلزلتها!

والأخطر والأشد نكاية في ذلك حين تصدر تلك التشكيكات والتزلزلات الفكرية والتصدعات المعرفية من الداخل وليس من الخارج، كما نبه على ذلك الأستاذ الكبير محمد محمد حسين رحمه الله تعالى في كتابه العظيم: “حصوننا مهددة من داخلها”.

فالذين يطعنون في الإسلام، ويشككون فيه من الخارج، ويشوهون صورته وأحكامه الشرعية، هم أناس مكشوفون مفضوحون، لا يخشى منهم، بل مقدور عليهم، لكن الخوف ممن اسمه: أحمد، ومحمد، وعلي، وعمر، وحسين، وحمزة، وجابر، ومسعود، وهند، وسعاد، وخديجة، إلى آخر هذه القائمة من الأسماء التي هي من جلدتنا، وتتكلم بألسنتنا، ومع ذلك تقرأ لهذه الأسماء كتابات وتصريحات ومقالات لا تمت إلى تلك الأسماء بصلة أو رابط، بل إنك لو قرأت كتابات بعض هؤلاء دون أن يتاح لك معرفة اسم الكاتب منهم، لما ترددت لحظة واحدة بالجزم بأن صاحب هذا المقال لا ينتمي إلى هذه الأمة العربية، فضلاً عن الإسلامية!!

وما تلك الكتابات – مع ادعاء الفلسفة والثقافة من أصحابها، والتعالي على الناس بذلك – إلا اجترار مقيت، وتقليد بغيض، بطريقة شائهة مختزلة مبتذلة، لأقوال وتصريحات ضد الإسلام، وعقائده، وأحكامه، وأخلاقه، وتطبيقاته، عفى عليها الزمن، وأكل الدهر عليها وشرب، كما يقولون، فلا جديد في كلامهم، ولا زيادة في انتقاداتهم، سوى البهرجة الزائفة، والشقشقة الخادعة!

ومن تلك القضايا التي صدّعوا بها رؤوسنا، وأزعجوا بها عقولنا: قضية حجاب المرأة المسلمة!! علماً بأن الحجاب معروف ومشهور في الديانات الأخرى، كالمسيحية، واليهودية! إلا أن فلسفة التعري، والرأسمالية، والمادية، ومن قبل ذلك كله دور اليهود الخبيث قديماً وحديثاً، كان هو العامل المهم في هذا الموضوع المتراكم.

وبين فينة وأخرى نسمع بعض العلمانيين يقول:

لماذا تجعلون من الحجاب قضية أولية؟

ولماذا تضعونها في سلم الأولويات؟

فهناك قضايا أكبر، وشواغل أعظم، وهناك مصائب في الأمة، تحتاج إلى نظر ودراسة وعلاج؟!

لماذا تهتمون دائما بالشكل والمظهر، ولا تلتفتون إلى المحتوى والمضمون والجوهر؟!!

إلا أن الحقيقة الَّتِي يجب على كل منصف الإذعان لها، والصدور عنها: أن هؤلاء المعترضين هم الذين أسسوا لتلك المشكلة، وأثاروا الفتنة، وشغلوا الناس بما يسمونه هم أنفسهم: طارئاً، وليس أولوية!!

فالناس في مأمن من دينهم، وأحكامهم، وشرائعهم، بما في ذلك الحجاب، فلماذا هذا التشكيك في قضية مسلَّمة عند كثير من – إن لم نقل جميع – المسلمين؟!!

* لماذا نطرح هذا الموضوع الحساس؟

والجواب:

أولاً: لأنهم يطعنون في الحكم الشرعي نفسه، ويحاولون التلاعب به وتأويله بأنه جاء لمرحلة معينة، وفترة زمنية محددة، ولجزء من المجتمع المسلم زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد انقضت تلك المرحلة، فتلاشى هذا الحكم الشرعي!

ثانياً: السخرية بالحجاب ذاته كحكم شرعي!

ثالثاً: صدور قوانين في بعض الدول العربية تجرِّم وتحرِّم الحجاب في حق المسلمة، في حين أننا نجد الراهبات مثلاً يتمتعن بكامل حقوقهن، وكافة حريتهن في تلك البلاد نفسها!!

وقد أشار إلى هذا المعنى الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالى في كتابه: “الحق المر”، فقد بيّن أن هؤلاء الذين حرّموا على المسلمة لبس الحجاب، لا يجرؤون على قول كلمة واحدة للراهبة التي تلبس اللباس ذاته، الذي تلبسه المرأة المسلمة، لماذا؟ لأن العبد ﻻ يملك القرار بأن يحارب من يلقنه تلك المباديء!!

إذن فالمسألة حرب على جهة دون جهة، وتحيز ظاهر، فإذا أردنا أن نرد على تلك الطعون والافتراءات، ونصحح المسار، قالوا لنا: لماذا تثيرون هذه القضية الشكلية، وتجعلونها أصل الأصول؟!!

ودعوني أسرد لك أخي القارئ الكريم بعض الوقائع والحوادث التي تثبت بما لا يدع مجالاً للشك بأن البادئ بالعدوان والتهجم على ثوابت هذه الأمة هم أولئك القوم الذين يدعون الديموقراطية، وحرية الرأي الآخر، واحترام الخلاف، وهم أبعد الناس عن ذلك.

نشرت مجلة (لها) في عددها الـ 80، حواراً مع مساعد طيار نرمين أحمد سميرة،  الفائزة بلقب ملكة جمال مصر،  التي عندما كبرت تحجبت، واستقامت على هذا الحجاب، ثم عملت في الطيران كمساعد طيار، ومع أن القوانين تسمح بعملها كمحجبة؛ إلا أن إدارة الشركة المالكة أرادت منعها من ذلك، وتروي قصتها مع المدير حيث قال لها: لن تعملي عندنا إلا إذا خلعت الحجاب، وفي مكتبي، وأعجبنا شكلك، ثم نقرر بعد ذلك هل تكملين معنا في عملك أم ﻻ؟!!! وتقول: أخبروني أنهم سيقومون برفع قضية ضدي، وسيطلبون مني تعويضاً قدره 45 ألف دولار كشرط جزائي لمن يستقيل، أو تثبت عدم كفاءته! ولهذا فإن الحل الوحيد للعمل عندهم هو خلع الحجاب!!

أقول:

لقد استوقفتني كلمة نرمين عندما قال لها المدير: لن تعملي عندنا إلا إذا خلعت الحجاب، وفي مكتبي، والأغرب من ذلك تصريحه بقوله: وأعجبنا شكلك! إذن التركيز ليس على المهارة، ولا على مدى الانضباط في العمل، ولا على الإتقان، ولا على كل أخلاقيات الوظيفة، وإنما التركيز على قضية الشكل والمظهر للمرأة، فمن الذي يتكلم عن الشكل إذن، ويجعله شغله الشاغل؟

ومثال آخر: فهذه مروة قاوكجي، البرلمانية التركية، التي اختارها الشعب بكامل حريته، تُمنع من دخول البرلمان بحجابها، وتلزم بخلعه! لدرجة أنها أصدرت كتاباً بعنوان: “حرية الديموقراطية بلا حجاب”، ذكرت فيه أنه كتب على بعض الحدائق العامة: ممنوع دخول الكلاب، والمحجبات!!

هل هذه هي الديموقراطية التي ينادون بها؟

هل هذه هي العلمانية التي تطلبونها؟!

هل هذا منطق عقلي؟

هل هذا هو مفهوم الحوار، والخلاف بينكم، وبين من تسمونه الآخر، وتقولون إننا نحترم الآخر؟

هل هذا هو المنطق الذي تنادون به؟!

لقد أعدمت هذه المسلمة المحجبة اجتماعياً، حتى أنها ذكرت في الكتاب الذي درس حالتها وعنوانه: “حجاب وحراب” قالت: إلى هذه الدرجة يصل الأمر، إشاعات عن بيتي، وعن زوجي، وعن بناتي، وعن أصلي، وفصلي، وأخلاقي، إذا كانوا يقذفون الطين، فليقذفوه كالرجال!!

لا شك أنه أمر يدعو إلى الحزن والأسى، فهو فجور في الخصومة، فلم تعد القضية خلافاً فكرياً، وإنما أصبحت مسألة انتقام، وتشويهاً للسمعة، وطعناً في الأعراض!

ولنا أن نقارن بين هذا الموقف العلماني الشرقي المستورد المتخلف، مع العلمانية الغربية في أصلها ومنشئها:

فها هو الرئيس الأمريكي أوباما، يختار امرأة مسلمة، محجبة، تكون مستشارة عندهم، لقضايا المسلمين، والجاليات المسلمة، وهي داليا مجاهد!!

قارن بين هذا، وهذا، لكي تعرف أن المستورِد للعلمانية، وللرأسمالية، بما أنه متخلف في منهجه وتصوراته، فسيظل متخلفاً في تطبيقاته.

وَمِمَّا يؤكد صدق هذا المعنى ما ذكره الدكتور فؤاد زكريا، وهو من الخط العلماني، حينما أجرت معه قناة أوربت لقاء، وسأله المقدم سؤالاً ليثيره به حيث قال: ما رأيك في مستوى خطباء المساجد؟ أليس مستواهم ضعيفاً؟ سؤال توريط للدكتور، إلا أن الدكتور كان أذكى منه، فقال له: إن الضعف عام في الأمة عَلى كافة الأصعدة، والتراجع عام فيها، وهذا ينعكس على الجميع، فمستوى الخطباء ضعيف، ومستوى الفنانين ضعيف، ومستوى الكتّاب ضعيف، ومستوى اللاعبين ضعيف، ومستوى الأداء الوظيفي ضعيف، فالضعف أصبح سمة بارزة لهذه الأمة!

فنقول لهؤلاء العلمانيين الذين يريدون أن يفخروا علينا: عليكم أن تعلموا أنكم علمانيون شرقيون، أي متخلفون، فلا تلقون اللوم، والتخلف على الآخرين.

إذن هؤلاء العلمانيون هم الذين جعلوا مِن قضية الحجاب معركة، وهم الذين جعلوا منها فتنة، وهم الذين شغلوا المسلمين، والمسلمات بها، وهم الذين أصدروا عشرات الطعون بطريقة فجة ضد هذا الحكم الشرعي، فهم الذين بدأوا المعركة، وألجأوننا إلى الرد؛ لأن هذا حكم شرعي ﻻ نستطيع التنازل عنه، فالحجاب وإن كان في ظاهره قضية شكلية، إلا أنه لا يجوز لمفكر أو باحث أن يفصل الشكل، والمظهر عن المخبر، والظاهر عن الباطن؟

أليس اللباس نمطاً لصيقاً بالإنسان، لا ينفك عنه؟ حتى إن العقاد ذكر في يومياته أن البعض قال في تعريف الإنسان: هو حيوان ﻻبس!

أليس للحجاب علاقة بالجانب النفسي للإنسان؟ وفي جانب العلاقات الاجتماعية، وفي الجانب العقائدي، وفي الموروث التاريخي؟!

أليس للباس أثر في البيئة؟ فهناك ملابس لمناسبات الفرح، وملابس لمناسبات الحزن، وملابس للجد، والعمل، وملابس للحرب، وملابس للوحدة الاجتماعية، وملابس لعبدة الشيطان لها من الإيحاءات المظلمة، ولها من الرمزية الضالة، والمخيفة، والشاحبة.

إن اللباس بحسب نظرة الإنسان هو قضية لها آفاق واسعة جداً، ففي كتاب: ساعات بين الكتب، عقد العقاد فصلاً في المقارنة بين الدراسات الغربية التي تدرس التاريخ، وتساءل: هل نستطيع أن نستدل على عادات الفراعنة أو اليونان أو أي حضارة قديمة من خلال فن العمارة لديهم بحيث نأخذ نظرة متكاملة عن حضارتهم، وثقافتهم، أم أن الموروث من اللباس، وعادات اللباس، لها النصيب الأكبر في ذلك؟!

الكثير من الدراسات تقولون: إن اللباس أدل على حضارة الإنسان، وثقافته، ومرجعياته، ودينه، وعاداته من العمارة، فهذه عمامة مسلم، وهذه قلنسوة يهودي، وهذا ثوب هندي أحمر، وهذه بردة بوذي، وهذا دﻻي ﻻما.

ومن أروع الدراسات المعمقة بكل ما تعنيه الكلمة كتاب الدكتور: يوسف محمد العبد الله، بعنوان: “ملبسك في عيون الآخرين”، ومن المباحث التي استوقفتني فيه: كلامه عن الزي هل هو رمز أم أمر، ﻻ سيما بالنسبة لنا نحن المسلمين؟ وما هي وظيفته بالنسبة لنا؟ وأيهما أسبق من الآخر؟ ومن الذي يعتمد على الآخر؟

كذلك من المباحث: ما هي النظرة التي ينظر بها لمن يرتدي الملابس؟

كذلك: حد المنابع، وحد المنافع.

وإليك أيها القارئ الحصيف هذه الواقعة التي ترد بكل جزئية فيها على دعوى أن الحجاب قضية شكلية، وأن الواقع أن اللباس له علاقة بالهوية بالشخصية، وبالموروث، وبالثقافة النسيجية التي تحكم هذا المجتمع أو ذاك، وينحدر منها هذا الفرد، أو ذاك:

نقل الشيخ محمد إسماعيل المقدم في كتابه: “عودة الحجاب”، عن مجلة المنار في ذكرى مرور مئة عام على احتلال الجزائر من قبل فرنسا، حيث وقف الحاكم الفرنسي في الجزائر قائلاً: (يجب أن نزيل القرآن العربي من وجودهم، ونتلع اللسان العربي من ألسنتهم حتى ننتصر عليهم)!! فالفرنسيون يعرفون أن هناك علاقة متينة بين أي لغة، وبين الهوية، فكيف إذا كانت هذه اللغة هي لغة القرآن الكريم؟

وبعد سنوات قلائل قامت فرنسا من أجل القضاء على القرآن في نفوس شباب الجزائر بتجربة عملية، حيث انتقوا عشر بنات جزائريات، وأدخلوهن في المدارس الفرنسية، فتربوا على الذوق الفرنسي، والموديل الفرنسي، والإتيكيت الفرنسي، والثقافة الفرنسية، حتى أصبحن فرنسيات المحتوى، والذوق، والعلاقات، أي تفرنسن رغم وجود الهوية الجزائرية الموروثة كاسم، وبعد 11 عاماً من الجهود هيئت لهن حفلة رائعة للتخرج، وجاء صحفيون، ووزراء، وكتاب، والحاكم العسكري لحضور هذا الحفل، وإعلان الانتصار على هوية هذه الأمة المسلمة، ولما ابتدأ الحفل فوجئ الجميع بالفتيات الجزائريات يدخلن حفل التخرج باللباس والزي الجزائري الإسلامي!! مما أصاب جميع الحضور من الفرنسيين بالصدمة والذهول وخيبة الأمل، فثارت ثائرة الصحف الفرنسية، وتساءلت: ماذا فعلت فرنسا في الجزائر بعد مرور 128 عاماً؟

فأجاب ﻻكوست وزير المستعمرات الفرنسية: ماذا أصنع إذا كان القرآن أقوى من فرنسا؟!

والسؤال المهم: لماذا سخط الفرنسيون من صنيع تلك الفتيات الجزائريات، مَعَ أنهن تفرنسن في اللغة، وفي العادات، وأصبحن فرنسيات المحتوى والمضمون؟

إذن اللباس له علاقة وثيقة بالهوية، ولذا فقد أزعجت المستعمر.

ولنقرأ ماذا قال الدكتور حسان حتحوت رحمه الله تعالى في كتابه: “بهذا ألقى الله”، عن علاقة الحجاب بالهوية؟ وما هي قصة الفتاة اليهودية التي لبست الحجاب؟

يقول رحمه الله تعالى: (وللملابس كلام، ولسان، كما للألسنة كلام، واللغة والكلام والمؤشرات التي يعطيها لبس البكيني غير اللغة، والكلام، والمؤشرات التي يعطيها لبس الحجاب المحتشم، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين).

ثم ذكر أنه في أحد جامعات لوس أنجلوس كانت هناك فتاة يهودية جميلة، وكان هناك مجموعة من الشباب الضائع في الجامعة يجلسون في زاوية من الزوايا، وكلما مرت هذه الفتاة ألقوا عليها الكلمات البذيئة، وتحرشوا بها، فذهبت إلى إحدى الجمعيات النسائية المناهضة لتحيزات الرجال، وشرحت لهم ما تواجهه من هؤلاء الشباب، فأشاروا عليها بأن تحلق شعرها تحدياً لهم، ففعلت ذلك، وكان فعلها غريباً، وغير معهود، ولافت، لكنها مع ذلك لم تسلم من التحرش!! فماذا تفعل كي تتخلص من هذا الإيذاء؟ لقد أشار عليها البعض بأن ترتدي الحجاب، فالحجاب لبس للمسلمين، وله دلالته، فلبست الحجاب، ومرت أمام هؤلاء المشاكسين فتوقفوا عن الهمز، واللمز، والحركات القبيحة، لماذا؟

لأن لهذا الحجاب رمزية واضحة، فكوني أنا محجبة، إذن أنا أنتمي إلى هوية معينة، وخصوصية محددة، فالحجاب مرتبط بالهوية، وبالأخلاقيات، وبالقيم، وبأشياء كثيرة.

وهذه قصة لمثقفة كبيرة مرشحة لجائزة نوبل، ألا وهي الهندوسية الهندية الدكتورة: كامالا داس، وقد حازت على جائزة الشعر الآسيوية، وجائزة الكتابة بالإنجليزية في البلدان الآسيوية، فماذا تقول الدكتورة داﻻس؟

لقد كانت الدكتورة دالاس تتعامل مع الجمعية الدولية للعميان، فكان من نصيبها تربية طفلين مسلمين عمياوين، فقامت على خدمتهما وتنشئتهما، وأخذت تدرسهما الدين الإسلامي كونهما مسلمَين، فرأت في الدين الإسلامي الفطرة، ورأت فيه السعادة، ورأت فيه الكمال، فأسلمت، ولما سئلت لماذا أسلمتِ؟ قالت: رأيت احترام الإسلام للمرأة، ورأيت حقوق المرأة واضحة في الإسلام.

ولما سئلت: وما الذي جذبك إلى الإسلام؟

قالت: لقد أحببت الحجاب الذي ترتديه المرأة المسلمة، وأحببت الحياة المستقيمة التي تعيشها المرأة المسلمة.

فقيل لَها: لكن ألا يحد الحجاب من حريتك؟

فقالت: ﻻ أرغب بها، فقد كان لدي الكثير من تلك الحرية المقحمة علي!!!

فهذه الهندوسية سابقاً المسلمة الآن تصرح بأن الحجاب ﻻ يقيد الحرية، بل على العكس إن الحرية الحقيقية تفهم من خلال الحجاب.

وهذا مراد هوفمان الألماني الذي كان سفيراً لألمانيا في الجزائر، ثم في المغرب، وهو أقرب ما يكون إلى الفكر الاستشراقي، عندما أسلم، ألف كتابه: “الإسلام كبديل”، ثم كتابه الآخر: “الطريق إلى مكة”، ثم كتابه الثالث: “الإسلام في الألفية الثالثة”، ذكر بأن الحجاب ثورة على هذا العري، وأن لجسم المرأة احتراماً، وأنه غير مبتذل، وأنه في عصر تسليع الذات الأنثوية لا بد أن تعلن هذه الذات أنها مقدسة، لذلك أمر الإسلام بالحشمة كجزء من الحل لقضية التجاذب بين الأنثى والذكر، ونحن كمسلمين حين نتكلم عن الحجاب ندعو إلى تربية عامة، ولا نحكم على الإنسان من لباسه، أو من صلاته، أو من حجه، فلو أخطأ الحجاج فإننا ﻻ ننفي الحج، ولو أساء المصلون فإننا ﻻ نلغي الصلاة، ولو رأينا المسلمين في تخلف حضاري، فإننا ﻻ نلغي الإسلام، فالمبادئ فوق الأشخاص، فالحجاب حكم شرعي، ويؤسفني ألا ترضى الأم لبنتها أن تتحجب، ويؤسفني أكثر أن أرى الحجاب يفرغ من دلالاته، ورمزيته، وشروطه، فلا بد لنا أن نعرف أحكام الشريعة، وألا تؤثر فينا الدعاية، والإعلان، وألا نخضع للذين يحاربون الحجاب، والذين منطقهم كمنطق نزار قباني الذي يقول في قصيدته الخرافة:

 

 

 

يوم كنا في الكتاتيب صغاراً حقنونا

علمونا ركبة المرأة عورة، ضحكة المرأة

 

بسخيف القول ليلاً ونهاراً

عورة، صوتها من خلف الباب عورة

فردّ عليه محيي الدين عطية، وقال:

يوم كنا نتغذى من عقول الفضلاء، وتربينا

أشرق النوار فينا وتباهينا بجيل العظماء

أوهمونا أننا نطفو بدفن السالفين فتسابقنا

أي عشق يا سليب الأرض من دون سماء

قد هزمنا يوم صار الفن ماخوراً كبيراً

أوهمونا ﻻ يكون الحب حباً دون عري الركبتين

يوم صار الحب بين الشفتين

حقنونا فانتحرنا بمزامير صنعنا لحنها كالبلهاء

 

شريفات النساء، آلت الأرض إلينا والسماء

وسقطنا مذ وضعنا كلمات الآخرين وطعنا من فتات الغاصبين

لسبّ العلماء وتندرنا بقول الأنبياء

أي عشق والصواريخ تدك الكبرياء

يوم أضحى الشعر كأساً وسريراً

فتخلى الحب عنا يوم صار النبض بين الركبتين

ما هزمنا أو سبينا، ما قتلنا بصواريخ الفناء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى